د. رنا بنت عبدالله الغامدي
أعتقد أنه حين يُنشر هذا المقال، ستكون مرحلة تأكيد القبول الجامعي قد انتهت أو قاربت على الانتهاء، وستكون منصة القبول الموحّد قد أغلقت واحدة من أكثر مراحل العام توترًا في بيوت كثيرة. ستكون هناك أسر تتبادل التهاني، وطلبة سعداء بقبولهم في تخصصات أحلامهم، وآخرون حصلوا على مقاعد لا تشبه خياراتهم الأولى، بينما سيبقى بعضهم بلا فرصة جامعية.
وبين الفرح والحزن، هناك فئات من الطلبة لا تعكس نتائج القبول حقيقة ما يملكونه من قدرات؛ بعضها في الاختراع أو المشاريع التقنية، أو موهبة فنية وإبداعية، لكنهم رغم ما سبق تعثروا أمام معايير لم تُصمَّم لتقيس قدراتهم.
وصلتني قبل أيام رسالة من طالب تعرَّفت إليه أول مرة في معرض دولي، ثم التقيته مجددًا في معرض آخر أُقيم في بلد مجاور واستمر التواصل بيننا بعد ذلك، هذا الطالب لفتت اختراعاته الأنظار، وأجرت معه قنوات محلية لقاءات تلفزيونية، كما حصل على لقب المخترع والمبتكر كتقدير شرفي من الاتحاد الدولي لجمعيات المخترعين IFIA.
لكن رسالة الطالب هذه المرة لم تكن خبرًا عن جائزة أو إنجاز جديد، كما تعودت منه، لكنه أخبرني بأن إنجازاته ومشاركاته الدولية لم تساعده على الحصول على قبول جامعي؛ لأن درجته الموزونة لم تكن مرتفعة بما يكفي.
توقفت أمام رسالته: كيف يستطيع طالب أن يقنع لجان تحكيم دولية بمشاريعه، وأن يشرح اختراعه أمام الكاميرات، ثم لا تمتلك منظومة القبول الجامعي مساراً يتمكن من تقييم إنجازاته؟
لا أطرح قصة هذا الطالب لغرض انتقاد اختبارات القبول المعيارية المقننة (اختباري القدرات والتحصيلي) أو معايير الجامعات، لكنني أتساءل: هل تقيس معايير القبول الحالية قدرة الطالب كاملة، أم تظهر فقط الجزء الذي تستطيع هذه الاختبارات المعيارية قياسه؟
من المؤكد أن اختباري القدرات والتحصيلي يؤديان دورًا مهمًا في المفاضلة بين المتقدمين وقياس بعض جوانب الاستعداد الأكاديمي. فاختبار القدرات يركز على القدرات التحليلية والاستدلالية والقابلية للتعلم، بينما يقيس الاختبار التحصيلي مدى استيعاب الطالب للمعارف والمفاهيم التي درسها في مقررات المرحلة الثانوية. ومع أهمية هذين الجانبين، فإن الاختبارين لا يقيسان بصورة مباشرة القدرة على الاختراع، أو البرمجة، أو التصميم، أو تأسيس مشروع، أو قيادة فريق؛ وهي قدرات قد تظهر في الإنجاز العملي أكثر مما تظهر في ورقة الاختبار.
المشكلة إذن ليست في الاختبار، بل في أن نجعله حكمًا نهائيًا على مستقبل طالب قد تكون موهبته من نوع آخر. فالميزان على سبيل المثال دقيق في قياس الوزن، لكن دقته لا تجعله أداة لقياس الطول.
وقد قدمت الأدبيات التربوية فهمًا أوسع للموهبة، يربطها بالإبداع والالتزام بالمهمة والقدرة على حل المشكلات وتحويل الأفكار إلى منتجات ومبادرات، لا بمجرد التفوق في الاختبارات.
وهنا تظهر فئة يمكن وصفها بالموهوبين ذوي المسارات غير التقليدية؛ وهم طلبة قد لا يحققون أعلى الدرجات، لكنهم يثبتون قدراتهم من خلال اختراع، أو مشروع تقني، أو تصميم، أو إنتاج إعلامي، أو مبادرة قيادية وريادية.
ومن بين هؤلاء فئة تُعرف بثنائيي الاستثنائية؛ وهم طلبة يمتلكون موهبة أو قدرة عالية في مجال معين، وفي الوقت نفسه يواجهون تحديًا قد يؤثِّر في أدائهم الدراسي أو الاختباري، مثل اضطراب طيف التوحد، أو فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو عسر القراءة. فقد يكون الطالب مبدعًا في البرمجة أو الاختراع، لكنه يواجه صعوبة في التركيز، أو القراءة السريعة، أو التعامل مع ضغط الاختبارات؛ فتبدو درجاته أقل من مستوى قدراته الحقيقية، ولا تظهر موهبته بوضوح في أدوات التقييم التقليدية.
وقد يُعفى بعض هؤلاء من اختباري القدرات والتحصيلي إذا كان التحدي الذي يواجهون مصنفًا رسميًا ضمن الإعاقات المشمولة بالإعفاء، ومع ذلك، تختلف الجامعات في التعامل مع المقبولين عبر هذا المسار؛ فبعضها يقصر قبولهم على مجموعة محددة مسبقاً من التخصصات، بينما تتبنى جامعات أخرى نهجًا أكثر احتواءً، يتيح للطالب ترتيب رغباته ضمن البرامج الملائمة لقدراته وحالته، عوضاً عن حصره مسبقًا في خيارات ضيقة.
ولا يعني ذلك أن كل طالب منخفض الدرجة يُعد موهوبًا؛ فالموهبة تحتاج إلى أدلة موثقة وتقييم متخصص. لكن وجود هذه الفئات يفرض ألا تصبح الدرجة المنخفضة حكمًا نهائيًا قبل النظر في ملف الإنجاز وطبيعة الموهبة.
اللافت أن مؤسسة «موهبة» نفسها تتبنّى في مقياسها للقدرات العقلية المتعددة منطق تعدّد القدرات، وتصرّح بأن عدم بلوغ الطالب الدرجة المطلوبة لا يُلغي موهبته، بل وتبقى أمامه أبواب المسابقات المختلفة مفتوحة، لكن في حين أن منظومة الكشف عن الموهبة تعترف بتعدّد المسارات، تظل منظومة القبول الجامعي أسيرةً للنسب الموزونة.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع توسع بعض الجامعات في مكونات الاختبارات المعيارية. ففي إحدى الجامعات الكبرى، أصبحت المفاضلة تتضمن نسبة لاختبار اللغة الإنجليزية STEP لمن لديه نتيجة فيه.
وأنا أتفق بشدة بأن اللغة الإنجليزية مهمة لأغلب التخصصات في التعليم الجامعي، لكن هل حصل جميع الطلبة على الفرص نفسها لإتقانها والاستعداد لهذا الاختبار؟ فالطالب الذي تخرج من مدرسة توفر دعمًا أكبر لتعلم اللغة الإنجليزية لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها طالب من بيئة تعليمية محدودة الموارد.
ولست ضد اختبار اللغة الإنجليزية، لكن يمكن النظر إليه كمهارة تُبنى بعد القبول من خلال مقررات اللغة التأسيسية، بدل أن تصبح حاجزًا يغلق الباب أمام موهبة يمكن تطويرها.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن بعض الجامعات بدأت بالفعل في تنويع مسارات القبول، فأنشأت برامج للابتكار والتقنية والفنون والبحث العلمي والقيادة والرياضة، وتطلب من المتقدم تقديم مشروع أو ملف أعمال أو براءة اختراع والخضوع لاختبار عملي أو مقابلات شخصية. ومع أهمية هذه المسارات، لا تزال بعض شروطها تمنح الدرجات الأكاديمية والاختبارات المعيارية وزنًا أكبر من ملف الإنجاز والمقابلة. وهنا يبرز السؤال: هل يُستبعد طالب حاصل على تكريم دولي لمجرد أن درجته الموزونة تضعه خارج نطاق المنافسة؟
الإصلاح المنشود ليس إلغاء الاختبارات أو منح استثناءات غير منضبطة، بل بناء منظومة تعتمد على أدلة متعددة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مسار قبول جديد يعتمد على ملف إنجاز موثق، ومقابلات شخصية، وتقييم عملي للمشروع أو الابتكار، وخطابات توصية من جهات تعليمية أو علمية موثوقة، إلى جانب تخصيص نسبة محدودة من المقاعد لأصحاب الإنجازات الاستثنائية، أو إتاحة قبول مشروط يمنح الطالب فرصة لإثبات قدرته وتطوير لغته ومهاراته الأكاديمية، مع ربط منصة القبول الموحّد بالجهات الراعية للموهبة ومعارض الاختراع؛ حتى تنتقل إنجازات الطالب الموثقة معه وتصبح جزءًا من ملفه عند المفاضلة.
أخيراً، العدالة ليست أن نخضع الجميع للمقاييس نفسها، بل أن نمتلك أدوات متعددة تقيس كل قدرة بما يتناسب معها، من دون الإخلال بجودة التعليم ونزاهة المنافسة. فالوطن الذي يطمح إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، لا يملك ترفاً أن يترك مخترعيه ومبدعيه الواعدين على عتبة الجامعة، فقط لأن موهبتهم لم تظهر في النسبة الموزونة للمفاضلة.