د.شريف بن محمد الأتربي
«لا يخشى المجتمع الجاهل العبقرية لأنها خاطئة، بل لأنه يخشى أن تكشف حدود ما اعتاد أن يراه صحيحًا.»
تتكرر في المدارس والجامعات والمؤسسات، بل وحتى في المجتمعات، ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلًا؛ فكلما ظهر شخص يمتلك قدرة استثنائية على رؤية المستقبل، أو التفكير خارج الأطر التقليدية، أو اقتراح حلول غير مألوفة، بدأت حوله مقاومة صامتة، ثم تحولت تدريجيًا إلى مقاومة معلنة. ليس لأن أفكاره خاطئة، بل لأن وجوده يفرض على الآخرين إعادة النظر في قناعاتهم ومكانتهم، وهو أمر لا يتقبله الجميع بسهولة.
إنها ليست حربًا على الذكاء، وإنما حرب على ما يمثله الذكاء من تهديد للمألوف، وللهياكل الفكرية والإدارية الراسخة، وللشعور بالأمان الذي تمنحه العادات والأنماط التقليدية.
لماذا يُقاوم المتميزون؟
علم النفس التنظيمي يفسر هذه الظاهرة من خلال عدة مفاهيم، من أبرزها «التهديد بالمقارنة الاجتماعية». فعندما يظهر شخص ينجز بطريقة مختلفة أو أسرع أو أكثر إبداعًا، قد يشعر بعض المحيطين به بأن مكانتهم أصبحت مهددة، فيتحول الاهتمام من مناقشة الفكرة إلى مقاومة صاحبها.
كما تشير دراسات السلوك المؤسسي إلى أن المؤسسات قد تطور مع الزمن ما يُعرف بـ»المناعة التنظيمية»، وهي ميل طبيعي لمقاومة كل ما يهدد الأنظمة القائمة، حتى لو كان هذا التغيير يصب في مصلحتها على المدى الطويل.
ولذلك نجد أن كثيرًا من الأفكار الرائدة لم تُرفض بسبب ضعفها، وإنما لأنها جاءت قبل أن يكون المجتمع أو المؤسسة مستعدين لاستيعابها.
التاريخ مليء بمن سبقوا عصرهم عبر التاريخ، لم يكن الطريق ممهدًا أمام أصحاب الرؤى المختلفة.
فالعالم الإيطالي غاليليو غاليلي واجه محاكمات قاسية عندما دافع عن مركزية الشمس، ليس لأن أدلته كانت ضعيفة، بل لأنها هزّت التصورات السائدة في عصره.
وفي مجال الأعمال، رفضت شركات كبرى في بداياتها أفكارًا أصبحت اليوم أساس الاقتصاد الرقمي، لأن أصحاب القرار لم يستطيعوا تصور مستقبل مختلف عن حاضرهم.
وتشير دراسات تاريخ الابتكار إلى أن كثيرًا من الاختراعات احتاجت سنوات، وأحيانًا عقودًا، قبل أن يعترف المجتمع بقيمتها الحقيقية.
ماذا فعلت الدول التي أرادت صناعة المستقبل؟
الدول التي تقود الابتكار اليوم لم تكتفِ باكتشاف الموهوبين، بل أنشأت أنظمة كاملة لحمايتهم وتمكينهم. فهي لم تتعامل مع الموهوبين بوصفهم حالات فردية متفوقة، بل بوصفهم أصولًا وطنية تحتاج إلى منظومة متكاملة.
ففي الولايات المتحدة، ارتبطت رعاية العقول المتقدمة بالبحث العلمي والجامعات والشركات التقنية. وفي فنلندا، صُمم التعليم ليمنح مساحة أكبر للتفكير والاستقصاء وحل المشكلات. أما سنغافورة وكوريا الجنوبية، فقد ركزتا على المسارات المتخصصة لاكتشاف أصحاب القدرات العالية مبكرًا، ومنحهم بيئات تعليمية أكثر عمقًا وتحديًا.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب أن الموهوب لم يُعامل على أنه طالب يحتاج إلى درجات أعلى، بل على أنه مشروع وطني يحتاج إلى بيئة مختلفة؛ بيئة لا تعاقب الاختلاف، ولا تقيس الذكاء بالامتثال للنمط، بل بقدرته على إنتاج المستقبل.
فالذكاء الاستثنائي لا ينمو في بيئة تُعاقب الاختلاف، ولا يزدهر في مؤسسة ترى أن الالتزام بالنمط أهم من إنتاج الأفكار.
من اكتشاف الموهبة إلى بناء الذكاءات المتقدمة
أرى أن الوقت قد حان للانتقال من مفهوم “رعاية الموهوبين” إلى مفهوم أوسع وأكثر ارتباطًا بمتطلبات المستقبل، وهو بناء الذكاءات المتقدمة. والمقصود به ليس مجرد اكتشاف أصحاب القدرات العالية، بل تصميم منظومة وطنية ومؤسسية قادرة على تنمية أنماط تفكير نوعية؛ ترى المستقبل قبل وقوعه، وتربط بين المعرفة والقرار، وتحول الاختلاف الفكري إلى قيمة عملية قابلة للتطبيق.
فالذكاءات المتقدمة لا تعني ارتفاع معدل الذكاء فقط، وإنما تشمل القدرة على:
استشراف المستقبل والتفكير المنظومي.
الربط بين التخصصات المختلفة.
اتخاذ القرار في البيئات المعقدة.
القيادة الفكرية وإدارة التغيير.
الابتكار المستدام.
الذكاء الأخلاقي والثقافي والرقمي.
وهذه هي القدرات التي ستُميّز قادة العقود القادمة، لا بوصفهم أصحاب معرفة فقط، بل بوصفهم صُنّاع تحول.
لماذا نحتاج إلى نموذج وطني جديد؟
وفي السياق السعودي، تزداد أهمية هذا النموذج مع التحولات الكبرى التي تقودها رؤية المملكة 2030؛ إذ لم تعد التنمية تعتمد فقط على الموارد أو البنية التحتية، بل على قدرة الإنسان على الابتكار، وتحويل المعرفة إلى قيمة، وقيادة القطاعات الجديدة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والسياحة، والصناعة، والخدمات.
ومن هنا، فإن بناء الذكاءات المتقدمة ليس ترفًا تعليميًا، بل ضرورة وطنية لتغذية المشاريع الكبرى والمبادرات التحولية بعقول قادرة على التفكير خارج النمط، والعمل داخل مستهدفات وطنية واضحة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة لم تعد إلى برامج متفرقة لرعاية الموهوبين، بل إلى نموذج وطني متكامل يربط الاكتشاف بالتمكين، والتعليم بسوق المستقبل، والقدرات الفردية بالأولويات الوطنية.
كيف يمكن بناء هذا النموذج؟
يقوم النموذج على خمسة محاور رئيسة:
الاكتشاف المبكر: باستخدام أدوات حديثة تقيس أنماط التفكير، والقدرات الإبداعية، والذكاءات المتقدمة، وليس التحصيل الدراسي وحده.
التعليم المتخصص: تصميم مسارات تعليمية مرنة تتناسب مع قدرات المتعلمين، وتسمح لهم بالتقدم وفق إمكاناتهم.
التمكين العملي: إشراكهم في مشروعات بحثية، وحاضنات ابتكار، وتحديات وطنية حقيقية.
الإرشاد والاحتضان: ربطهم بخبراء وقادة في مختلف المجالات، وتوفير شبكات دعم مستمرة.
القيادة المستقبلية: إعدادهم لتولي أدوار قيادية في القطاعات الحكومية والخاصة، وليس فقط لتحقيق التفوق الأكاديمي.
رؤية للمستقبل
إذا كنا نريد أن نبني اقتصادًا معرفيًا، وننافس في مجالات الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والتقنيات المتقدمة، فإننا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم «الموهبة».
الموهوب ليس من يحصل على أعلى الدرجات، ولا من يحفظ أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يمتلك القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وتحويل الأفكار إلى واقع، وقيادة التغيير في لحظات التحول الكبرى.
إن بناء الذكاءات المتقدمة ليس مشروعًا تربويًا فحسب، بل مشروع حضاري واستثماري طويل الأمد. فالأمم لا تُقاس بعدد مدارسها وجامعاتها فقط، بل بعدد العقول التي استطاعت أن تحميها من الإقصاء، وأن تمنحها الفرصة لتقود المستقبل.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نكتشف الموهوبين؟ بل: كيف نبني بيئة لا تضطر فيها العقول الاستثنائية إلى إخفاء تميزها خوفًا من المقاومة؟
فعندما ننجح في الإجابة عن هذا السؤال، سنكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لصناعة قادة المستقبل، لا مجرد تخريج طلاب أو إعداد موظفين، بل إعداد أجيال قادرة على استشراف الغد وصناعته.