أحمد آدم
بين انقسام الداخل الإيراني واندفاعة اليمين الإسرائيلي، جاءت فرملة واشنطن لتعيد رسم خرائط النفوذ. إن الرد الحقيقي على تحولات الموقف الأمريكي لم يعد يكمن في انتظار حماية وراء البحار، بل في الانتقال الشجاع نحو «منظومة أمن إقليمي ذاتي» يقودها تحالف عربي أوراسي يفرض السلام الاقتصادي، ويحول المضائق والممرات المائية من نقاط تفجير عسكري إلى شرايين حياة مستدامة.
أولا: نائب الرئيس الأمريكي يجدد هجومه
أصدر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تصريحات نارية وغير مسبوقة ضد جهات في الحكومة الإسرائيلية وضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصياً خلال مقابلة مطولة مع مقدم البودكاست الشهير «جو روغان»، والتي تزامنت مع تصريحات صحفية أخرى. أبرز ما جاء في تصريحات فانس ضد إسرائيل ونتنياهو يتلخص في النقاط التالية:
1 - اتهام إسرائيل بالتدخل لإفشال مسار التهدئة
- «اذهبوا إلى الجحيم»: وجّه فانس هذه العبارة القاسية إلى جهات ومجموعات ضغط إسرائيلية. واتهمها بإدارة حملة تأثير ممولة وخفية داخل الولايات المتحدة تستهدفه شخصياً لإفشال «مذكرة التفاهم» والمسار الدبلوماسي الذي تقوده إدارة ترامب لإنهاء الحرب مع إيران.
- محاولة توجيه القرار الأمريكي: أكد فانس أن بعض المسؤولين الإسرائيليين يسعون لتخريب الجهود الدبلوماسية الأمريكية لإبقاء واشنطن منخرطة في الحرب. وشدد على أن «السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن تُصاغ في واشنطن وليس في أي مكان آخر». الهجوم على شعبية نتنياهو ووزرائه.
- نتنياهو غير محبوب: قال فانس صراحة خلال المقابلة إن «رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليس شخصاً محبوباً بشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي».
- انتقاد وزراء اليمين: عبّر عن استيائه الشديد من وزراء في كابينيت نتنياهو هاجموا الاتفاق الدبلوماسي الإيراني الأمريكي. ووصف هجومهم الشخصي على الرئيس دونالد ترامب بأنه أمر غير مقبول. وأضاف سابقاً أن على هؤلاء الوزراء «أن يستفيقوا» ويعرفوا حجم الدعم الأمريكي لبلادهم.
2 - خسارة معركة الرأي العام وتهمة معاداة السامية
- خسارة الرأي العام: صرح فانس بأن إسرائيل «تخسر معركة الرأي العام في الولايات المتحدة بشكل واضح، وهذه حقيقة واضحة وبسيطة» بسبب سياساتها المستمرة.
- رفض الابتزاز السياسي: أكد نائب الرئيس الأمريكي بوضوح أنه «ليس كل انتقاد لقرارات وسياسات بيبي نتنياهو يعود إلى معاداة السامية أو يُعد معادياً للسامية».
3 - إثارة ملف جيفري إبستين والموساد
- فجّر فانس مفاجأة إضافية بزعمه أن رجل الأعمال المدان جيفري إبستين كانت له صلات وثيقة بأجهزة استخباراتية، ملمحاً إلى ارتباطات مع «الدولة العميقة» في إسرائيل وجهاز الموساد.
تشير التقارير إلى أن هذه التصريحات تعكس توتراً متزايداً في العلاقة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الحالية، خاصة فيما يتعلق بالمسارات الدبلوماسية الإقليمية. وقد ذكرت بعض المصادر أن هذا المناخ السياسي أدى إلى مراجعة توقيت بعض اللقاءات الرسمية المقررة بين الطرفين.
ثانيا: تأثير التصريحات على الداخل الإسرائيلي والأمريكي
أحدثت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الأخيرة صدمة سياسية واسعة، وأثارت ردود فعل متباينة وحادة داخل الأوساط السياسية والإعلامية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
1 - ردود الفعل في الداخل الإسرائيلي
انعكست تصريحات فانس بقلق بالغ وغضب مكتوم في تل أبيب، لكونها تصدر من نائب رئيس جمهورية تُصنف تاريخياً بأنها الأقرب لإسرائيل.
أ - مخاوف من شرخ إستراتيجي: ترى النخبة السياسية الإسرائيلية والمحللون أن تصريحات فانس تعكس فجوة متزايدة مع إدارة ترامب. وتخشى إسرائيل أن تؤدي هذه المواقف إلى تقييد حريتها العسكرية في المنطقة، خاصة في صراعها مع إيران وحزب الله.
ب - القلق من طموحات فانس المستقبلية: يسود رعب حقيقي في الأوساط الإسرائيلية من احتمال ترشح فانس للرئاسة الأمريكية مستقبلاً بعد انتهاء ولاية ترامب. وصول رئيس جمهوري يتبنى مبدأ «أمريكا أولاً» ويرفض التدخل العسكري الخارجي يُعد كابوساً إستراتيجياً لتل أبيب.
جـ - الصدمة من ملف «إبستين والموساد»: فجرت تصريحاته حول صلة جيفري إبستين بـ «الدولة العميقة» والاستخبارات الإسرائيلية حالة من الذهول. واعتبرتها أوساط قريبة من الحكومة محاولة لتشويه سمعة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وربطها بملفات جنائية حساسة لابتزاز تل أبيب سياسياً.
د - الدفاع عن جماعات الضغط: نفت جهات مرتبطة باللوبي الإسرائيلي اتهامات فانس بتمويل حملات سرية لمهاجمته شخصياً أو لتخريب اتفاق التهدئة، معتبرة أن التعبير عن القلق من الاتفاق مع إيران هو حق مشروع لحماية أمن إسرائيل.
هـ - رأي الاعلام الإسرائيلي: تعاملت الصحافة العبرية بمزيج من الصدمة الشديدة، والتحذير من «شرخ إستراتيجي»، والتحليل المعمق لخلفيات هجوم جيه دي فانس الناري، لاسيما عبر كبريات الصحف مثل «هاآرتس» و»يديعوت أحرونوت». واتفقت القراءات التحليلية في تل أبيب على أن الهجوم ليس عفوياً، بل خطوة مبرمجة ترتبط مباشرة بالتوتر حول «اتفاق التهدئة» مع إيران ورغبة واشنطن في تجنب الضغوط الإسرائيلية.
اتفاق كارثي: ركزت المنصات الإسرائيلية القريبة من اليمين على خلفية الصراع، وهو «مذكرة التفاهم» الدبلوماسية التي أبرمتها إدارة ترامب مع إيران لخفض التصعيد النووي والعسكري.
تبرير هجوم فانس: اعتبر المحللون اليمينيون في إسرائيل أن هجوم فانس العنيف وعبارته القاسية («اذهبوا إلى الجحيم») جاءت كرد فعل غاضب على نجاح تقارير صحفية (مثل تقرير مجلة تايم) في كشف تمويل جهات إسرائيلية لحملات مؤثرين داخل أمريكا لمهاجمته شخصياً ومهاجمة الاتفاق.
خلاصة قراءة الصحافة العبرية: ترى النخبة الإعلامية في إسرائيل أن تصريحات فانس نجحت في تحقيق هدف الإدارة الأمريكية تكتيكياً: وهو فرملة اندفاعة نتنياهو نحو واشنطن، وفرض شروط مشددة على أي لقاء قادم لضمان عدم قيام إسرائيل بتخريب المسار الدبلوماسي الأمريكي الإيراني.
2 - ردود الفعل في الداخل الأمريكي
أعادت التصريحات صياغة النقاش الداخلي حول حدود الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وقسمت الشارع السياسي:
أ - تيار «أمريكا أولاً» واليمين الشعبي: لاقت تصريحات فانس ترحيباً كبيراً بين أتباع هذا التيار (الذين يمثلون القاعدة الصلبة لترامب وفانس). يرون أن فانس يضع مصالح دافعي الضرائب الأمريكيين أولاً، ويرفض الانجرار إلى «حروب لا نهاية لها» في الشرق الأوسط تخدم قوى خارجية.
ب - المؤسسات التقليدية المؤيدة لإسرائيل (AIPAC وغيرها): شنت هجوماً مبطناً على فانس، واعتبرت تصريحاته خروجاً خطيراً عن الإجماع الحزبي الأمريكي الداعم لإسرائيل. وحذرت من أن إضعاف التحالف مع تل أبيب في هذا التوقيت الحرج يخدم إيران وحلفاءها.
جـ - الحزب الديمقراطي والمعارضة: استغل الديمقراطيون هذه التصريحات لإبراز «التخبط والاضطراب» في السياسة الخارجية لإدارة ترامب. وفي الوقت نفسه، وجد الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي (المنتقد أصلاً لنتنياهو) في كلام فانس اعترافاً علنياً ونادراً من رأس السلطة بأن إسرائيل تتلاعب بالرأي العام الأمريكي.
د - تفاعل منصات التواصل والبودكاست: حققت المقابلة ملايين المشاهدات في ساعات قليلة. واعتبر قطاع واسع من الشباب والمستقلين أن كسر فانس لـ «تابو» انتقاد إسرائيل، والحديث بجرأة عن قضية إبستين، يُمثل شفّافية مطلوبة طالما تجنبها السياسيون التقليديون.
ثالثا: تأثير التصريحات على دول منطقة الشرق الأوسط
أحدثت تصريحات جيه دي فانس الأخيرة ارتدادات سياسية واسعة في عواصم الشرق الأوسط، حيث بدأت الدول بإعادة تقييم مدى التزام واشنطن بحلفائها التاريخيين:
1 - إيران ومحورها: رسالة طمأنينة وفرصة إستراتيجية
ترى طهران في هجوم فانس على إسرائيل إشارة واضحة إلى أن إدارة ترامب تفتقر إلى الإرادة السياسية لخوض حرب إقليمية نيابة عن نتنياهو، مما يعزز موقف إيران التفاوضي بشأن «مذكرة التفاهم». اتساع الفجوة: يبتهج الإعلام المحسوب على طهران وحلفائها بوجود «شرخ غير مسبوق» بين واشنطن وتل أبيب، مما يقلل من مخاوفهم بشأن تشكيل تحالف عسكري أمريكي-إسرائيلي هجومي موحد.
2 - دول الخليج العربي: قلق من الفراغ الأمني وفرص الوساطة
تخشى دول الخليج أن تترجم فلسفة فانس (أمريكا أولاً) إلى انسحاب عسكري تدريجي أو تقاعس أمريكي عن حماية الممرات المائية في حال تصاعدت الهجمات الإيرانية. دعم مسار الدبلوماسية: تعطي هذه التصريحات دفعة قوية للجهود التي تقودها دول مثل قطر وعُمان كوسائط لإنهاء التصعيد، حيث بات واضحاً أن واشنطن تبحث عن مخرج دبلوماسي مريح وتضغط على إسرائيل للقبول به.
3 - مصر والأردن: ارتياح من لجم التهور الإسرائيلي
ترى القاهرة وعمان أن انتقاد فانس العلني لسياسات نتنياهو يمثل أداة ضغط أمريكية قوية قد تمنع الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ خطوات متهورة تؤدي إلى انفجار كامل للأوضاع في المنطقة أو تهجير للفلسطينيين. إعادة الاعتبار للحل السياسي: ترحب الدبلوماسية العربية بتركيز فانس على الحلول السياسية الإقليمية بدلاً من فرض الحلول العسكرية التي تزيد من عدم استقرار دول الجوار.
4 - تركيا: تأكيد للموقف التركي
تجد أنقرة في تصريحات فانس (خاصة خسارة إسرائيل لمعركة الرأي العام) تأكيداً لرؤيتها المستمرة بأن سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية باتت عبئاً حتى على أقرب حلفائها، مما قد يدفع تركيا لتكثيف ضغوطها السياسية والاقتصادية على تل أبيب.
رابعا: لماذا هجوم فانس الآن؟
في عالم الدبلوماسية، نادراً ما تأتي تصريحات بهذا الحجم من «الرجل الثاني» في الدولة بمحض الصدفة أو كزلّة لسان. فهناك إجماع بين المحللين الإستراتيجيين على أن هذا الهجوم يحمل أبعاداً تكتيكية وإستراتيجية تتجاوز مجرد التعبير عن رأي شخصي، ويمكن رصد الأسباب والدوافع وراء هذا الهجوم في النقاط التالية:
1 - الهروب من «الفخ الدبلوماسي» وتأجيل اللقاء بين ترامب ونتنياهو
تضغط حكومة نتنياهو بقوة لعقد قمة ثنائية سريعة مع ترامب لانتزاع «صورة نصر» شرعية وتعهدات عسكرية مطلقة. تصريحات فانس خلقت مناخاً مشحوناً يجعل تأجيل اللقاء مبرراً بحجة «تلطيف الأجواء» أو مراجعة المواقف، مما يحمي ترامب من حرج الرفض المباشر أو القبول الإجباري. تجنب الالتزامات المسبقة: تخشى إدارة ترامب أن يستغل نتنياهو اللقاء لفرض التزامات عسكرية أمريكية معينة في الحرب ضد إيران، وهو ما ترغب واشنطن في تجنبه حالياً لإنجاح اتفاق التهدئة.
2 - إستراتيجية «الشرطي الصالح والشرطي السيء» (تبادل الأدوار)
يتولى فانس دور «الشرطي السيء» الذي يهاجم إسرائيل بجرأة ويوجه الرسائل القاسية التي لا يستطيع ترامب قولها علناً للحفاظ على علاقاته مع المانحين واللوبي اليهودي. هامش مناورة لترامب: يتيح هذا التكتيك لترامب التدخل لاحقاً كحَكَم أو «صانع صفقات»، حيث يمكنه الضغط على نتنياهو قائلاً «أنا أدعمكم، لكن الإدارة والجمهور (الذي يمثله فانس) يضغطون عليّ لإنهاء الحرب».
3 - لجم التمرد الإسرائيلي على «اتفاق التهدئة»
جاء الهجوم مباشرة بعد قيام وزراء إسرائيليين بالهجوم على مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية. التصريحات كانت بمثابة صفعة سياسية لتذكير تل أبيب بحجمها وأن «السياسة الخارجية تصنع في واشنطن»، لمنع إسرائيل من اتخاذ أي خطوة عسكرية أحادية قد تفشل الاتفاق وتجر أمريكا لحرب رغماً عنها.
4 - مخاطبة الداخل الأمريكي (معركة الوعي والانتخابات)
يدرك فانس (الذي يمثل مستقبل التيار الشعبي الجمهوري) أن الرأي العام الأمريكي تغير، وأن هناك استياءً متزايداً من إرسال أموال الضرائب لحروب خارجية. حديثه بجرأة على منصة مثل «جو روغان» يستهدف جذب ملايين الشباب والمستقلين الذين يرفضون نفوذ جماعات الضغط (اللوبيات). إعادة تعريف قضية إبستين: إثارة ملف جيفري إبستين والموساد يضرب وتر «مناهضة الدولة العميقة» لدى القواعد الشعبية لترامب، ويصوّر الإدارة بأنها تحارب النفوذ الخفي أياً كان مصدره.
خامسا: التصريحات فرصة لإيران فهل ستستغلها؟
تُمثل تصريحات جيه دي فانس «هدية إستراتيجية ثمينة» لطهران، وجاءت في توقيت حساس للغاية لتمنح صانع القرار الإيراني أوراق قوة غير متوقعة. لكن استغلال هذه الهدية يصطدم مباشرة بـ «عقدة الانقسام الداخلي» الحاد الذي ذكرته بدقة بين الحرس الثوري (المندفع للانتقام للمرشد) والسياسيين (المثقلين بالأزمة الاقتصادية).
1 - كيف يستغل «جناح السياسيين والدبلوماسيين» التصريحات؟
يرى التيار البراغماتي والسياسي في طهران أن كلام فانس هو الضوء الأخضر الأقوى للمضي قدماً في «مذكرة التفاهم» وإعادة التفاوض لتخفيف العقوبات، وذلك عبر الطرق التالية:
أ - عزل الموقف الإسرائيلي: سيستخدم الدبلوماسيون الإيرانيون تصريحات فانس لإقناع الوسطاء (مثل قطر وعُمان) بأن واشنطن نفسها ضاقت ذرعاً بتهور نتنياهو، وبالتالي يمكن لإيران تقديم «تنازلات تكتيكية محسوبة» لإغراء إدارة ترامب بإتمام الاتفاق دون الخوف من فيتو إسرائيلي مؤثر.
ب - شراء الوقت لتخفيف الضغط الاقتصادي: يدرك هذا الجناح أن المواطن الإيراني استُنزف اقتصادياً بسبب ضربات جزيرة خارك والموانئ؛ لذا سيتخذ من «تراجع الرغبة الأمريكية في الحرب» (التي أعلنها فانس) مبرراً لتسريع المفاوضات بحجة أن أمريكا مستعدة لرفع جزئي للعقوبات مقابل التهدئة.
2 - كيف يقرأ «الحرس الثوري» التصريحات؟ (معضلة الانتقام)
بالنسبة للحرس الثوري، فإن اغتيال المرشد (علي خامنئي) في بداية الحرب هو جرح عقائدي وسياسي لا يمكن غفرانه، ويرون في تصريحات فانس فرصة من زاوية أخرى:
- إدراك ضعف جبهة الخصوم: يفسر الحرس الثوري هجوم فانس على إسرائيل وجماعات الضغط بأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يعيش أضعف حالاته التنسيقية. هذا يمنح الحرس الثوري جرأة أكبر على المناورة، بافتراض أن أي ضربة انتقامية قد توجّه لإسرائيل مستقبلاً لن تقابل برد عسكري أمريكي تلقائي، لأن فانس صرح علناً بأن واشنطن لن تنجر لـ«حروب أبدية».
- رفض التهدئة المجانية: قد يستخدم الحرس الثوري هذه التصريحات لإحراج جناح السياسيين، بالقول: «إذا كانت أمريكا تتبرأ من أفعال نتنياهو وتهاجمه، فلماذا نتسرع في تقديم تنازلات نووية؟ بل يجب أن نتمسك بشروطنا ونثأر أولاً»، مما قد يعطل قطار المفاوضات.
3 - السيناريو الأرجح: كيف ستتصرف إيران كدولة؟
في ظل غياب المرشد التاريخي، يُتوقع أن تصيغ إيران إستراتيجية تجمع بين الضغط العسكري المرن والدبلوماسية الذكية:
- الانتقام العسكري غير المباشر (عبر الوكلاء): لتلبية رغبة الحرس الثوري في الثأر دون تخريب فرصة التفاوض مع ترامب، قد تعطي طهران الضوء الأخضر لحلفائها (كالحوثيين أو الفصائل العراقية) لتنفيذ ضربات موجعة لإسرائيل، مع الحفاظ على القنوات الدبلوماسية الرسمية مفتوحة ومباشرة مع واشنطن.
- تقديم ترامب كـ«مُنقذ» والتضحية بنتنياهو: ستعرض إيران على إدارة ترامب صفقة تضمن «أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب» و«تجميداً مؤقتاً لبعض الأنشطة النووية»، في مقابل أن ترفع واشنطن يدها تماماً عن دعم أي مغامرة عسكرية إسرائيلية قادمة لضرب المنشآت النفطية الإيرانية.
الخلاصة:
التصريحات الأمريكية تعطي إيران شرعية دولية وإقليمية للمطالبة بإنهاء الحرب؛ فالكرة الآن في ملعب طهران لتوحيد جبهتها الداخلية وتغليب لغة المصالح الاقتصادية على لغة الانتقام المطلق، للاستفادة من التراجع الأمريكي الواضح عن دعم سياسات نتنياهو.
سادسا: فرص لدول منطقة الشرق الأوسط
هناك فرص بالطبع من إطلاق هذه التصريحات وبشكل متكرر من نائب الرئيس.
مكاسب إستراتيجية
هناك مكاسب إستراتيجية يمكن أن تحققها دول المنطقة من هذا الهجوم الأمريكي على إسرائيل تتمثل هذه المكاسب في:
تنويع التحالفات الدولية (أوراق ضغط جديدة): عندما تسمع العواصم العربية نائب رئيس أمريكي يتحدث بنبرة انعزالية ويهاجم حليفه الأول (إسرائيل)، فإنها تحصل على «الضوء الأخضر الأخلاقي» لتسريع وتيرة بناء تحالفات قوية وعميقة مع الصين وروسيا كقوى موازنة، دون الخوف من لوم واشنطن التي باتت هي نفسها تبحث عن مخارج من المنطقة.
ب - نزع سلاح «الابتزاز السياسي» الإسرائيلي: طالما استخدمت إسرائيل علاقتها الاستثنائية بواشنطن لابتزاز الدول العربية سياسياً واقتصادياً (تحت شعار: بوابتكم لرضا البيت الأبيض تمر عبر تل أبيب). تصريحات فانس تكسر هذا الاحتكار تماماً، وتثبت للعرب أن بإمكانهم صياغة علاقات مباشرة وقوية مع إدارة ترامب دون الحاجة لـ«وساطة» أو استرضاء نتنياهو.
جـ - تعزيز مشروع «الشرق الأوسط المستقر اقتصادياً»: تتلاقى رؤية فانس (التركيز على الداخل الأمريكي) مع رؤية دول المنطقة (مثل السعودية وقطر ومصر) التي تصب كل ثقلها حالياً على المشاريع الاقتصادية العملاقة والتنمية وسياحة المستقبل. تراجع النبرة العسكرية الأمريكية يعطي هذه الدول الهدوء الإقليمي اللازم لحماية استثماراتها وجذب الرساميل الأجنبية.
** هذا المقال كتبته قبل أن تعلق إيران ورقة التفاهم مع أمريكا، وقبل أن تتوقف الاجتماعات بين واشنطن وطهران.