منصور بن صالح العُمري
خرجت أمُّ بندر من باب العناية المركزة، بيدين أنهكتهما المغذيات تتكئ على ما بقي من أنفاسها بيد، وتُمسك يقينها بالله باليد الأخرى. وخلفها بقي رفيق عمرها خالد، على سرير المرض، يُصارع وجعًا لا يعلمه إلا الله، وما إن لامست قدماها باب الحياة من جديد، حتى فُتح بابٌ آخر... خرج منه ابنها محمد، لا إلى البيت الذي ينتظره، بل إلى البيت الذي لا يعود منه أحد.
يا الله...
أيُّ قلبٍ يحتمل أن ينجو من الموت مرةً، ليذوق في اللحظة نفسها موتًا آخر يسكن صدره ما بقي من عمره؟
وأيُّ أمٍّ هذه التي كانت بالأمس تُنازع الألم على سريرها، فإذا بها اليوم تُنازع الفراق على نعش ولدها؟
وكأن قلب محمد السعودي لم يحتمل أن يرى هذا كله، كأن نبضه عجز عن اللحاق بأوجاع والديه، فاختار أن يسبقهم إلى رحمةٍ أوسع، إلى مكانٍ لا ألم فيه ولا فراق.
هنا يتردد في السماء حديثٌ قدسيٌّ يسكب السكينة في قلب كل مكلوم:
يقول الله لملائكته: «أقبضتم ولد عبدي؟»
فيقولون: نعم.
فيقول: «أقبضتم ثمرة فؤاده؟»
فيقولون: نعم.
فيقول: «فماذا قال عبدي؟»
فيقولون: حمدك واسترجع.
فيقول الله: «ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد».
يا أمَّ بندر...
إن العين لتبكي، وإن القلب ليحزن، ولكن عزاء المؤمن أن هذا الفقد لم يغب عن علم الله، وأن دمعتك مسموعة، وصبرك مكتوب، وحمدك مرفوع إلى السماء.
محمد لم يغب...
إنما سبق.
سبق إلى رحمةٍ أوسع من الدنيا، وإلى دارٍ لا وجع فيها، ولا فراق، ولا خوف.
غاب عن عينك، لكنه حاضر عند ربٍّ لا تضيع عنده الودائع.
وغاب عن حضنك، لكنه في حضن رحمةٍ لا تنقطع.
وغاب عن صوتك، لكنه يسمع سلام الملائكة ثقةً بالله.
وسيأتي يومٌ يقف فيه هذا الفراق خجلًا بين يدي اللقاء، ويذوب هذا الحزن كله في لحظةٍ واحدة، حين يجمع الله أهل الإيمان في دارٍ لا يدخلها مرض، ولا يطرق أبوابها موت، ولا تُسمع في جنباتها آهة أم، ولا أنين أب، ولا بكاء مودِّع.
فيا رب...
إن كان البلاء قد طرق بيتهما من كل أبوابه، فافتح لهما من أبواب لطفك ما يعجز عنه الرجاء.
وإن كانت الأرض قد ضاقت عليهما حتى لم يبق فيها متسعٌ لدموعهما، فافتح لهما سعة السماء.
وابنِ لهما بيت الحمد، واجعل صبرهما طريقًا إليه، واجعل لقاءهما بمحمد فيه فرحًا لا ينقطع.
واجعل محمدًا أول المستقبلين لوالديه على أبواب الجنة، كما كان يسكن قلبيهما في الدنيا.
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.