فائز بن سلمان الحمدي
ليست الحياةُ الزوجيةُ اقترانَ جسدينِ في حَيِّزٍ واحد، ولا التقاءَ اسمينِ في صحيفةِ عقد، ولا اجتماعَ يدينِ على متاعٍ يَبلى، وإنما هي ائتلافُ روحينِ استصفاهما القدرُ لميثاقٍ قدَّسته السماء، وقد سمَّى الله هذا العهد «مِيثَاقًا غَلِيظًا»، ليعلم الناس أنه ليس عقدًا عابرًا، بل عهدٌ تُصان به الحقوق، وتُحفَظ به الكرامات، وائتمارُ قلبينِ على أن يجعلا من المودَّةِ شريعةً، ومن الرحمةِ إمامًا، ومن الوفاءِ حارسًا، ومن الإحسانِ سبيلًا لا يحيدان عنه وإن ادلهمَّت الخطوبُ، وتعاقبت النوائبُ، وتصرَّمت أعوامُ الصِّبا، وذوى رونقُ البدايات.
وما الميثاقُ الزوجيُّ إلا ضربٌ من السَّكَنِ الإلهيِّ الذي تُؤوي إليه الأرواحُ إذا أضناها التيه، وتلوذُ به النفوسُ إذا استبدَّت بها وحشةُ الأيام. وقد قال سبحانه: « وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» فهو محرابُ الطمأنينة، ورياضُ الأنس، ومهوى الأفئدة إذا أجهدها صخبُ الحياة، فإذا ولج المرءُ إليه خلع عن قلبه أثقالَ الدنيا كما يخلعُ المسافرُ عن منكبيه وعثاءَ السفر، وآوى إلى صدرٍ لا يُحصي عثراتِه، ولا يُقلِّبُ صفحاتِ زلَّاته، ولا يتربَّصُ به ساعةَ ضعفٍ ليجعلَ منها مأثمًا، بل يسترُ خللَه، ويُقيلُ عثرتَه، ويستبقي كرامتَه؛ إذ ليس من الوفاءِ أن تُرى المثالبُ، وإنما الوفاءُ أن تُغلَّبَ المحاسنُ حتى تستحيَ العيوبُ من ظهورها.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر». فهو ميزانُ العدل في الحياة الزوجية، ودليلٌ على أن المحبة الصادقة لا تُبنى على طلب الكمال، وإنما على تغليب المحاسن واحتمال ما لا يسلم منه بشر.
وليس الحبُّ في جوهره جذوةً تستعرُ ثم تخبو، ولا خفقةً تعلو ثم تضمحل، وإنما هو عهدٌ يتجدَّدُ بتجدُّد الأنفاس، واختيارٌ يتكرَّر كلَّما أشرقت شمسٌ أو أرخى الليلُ سدولَه. هو ثباتُ القلبِ حين تتزلزلُ القلوب، ورباطةُ الروحِ حين تتداعى العزائم، وإيثارُ البقاءِ على لذَّةِ الفراق، والعفوِ على نشوةِ الانتصار، والصفحِ على غوايةِ المؤاخذة. فما أحبَّ امرؤٌ حقًّا حتى غدا يرى في نقصِ محبوبِه موضعَ رحمتِه، وفي ضعفِه باعثًا على حنوِّه، وفي تقصيرِه بابًا إلى مزيدٍ من الإحسان.ثم إنَّ الاحترامَ ليس خُلُقًا يُستزاد به، بل هو عمادُ البنيان، وسرُّ هيبتِه، وبهاءُ دوامِه؛ فإذا نُزعت هيبةُ النفوس من القلوب، استحال القربُ امتهانًا، والألفةُ ابتذالًا، والمودَّةُ عادةً خامدةً لا روح فيها. وإنما يُصانُ الحبُّ بأن تُحفَظَ للنفوسِ مقاديرُها، وللكلماتِ أوزانُها، وللقلوبِ حُرُماتُها؛ فإنَّ الكلمةَ إذا خرجت من فمٍ غليظٍ كانت أمضى من حدِّ السنان، وإذا انبعثت من قلبٍ رحيمٍ غدت بلسمًا يبرأ به ما أعيا الدهرُ مداواتَه. وقد لخَّص النبيُّ صلى الله عليه وسلم حسنَ العشرة بقوله: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»، فما كان خيرُ المرء في الناس إلا ثمرةَ خيره في بيته.
وأما الثقةُ فهي الرُّكنُ الوثيقُ الذي لا يستقيمُ بناءٌ إلا به، ولا تطمئنُّ نفسٌ إلا في ظلِّه؛ إذ بها يأمنُ القلبُ غوائلَ الظنون، وتنقشعُ سحبُ الريبة، وتستحيلُ المسافاتُ قُربًا وإن امتدَّت، ويغدو الغيابُ حضورًا في الوجدان، فلا يضطربُ الفؤادُ لكلِّ هاجسة، ولا يتعثَّرُ اليقينُ عند كلِّ شبهة. فإذا استقرَّت الثقةُ في الضمائر، أزهرت المودَّةُ على أغصانها، وأثمرت يقينًا لا تعبثُ به رياحُ الأوهام. وللصبرِ في هذا المقامِ منزلةُ الأصلِ من الغصن، والجذرِ من الثمرة؛ إذ ليس كريمًا من لم يحتملْ جفاءَ ساعةٍ ليحفظَ صفاءَ عمر، ولا حكيمًا من باع سكينةَ بيتٍ بلذَّةِ كلمةٍ ظفرَ بها في خصومة. وإنما تُوزنُ العقولُ عند اشتدادِ الغضب، وتُعرفُ معادنُ الرجالِ والنساءِ عند تصاريفِ البلاء؛ فمن ملكَ نفسَه ساعةَ السَّورة، فقد ملكَ قلبَ شريكِه أعوامًا مديدة.
وقد أثنى الله على أهل الفضل بقوله: « وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»، وما أولى البيوت أن تكون أولَ مواضع هذا الخلق الكريم. ثم تمضي السنونُ، فيُقوِّضُ الزمنُ من نضارةِ الوجوه ما يُقوِّض، ويخطُّ على الجباهِ أسفارَه، ويُشيبُ المفارقَ، ويُوهنُ الخطوات؛ غير أنَّ المحبَّةَ التي سُقيت بماءِ الإخلاص، وأُحيطت بسياجِ التقوى، وتفيَّأت ظلالَ الرحمة، لا يعتريها ذبولٌ، ولا تنالُ منها كرورُ الليالي. بل يزدادُ وهجُها صفاءً كلما انطفأت نزواتُ الشباب، ويعظمُ قدرُها كلما تجلَّت حقائقُ الصحبة، حتى يغدو كلُّ تجعُّدٍ في الوجه شاهدًا على صبرٍ نبيل، وكلُّ شعرةٍ بيضاء وسامًا علَّقته السنونُ على هامَةِ الوفاءِ.
وهكذا تصيرُ الحياةُ الزوجيةُ ملحمةً من الإيثار، لا مساومةً على الحقوق، ومقامًا من الإحسان، لا ميدانًا للمغالبة، وصحبةً تتسامى عن غوايةِ الانتصار للنفس إلى شرفِ الانتصار للعهد. فإذا أقبلت المسرَّاتُ اقتسماها شكرًا، وإذا نزلت الرزيَّاتُ تلقَّياها صبرًا، وإذا ضاقت بهما الدنيا اتَّسعت لهما القلوب، وإذا خانتهما الأسبابُ لم يخنهما اليقين. فطوبى لروحينِ استودعت كلٌّ منهما الأخرى أمانةَ العمر، ثم مضتا في سبيلهما لا يلتفتان إلى تقلُّباتِ الزمان؛ لأنهما علما أنَّ الأيام تُبدِّلُ الملامحَ ولا تُبدِّلُ الأرواح، وتُفني الشبابَ ولا تُفني الصدق، وتطوي الأعوامَ ولا تطوي العهود. وقد علَّمنا القرآن أن نسأل الله هذه النعمة العظيمة، فقال سبحانه: « رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا». هنالك يبلغُ الزواجُ غايتَه العظمى، فلا يعودُ اقترانًا بين اثنين، بل يصيرُ وحدةً تتجلَّى فيها معاني السكينة، وتسمو بها النفوسُ إلى مرتبةٍ من الصفاءِ كأنها قبسٌ من رحمةِ الله أُودع في الأرض؛ ليعلمَ الناسُ أنَّ أجملَ ما في الدنيا قلبانِ تعاهدا على الوفاءِ، فلم تُغرِهما النعماءُ، ولم تُفرِّقهما البأساءُ، حتى غدا كلٌّ منهما للآخرِ وطنًا لا يُغادر، وسكينةً لا تنقضي، ودعاءً لا ينقطع، ورحمةً يمتدُّ ظلُّها إلى آخرِ الأنفاس.