عبدالكريم بن دهام الدهام
في هذا العصر المتسارع، ثمة صنفان من البشر في تعاملهم مع هوية هذه الأرض؛ صنفٌ يسكن التراث كمن يزور متحفاً قديماً، يكتفي بالوقوف عند أطلاله وبكاء ماضيه، وصنفٌ آخر مدهش، يسكنه التراث، يحمله في نبضات قلبه، ويمشي به خطوة بخطوة نحو الغد، مؤمناً بأن الهوية ليست مجرد حكاية تروى في مجالس السمر، بل هي أمانة في عنق الحاضر، ورسالة حب تتجدد مع الأيام.
هذا المعنى العميق، الدافئ بالوفاء، لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل تجسد واقعاً حياً نابضاً بالوفاء في ليلة استثنائية من ليالي الدرعية الساحرة، وتحديداً في «نخل العذيبات»؛ ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الطين العتيق وعبق التاريخ.
في تلك الأمسية المميزة لم يكن هذا الاحتفاء مجرد بروتوكول رسمي، بل كان لقاء أرواح تعشق الأرض وتصون تفاصيلها. فقد شهدت الأمسية حضوراً دافئاً لنخبة من عشاق التراث، وممن شاركوا في غرس اللبنات الأولى في «العذيبات» قبل نحو أربعة عقود. أولئك الذين تركوا قلوبهم وبصماتهم محفورة في جدرانها، فظلت جهودهم حية، تتنفس في تفاصيل المكان وتتحدث عنهم وعن إخلاصهم.
جاء هذا التكريم كرسالة وفاء بالغة العذوبة لمسيرة ممتدة، لخصها الدكتور صالح في كتابه الموسوعي البديع «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث»، هذا الكتاب ليس مجرد أوراق تُقلب، بل هو خلاصة عمر من الشغف، ومستودع قيم وخبرات إنسانية تحمي التاريخ من النسيان. وهو الإصدار الخامس الذي يرى النور بعد أربعة كتب رائدة وثقت مشروعات التراث العمراني، وصدرت جميعها عن «مؤسسة التراث غير الربحية» لتكون حارساً أميناً لذاكرتنا الوطنية.
إن ما حدث في العذيبات هو تجسيد للمجتمع المعرفي الذي لا ينحاز للماضي على حساب الغد، ولا يندفع نحو المستقبل على حساب الجذور.
هي المعادلة الملهمة التي تؤكد أن صيانة الهوية وحمايتها لم تعد مجرد توثيق في أرشيف مغلق، بل تحولت إلى مشروع حضاري يستخدم أحدث أدوات العصر والمنصات الرقمية ليوصل صوت الأجداد إلى قلوب الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
من نخل العذيبات في الدرعية، تصعد حكاية وفاء ملهمة، تؤكد للعالم أجمع أن الأمم التي تحفظ ذاكرتها وتحتفي بروادها، هي وحدها الأقدر على صياغة مستقبل مشرق ومستدام. الوفاء للجذور هو الخطوة الأولى والأساسية في رحلة الصعود نحو الغد.