عبدالعظيم العويد
لم تعد المدن تُقاس اليوم باتساع عمرانها أو كثافة سكانها فحسب، بل بقدرتها على توفير بيئة صحية وآمنة تُعزِّز جودة الحياة، وتمنح الإنسان فرصة العيش في مجتمع يضع صحته ورفاهيته في مقدمة أولوياته. ومن هنا برز برنامج المدن الصحية بوصفه إحدى أهم المبادرات الوطنية التي تتبناها وزارة الصحة، وفق معايير منظمة الصحة العالمية، ليجسد مفهومًا تنمويًا يجعل الصحة مسؤولية مشتركة بين جميع القطاعات.
وفي منطقة الحدود الشمالية، حظي برنامج المدن الصحية في مدينة عرعر باهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي وجَّه بتوحيد الجهود وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص، إيمانًا بأن بناء المدينة الصحية يبدأ من الشراكة، ويكتمل بمشاركة المجتمع.
وانطلاقًا من هذه التوجيهات، أسهم فرع وزارة الصحة بمنطقة الحدود الشمالية بدور محوري في قيادة البرنامج، من خلال تنسيق أعمال اللجان، وبناء الشراكات، ومتابعة تنفيذ المعايير، وتمكين الجهات ذات العلاقة من أداء أدوارها، بما يعكس نهجًا مؤسسيًا يقوم على التكامل والعمل المشترك، ويترجم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز جودة الحياة.
وبرزت في هذا المسار جهود مدير عام فرع وزارة الصحة بمنطقة الحدود الشمالية، الأستاذ منصور بن سالم الرشيدي، الذي جعل من برنامج المدن الصحية إحدى الأولويات الإستراتيجية للفرع، عبر المتابعة المستمرة، وتحفيز الشركاء، ودعم المبادرات النوعية، وتعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات، وهو ما أسهم في تسريع خطوات البرنامج وتحقيق العديد من المنجزات التي عزَّزت جاهزية مدينة عرعر للاعتماد ضمن شبكة المدن الصحية التابعة لمنظمة الصحة العالمية.
ولم يكن العمل مقتصرًا على تنفيذ المبادرات الصحية فحسب، بل امتد ليشمل دعم الأنشطة البيئية، وتشجيع العمل التطوعي، وتعزيز الثقافة الصحية، وتفعيل المشاركة المجتمعية، وإطلاق شراكات تنموية مع مختلف الجهات، في صورة تعكس أن المدينة الصحية مشروع حضاري متكامل، تتضافر فيه الجهود لبناء مجتمع أكثر صحة واستدامة.
إن ما تشهده عرعر اليوم ليس مجرد تنفيذ لمعايير أو استيفاء لمتطلبات اعتماد، بل هو بناء لثقافة مجتمعية جديدة تؤمن بأن الصحة مسؤولية الجميع، وأن جودة الحياة تبدأ من التعاون والتخطيط والعمل المشترك. ومع استمرار دعم القيادة الرشيدة، وتوجيهات سمو أمير المنطقة، والجهود التي يقودها فرع وزارة الصحة وشركاؤه، تمضي عرعر بثقة نحو أن تكون نموذجًا وطنيًا يحتذى به في مسيرة المدن الصحية، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بصحة الإنسان، وأن المدينة الصحية ليست شهادة تُمنح، بل رؤية تُترجم إلى واقع يلمسه كل من يعيش على أرضها.