د. محمد بن فهد بن عبدالعزيز الفريح
كنتُ وما زلتُ أتأمل قول لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ
وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ
ثم قول أمنا عائشة رضي الله عنها بعد أن تتمثل بقول لبيد: (رحم الله لبيدًا كيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيه!)، وبلفظ آخر عنها: (يرحم الله لبيداً، فكيف لو أدرك زماننا هذا!) فتمثلتْ بهذا البيت، وقد أخبرتْ أنها تروي ألف بيت له!
فمن الذين يعاش في أكنافهم؟ وما هي صفاتهم؟
لا شك أنهم قلة لا كثرة، وعدد محدود لا ممدود.
فكنتُ أتأمل في الناس كبيرهم، وأتفرس في صغيرهم!
أنظر في المنسوب لعلمٍ أو جاهٍ أو منصبٍ أو يسار، سنوات! هل أصير إلى قول لبيد رضي الله عنه، فأتمثل كما تمثلتْ أُمنا رضي الله عنها؟
هل ألحق بأهل العلم وغيرهم ممن روى ذلك عنها؟ فأقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم؟!
فقد كان ابن أختها عروة بن الزبير يذكر كلام عائشة، ثم يقول: (كيف بعائشة لو أدركت من نحن بين ظهرانيه!).
وكذلك قال الزهري: كيف لو أدركت عائشة من نحن بين ظهرانيه؟!
وقال معمر: فكيف لو أدرك الزهري من نحن بين ظهرانيه؟!
وقد سلسل أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الدمشقي الحِنَّائي (ت459هـ) في فوائده (فوائد الحنائي) إلى شيخه قريباً من عشرة تمثلوا بتلك المقولة!
نعم ربما تمثلتُ ذلك مرة بعد وفاة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله!
وما زلتُ أقلب النظر هل ممن يُعاش في كنفه؟
لا عن حاجة إليهم ولله الحمد، وأسأل الله ألا جعل قلبي معلقاً بسواه.
لكن من باب النظر هل ممن ينطبق عليه هذا الوصف، ممن أخالطهم وأجالسهم وأسمع أخبارهم؟ فأقتبس من فعالهم، واستفيد من تجاربهم.
أو أقول كما قال ذاك:
ذهب الملحُ من كثير من النا
سِ ومات الذين كانوا مِلاحا
ما زلتُ على نظري وسبري من غير إشغال نفسي بما لا يعنيني، لكن مخالطة الناس لابد منها، فربما جلستُ في المجلس بل المجالس لا أنطق بكلمة؛ إذ لا متعة فيها! وقد قال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع!
وَمَا بَقِيت مِنَ اللَّذاتِ إِلَّا
مُحَادثَةُ الرَّجَالِ ذَوي العُقُولُ
وَقَد كُنَّا نَعدُّهُمُ قَلِيْلًا
فَقَد صَارُوا أَقَلَّ من القَلِيْلِ
وربما جلستُ مجلسًا بل مجالس فأتناوب الكلام مع الجلساء لذة في الاستماع، ومشاركة في الإمتاع.
وكما قيل: الكلام في المجالس مناوبة لا مناهبة!
وقد دعوتُ الله في مشعر عرفات أن يرزقني أرضًا لأبني عليها منزلاً، ودعوتُ الله أن يكون جيرانها من خير الجيران، فرزقني الرحمن أرضاً في مكان من أفضل الأماكن لمثلي، لكن لم أقل في دعائي في عافية!
فكان جزء كبير من الأرض والبناء بدين وقرض كبير، فتذكرتُ قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا سألتم الله حاجة، فقولوا: في عافية، فقد قال رحمه الله عن نفسه: (كنتُ أحفظ القرآن، فلما طلبت الحديث اشتغلتُ- فقلت: متى- فسأَلت الله عز وجل أَن يمنَّ عليَّ بحفظه، ولم أقل: في عافية، فما حفظته إلا في السجن والقيود، فإذا سألتم الله حاجة، فقولوا: في عافية).
فكانت الأرض والبنيان بما يسره الله من فضله، وقد كان الجيران الكرماء النبلاء منةٌ من الله، وقد كتبتُ عن اثنين منهم، هما: (الكريم أبو خالد حمد بن فهد الريس، والكريم أبوحمد محمد بن عبدالله أبوحيمد رحمهما الله) في مقال منشور عنوانه (إيه يا أبا خالد).
ثم بعد سنوات من فراقهم لحقهم - في يوم الخميس الموافق للثالث من شهر الله المحرم من هذه السنة 1448هـ- ثالث الأثافي، البر الكريم الوافي، من كان يُعاش في كنفه، فالشهامة ملء إهابه، والكرم يمشي في ركابه، قليل مثله، رجل عن ألف رجل، فالنبل طبعه، والندى وصفه، صاحب المروءات، جميل المحيا، طلق الوجه، باسمٌ وسنٌ ضاحك، السماحة من صفاته، والطيب في أفعاله وأقواله، إنه الوجيه حقيقة ومعنى: أبو عبدالهادي ناصر بن عبدالهادي بن فلاح السهلي رحمه الله رحمة واسعة.
قلَّ أن أسلِّم عليه في المسجد أو الطريق إلا دعاني إلى بيته، رطْبٌ لسانه بالترحيب والتكريم والتوجيب، إذا غبتُ أياماً لسفر ونحوه تفقدني، وإذا رجعتُ من السفر، قال بعد السلام: العَشاء عندي! ولابد أن تكرمني!
حَبِيبٌ إلى الزُّوَّارِ غِشْيَانُ بَيْتِهِ
جَميلُ المُحَيَّا، شَبَّ وَهُوَ أَدِيبُ
عَظِيمُ رَمَادِ النّارِ رَحْبٌ فِنَاؤُهُ
إلى سَنَدٍ، لَمْ تَجْتَنِحْهُ عُيُوبُ
فرحم الله أبا عبدالهادي فكرمه أصيل لا متصنَّع، وجوده راسخ لا عارض، وابتسامته يفرح بها القلب قبل الوجه، يصدق فيه قول ذي الرُّمَّة:
جَمِيلُ المُحَيَّا هَمُّهُ طَلَبُ العُلَا
مُعِيدٌ لإِمْرَارِ الأُمُورِ نَقُوضهَا
كَسَاكَ الَّذي يَكْسُو المَكَارِمَ حُلَّةً
مِنَ المَجْدِ لا تَبْلَى بَطِيئاً نُفُوضُهَا
حَبَتكَ بأعلاقِ المَكارِمِ والعُلا
خِصالُ المعالي قَضّها وقَضيضُها
لما نزلت في المنزل ألحَّ في عزيمة يقيمها يجمع لها الجيران، فكنتُ أُأجل وأقول: بإذن الله قريبًا، حتى قال لما تأخرت عليه: تحدد الموعد المناسب لك أو أحدده! وأخبر الجيران به، فإني سعيد بجيرتكم، فقلت: أنا أسعد، والوقت المناسب لكم مناسب لي، فتم الاتفاق على الموعد، واجتمع جملة من الجيران، فقلت لهم: بعد شكر أبي عبدالهادي على فعله، لعل ما فعله أبو عبدالهادي يكفي عن الجميع في عمل عزيمة لمجاورتكم، وإنا أكره الكُلفة، وقد نهينا عن التَّكلف، وأشكركم جميعًا على مبادرتكم الطيبة، ودعوتكم الكريمة، وقد فعلها قبل ذلك «أبو خالد، وأبوحمد»، ولعلنا نختم موضوع العزائم لأجل المجاورة باجتماعنا الليلة عند أبي عبدالهادي؛ دفعًا للحرج والمشقة عليَّ وعليكم، فاستجابوا جزاهم الله خيرًا لرغبتي، وقال أحد فضلاء الجيران ونحن على العشاء ممازحًا: ما لك حق أبا عبدالله قطعتَ عنا هذه العزائم، خلهم يعزمونكم وندخل في العزيمة!
فرحم الله أبا عبدالهادي ما أكرم يده ولسانه ونفسه.
تَرَاهُ رَخيَّ البَالِ إنْ تَلْقَ تَلْقَهُ
كريماً وما يَذهَبْ بهِ الدَّهرُ يَذهبِ
حدثني مرة عما قاساه في أوائل أمره، منها: أنه درس في معهد المعلمين ثم أكمل دراسته بعد ذلك، وقد استأجر هو وصاحب معه مسكناً في الرياض للدراسة، وكان من ضمن المقررات «علم النفس»! يقول لي: لم أفهم هذا المقرر، فهو غير مفهوم! فكنتُ أبكي ليلة الاختبار! وكان صاحبي يحاول أن يسلِّيني ويتفهم المكتوب، ويحاول أن يشرحه، فيبوء بالفشل! ثم يشاركني الهم والغم في عدم فهمه!
فقلت له: عفا الله عنك أبا عبد الهادي «علم النفوس» عند الله! فيضحك رحمه الله.
نشأ يتيماً إذ توفي والده وعمره أربع سنين، كابد الحياة، لحقته المشقات، ومرت عليها الأعوام حتى غدى بفضل الله عليه: وجيهاً في مجتمعه، كبيرًا في وطنه، مقدماً بين قومه.
كان رحمه الله ورعاً، ديِّناً، مبادراً إلى الصلاة، وربما انتظر طويلاً بعد صلاة العصر يتلو كتاب الله ويذكر الله، كم مرة أمدُّ له مصحفه بعد سلامه من تحية المسجد ليقرأ فيه، فيستحي ويقول: لقد أكلفتك! ويعلوني الحياء من فعلك! ثم يدعو لي، فأقول: هذا ما أريده، وربما سبقتُ عامله الذي يكون معه إلى مصحفه، فأناوله إياه، فيغضب لِمَ لَمْ يبادر العامل المصحف لئلا يُحرج مع جاره!
وكلما ناولته المصحف أو وضعته بجواره دعا وشكر، بل أذكر مرة قبل صلاة الفجر لما قمتُ لأعطيه المصحف بعد السنة الراتبة قال: الله يهديهم العيال ما جاء منهم أحد! فقلت: بلى! فتعجَّب وألتفتَ باحثاً عنهم! فقلتُ: أمامك! فهو واحد منهم، فرفع يده مشيراً بسبابته رحمه الله قائلاً: الله يرفع قدرك، الله يغفر لك ولوالديك، الله يجزيك عني خيراً، فلما انتهى من القراءة قبيل الإقامة قمت لآخذ المصحف وقام أحد أحفاده، فمد إليَّ المصحف مع ابتسامة حانية مني ومنه رحمه الله.
كان متورعاً يسأل عن أمور دينه كثيراً لا أحصي عدد اتصالاته وسؤالاته، فكم من مرة سألني عن موضوع يتعلق بمسح الخفين، بل قال لي مرة: أعطني عملاً أبرأ به عند ربي في بداية مسح الخف ونهايته؟ فقلت: قد أفتى فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكفى به، فقد قال: يمسح إلى الساعة التي مسح فيها.
كان يلح عليَّ أن آتيه في مزرعته شمال مدينة الرياض، فكنتُ أُسوِّف الزيارة كعادتي، وكان يلحُّ كعادته لا من قلة ضيوفه وقاصديه، بل لعظيم كرمه، فباب منزله لا يغلق، والناس داخلة وخارجة، مع وقار يعلو مجلسه، فلا تُسْمع العوراء عنده، فرحمه الله، وعوضنا خيرًا.
خُلِقتَ كَرِيماً لَم يَفتُكَ تَفَضُّلٌ
وَطَولٌ وَلا أَخطاكَ حَزمٌ وَتَهذِيبُ
ألحَّ عليَّ مرة بعد مرة لزيارته في مزرعته، فقلت: أبشر، فصادف يوم جمعة أن جارنا أبا خالد الذي كتبتُ عنه المقال المشار إليه رحمه الله ذاهب مع ابنه الكريم عبدالعزيز إلى أبي عبدالهادي في المزرعة، فقلت: اجعل لي مكاناً معكما، أُصلي الجمعة ثم آتي إلى المنزل! ففرح أبو خالد وابنه وقالا: في قلوبنا وعيوننا نتشرف بذلك جزاهما الله عني خيرًا، وقلت: لا تخبرا أبا عبدالهادي بذلك، توجهنا إلى جارنا العزيز، فلما دخلنا عليه فرح فرحاً كبيرًا حتى أخذ برأسي ليقبله فدافعته فشدَّ بقوة فحقق هدفه رحمه الله، فأردتُ أن أرد عليه الهدف فلم استطع!
خُلِقتَ كَرِيماً لا نَداكَ مُقَصِّرٌ
وَلا غَيثُكَ الهامِي عَلَينا بِمُنجِمِ
دارت القهوة وهو على الترحيب بأحبابه، ثم دعانا لتناول الغداء، فإذا بـ«حوار الإبل» قد علا صحن الأكل بسنامه! وهو يعتذر عن عدم الاستعداد، ونحن نعاتب على ما وضعه.
سألني ابنه الكريم المفضال أبو ناصر «عبدالهادي» ونحن على الأكل عن قصر الصلاة في المزرعة هل تقصر؟ فنظرتُ إلى أبي عبدالهادي، فإذا هو ينظر إليَّ مشيراً بيده لا لا، يعني لا تقل إن لهم القصر! ورعاً منه، فقلت: أبا عبدالهادي كم تبعد المزرعة عن بداية العمران من مدينة الرياض؟ فقال: أقل من سبعين كيلو! فقلت: لا يجوز قصر الصلاة ولا جمعها، فهذا لا يعد سفراً ولا هي أربعة بُرد على فتوى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، فقال: بيض الله وجهك، هذا الكلام، فالأخذ ببراءة الذمة والأحوط أولى، خاصة في الصلاة.
ثم قلت لابنه الكريم: سأحسب المسافة حين أخرج من المزرعة إلى مدينة الرياض، ولم أقل إن شاء الله، فنسيتُ إلى كتابة هذا المقال!
دخل وقت صلاة العصر، فاستأذنتُ أبا عبدالهادي في الأذان، فَأذِنَ لي، ثم أُقيمتْ الصلاة، فدفعني لإمامتهم، فلما انصرفتُ إليهم، وبعد بعض الأذكار، حمدتُ الله وشكرته على ما منَّ علينا في هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية من خير، فكأننا في هذه البلاد كما قال الإمام أحمد بنُ حنبل رحمه الله: (مَنْ مَاتَ بِبَغْدَادَ عَلَى السُّنَّةِ نُقِلَ مِنْ جَنَّةٍ إلَى جَنَّةٍ)، لكثرةِ النِّعم ببغداد في ذلك الزمان.
ونحن في نِعم تُعدُّ ولا تحصى، أعلاها وأغلاها نعمة التوحيد، فأسأل الله أن يحفظ هذه البلاد بخيراتها الدينية والدنيوية من كل ما يكدرها، وأن يرد كيد الكائدين وعدوان المعتدين في نحورهم.
ثم توجهتُ بالدعاء لأبي عبدالهادي بأن يبارك الله له فيما رزقه، وأن يحسن إليه كما أحسن إلينا بهذه الدعوة الكريمة، وأن يغفر له ولوالديه، وأن يبارك له في ذريته، وهو رحمه الله على كرسيه يرفع رأسه للسماء يؤمِّن على الدعاء، ثم قلت بعد ذلك: هذه الرحلات والزيارات إلى المزارع ونحوها نحتسب أولاً: الزيارة في الله، ثم هي ثانياً: فرصة لعبادة عظيمة، وهي عبادة التفكر، والنظر في مخلوقات الله، في هذه السماء المرفوعة، وهذه الأرض الموضوعة، وهذه الشمس الجارية لمستقر لها، وهذا القمر بسرره وأبداره، لنتفكر في الليل والنهار، وفي الأشجار والثمار، وفي الإبل كيف خلقت؟ فقد كان القاضي شريح يقول: قوموا بنا ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
وفي أثناء الكلمة التي لم تتجاوز خمس دقائق قام عامل عربي فأشار إليه أبوعبدالهادي أن أجلس! فلا عجلة على شيء في المزرعة، وأشار إلى أذنه أن استمع، رحمه الله.
اللهُ يَعْلَمُ مَا أَتَيْتُكَ زَائِرًا
مِنْ ضِيْقِ ذَاتِ يَدٍ وَضِيْقِ بِلَادِ
لكن أتيتك زائراً لك راجياً
بك رتبة الآباء والأجدادِ
قال لي مرة: أبوعبدالله أريدك بعد الصلاة، انتهت الصلاة، فجئت إلى جانبه، فقال: لقد جاءني عرض مغرٍ في موضوع كذا وكذا وأنا غافل عنه، والذي كلمني فيه منتسب إلى علم في الظاهر لكن لما عرض عليَّ الأمر رابني وخالجني شك في جوازه، فقلت لمن طلب ذلك: دعني أتأمل، فقال له: هو حلال ومكسبه ظاهر! وأنا في نوع ارتياب الآن من الموضوع، أرجوك أن تخبرني هل يجوز أو لا؟ فلا أريد شيئاً يدخل ذمتي، أو أن أكسب ريالاً لا يحل لي!
فقلت له: أبشر وجزاك الله خيراً على حرصك وورعك، وقد كان الجواب حاضرًا وواضحًا بفضل الله وإحسانه، ومع ذلك سألت أبا عبدالهادي بعض الأسئلة عن معاملته هذه مع علمي بالجواب عنها؛ لكن ليطمئنَّ رحمه الله في إدراكي لأطراف سؤاله ومعاملته، فلما أجابني، قلت: هل أنت في عجلة من الجواب؟ قال: لا، فقلت: طيب، سأتأمل الموضوع، وأفيدكم بعد يومين إن شاء الله.
وبعد أيام جلستُ إليه بعد الصلاة، وقلت له: المعاملة لا تحل لكذا وكذا، فقال: الله يفرج عنك كنتُ مهموماً بها، وهذا يلح عليَّ الأيام الماضية ويستعجلني، وأنا مرتاب منها جداً، فالآن أُغلِقَ باب الموضوع، فالآخرة قد قربْتُ إليها كثيراً، ولا حاجة لي في أبواب ربما دخل منها ما يُكدِّر عليَّ في آخرتي، يكفي ما فرطنا في أيامنا الماضية!
ما أحلى هذا الكلام منه، لما سمعت هذه الكلمات منه دخلني سرور كبير، عين ترقب الله، وتريد براءة ذمتها، مع الإلحاح الذي مر عليه، وتزيين الأمر له!
وَإِذا الْفَتى عرف الرشاد بِنَفسِهِ
هَانَتْ عَلَيْهِ ملامة الجهَّال
ترك تلك المعاملة لله فيما أحسبه والله حسيبه، فلما اشتبه عليه الأمر استبرأ لدينه رحمه الله، فأي شرف قد فعله!
هَذَا هُوَ الشَّرَفُ الَّذِي لَا يدَّعَى
هَيْهَاتَ مَا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُوْلُ
كنتُ أفرح كثيراً إذا أبصرتْهُ عيناي داخلاً المسجد متوكأ على عصاه، فقد بليتُ بحب الكريم، فكيف لا أفرح برؤيته!
فعن مالك بن مغول رحمه الله قال: قال لي طلحة بن مصرف: للقياك أحب إليَّ من العسل!
إذا ما تراءته العيون تحدثتْ
بكل مسرٍّ من هواها ومضمر
وربما يكون المؤذن غائباً، فأدعوه بالإشارة إلى مكان المؤذن، فيشير بيده لا، فأُأكد عليه، فيأتي خلف الإمام فيصلي الراتبة ثم يشكر على الاهتمام به، فأقول: أنت أبٌ من آباء جماعة المسجد، وزينةٌ للحي الذي نسكن فيه، فيقول: أبيك تتعشى عندي، انظر أي ليلة تناسبك وأخبرني! عجيب في كثرة عزائمه وتلزيمه!
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حتَّى لو أنَّهُ
ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهْ
كان من لطيف فعله أنه يمسك العصا التي يتوكأ عليها بيده اليسرى، فقلت له: أكثر من يستعمل العصا يمسكها بيده اليمنى حين يمشي، وقد سرني أنك تجعلها بيدك اليسرى، فقال: عودتُ نفسي أن أمسكها باليسرى حتى لا أتأخر في المصافحة ومد اليد اليمنى، وحتى لا أشغلها بشيء حال مقابلة الناس!
كَالْبَدْرِ أَفْرَطَ فِي الْعُلُوِّ وَضْوْؤُهُ
لِلْعُصْبَةِ السَّارِينَ جِدُّ قَرْيبِ
لا تراه إلا في أحسن حلة، وأجمل لباس، هدوء في مشيه، سكون في أطرافه، الوقار قد حواه، واللطف قد احتواه، والثبات تراه في خُطاه، ما أجمله من جار! فقد اغتبطت بمعرفته، وأنست بلقاءاته، لا أحصي عدد من يزورني من الناس، وكثير منهم يسألني من صاحب هذا المنزل؟
ويشيرون إلى منزل أبي عبدالهادي! المنزل المضيء بأنواره، والمشرعة أبوابه!
فأقول: هذا بيت الكرم، هذا منزل جارنا أبي عبدالهادي ناصر السهلي.
فَعَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ إِلا بِشِقِّ
النَّفْسِ صَار الكريم يُدعى كَرِيمًا
سألني عن جعل قراءة سورة البقرة في البيت ثم يكمل الختمة في المسجد، ويقول: البيت له ختمة غير ختمة المسجد، لكن أريد أن تكون ختمة البيت كاملة من الفاتحة إلى الناس، وختمة المسجد أريد جعل قراءة الفاتحة والبقرة في البيت؛ طلباً لفضل قراءة البقرة في البيت، فأخبرته ألا حرج عليه في ذلك، فرحمه الله ما أحرصه على الخير، وتحري الفضل.
مرة أعطيته مصحفه وقد بقي أربع دقائق على الإقامة تقريباً، فقال: ما بقي شيء على الإقامة، وكان بيني وبينه جارنا أبوخالد رحمهما الله، فقلت: آية خير من ناقة! وستجد لذتها بعد حين بإذن الله، فقال له الجار العزيز أبوخالد رحمه الله: الشيخ مريد لك الخير، وناصح لك، ففتح مصحفه، فقرأ قرابة صفحة كاملة، فلما قمت لآخذ المصحف منه، قال: أحسنت إليَّ الله يحسن إليك.
وأرجو الله أن يجد لذة عمله وقراءته نورًا في قبره وفي يوم معاده.
لقد كان التعامل بيني وبينه على ألطف ما يكون بلا كلفة بيننا، أذكر أنه تغيَّر صوته وأصابته بحَّةٌ شديدة، فكاد ألا يسمع منه صوت، وطالت المدة، فقلت له: لو تستعمل زيت السمسم، فهو للحلق مفيد ومجرب، وقد وصلني قبل أيام وهو مما عُصر في جنوب المملكة، وسآتي به إليك حين تخرج من المسجد، فدفعته إليه، فتحسن قليلاً.
قال لي مرة: يظهر أنك لا تحرص على كثرة الناس في العزائم، فقلت: نعم، فقال: عندي إبل، وبودي نذهب إليها سوية نغتبق من حليبها، ونسعد بالجلوس عندها في مكان لا يشاركنا فيه إلا من شئت، ولك عليَّ أن تكون على يميني في سيارتي وأنا أقود بك السيارة! بس حدد اليوم والليلة المناسبة لك للذهاب قبل أن ينتهي موسم الشتاء.
لله دره، ورحمه الله، ورحم والديه، ورحم ذريته، على كِبَرِ سنه، وعظيم قدره، وعلو مقامه، يسعى جاهداً في تحقيق راحتي أثناء عزيمته ودعوته بل ويجتهد لأن أصحبه!
هَشٌ إِذَا نَزَلَ الوفُودُ بِبَابِهِ
سَهْلُ الحِجَابِ مُؤَدِّبُ الخُدَّامِ
وَإذا رَأَيْتَ شَقِيقَهُ وَصَديقَهُ
لَمْ تَدْرِ أَيُّهُما أَخُو الأَرْحامِ
توفيت زوجته أم عبدالهادي رحمها الله منذ سنوات، وكنتُ مسافرًا، ولم أعلم عن وفاتها، فلما رجعت من السفر، وصليت صلاة العصر في المسجد تلقاني ابنه الحبيب «تركي» بعد الصلاة وكان متأثرًا، ولم أعرف السبب، وقد مضى ثلاثة أيام على وفاتها رحمها الله، ثم صادفتُ أبا الزبير(الشيخ عبدالرحمن عيروض حفظه الله) وهو «مغربي ثم فرنسي» وقد طلب مني الشيخ سعد الحصين رحمه الله أن يكون في كفالتي ففعلتُ، فكان أبو الزبير يكرمني بقضاء بعض حاجات البيت، وهو يسكن في أعلى المنزل، فقال لي: هل عزَّيتَ أبا عبدالهادي؟ قلت: فيمن؟ قال: في زوجته، فقد توفيت قبل ثلاثة أيام.
فبادرتُ الخروج من منزلي إلى منزل أبي عبدالهادي، فعزيتهم وأخبرتهم بأني لم أعلم إلا الآن، وجلستُ بجوار أبي عبدالهادي، ثم سألني: كيف يُسلم على الميت حين يزار في قبره؛ لأننا والأبناء نريد زيارتها رحمها الله، فقلت: كذا وكذا، فقال: اصبر! ثم صوَّت لابنه عبدالهادي، وقال: تعال أنت وأخوتك؛ لتسمعوا من الشيخ كيف يُسلَّم على الميت، فاجتمعوا، فقلت: ذكر جمهور العلماء أنك حين تسلِّم تستقبل وجه الميت، وتكون القبلة خلفك، ثم إذا أردتَ الدعاء للميت تستقبل القبلة وتجعل القبر بينك وبين القبلة، وإن سلمت والقبر بينك وبين القبلة فلا بأس، والأمر واسع، المقصود الزيارة وإلقاء السلام عليه، والإتيان من جهة وجه الميت للتسليم عليه ثابت عن ابن عمر رضي الله عنه، فقد كان إذا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما استقبل الوجه.
كان أبوعبدالهادي رحمه الله يتكفل بتفطير الصائمين في المسجد، وكان يأتي بنوع من أغلى مياه الشرب، لتكون أمام المصلين في صلاة التراويح طيلة شهر رمضان.
وفي صلاة القيام لما كان يؤتى بالقهوة والشاي والطيب كان رحمه الله هو المبادر بها لا غيره، وكان أولاده جزاهم الله خيرًا يتولون تقديمها لطفاً منه ومنهم في إكرام جيرانهم.
وكان يحرص على تطييب المسجد باستمرار، ويحرص على تطييب جماعة المسجد في رمضان، سنوات وهو على هذه الخلة الحميدة، وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد، واحترامها، وتوقيرها، وتطييبها، وتبخيرها)، طيَّب الله ثراه، وأكرم مثواه.
كان يبادر جيرانه رحمه الله بالرطب من نخل مزرعته في بداية جَنْيه، وكان يرسل إليَّ بعامله، ويتصل لأفتح الباب له، وكم من مرة يرسله فلا أكون موجودًا، فيتصل هل في المنزل أحد؟ ليأخذ الرطب، فاليوم قد تم خرافه من المزرعة.
كأنه سمع بأبيات الشيخ إسماعيل بن رميح رحمه الله (المتوفى في آخر القرن العاشر) إذ يقول عن النخلة، وعن المبادرة بإعطاء الجيران من أول خرافها:
وهي الحلاوة حين يحلو طلعها
هي قرة للعين كيف يكون
ثم اؤْمُرِ الخرَّاف يجنو حلوها
من أول الأرطاب وهي فنون
يغدو إلى أبكارها مستعجلاً
فَرِّحْ بها الجيرانَ قبل يكون
عند الجميع فليس ثم حلاوة
قرت بذاك من القريب عيون
وبعد انتهاء موسم الرطب، يوزع كراتين التمر (المكنوز) على جيرانه وعلى غيرهم، فكان يصلني عدداً منها، فأعطي الأهل وبعض الأصدقاء، فجزاه الله عنا وعنهم خيرًا، وكان هذا دأبه كل سنة.
ولما أُدخل في عناية مستشفى الملك فيصل التخصصي والأجهزة عليه، يقول في وقت جني الرطب: هل وصل إليكم من المزرعة؟
يوجِّه الخطاب إليَّ وإلى جارنا العزيز الدكتور الشيخ محمد بن علي الصليهم، فنقول: وصلنا كل خير، ثم ينظر إلى ولده البار - وكلهم بررة به يتنافسون ويتسابقون على بره- قائلاً: بادروا به إليهم.
أخبرني أنه يخرج زكاة التمر من مزرعته، ويوزعها على فقراء في أماكن متعددة.
ومرة أتى بـ»بيض بلدي» وقال: تراه خاص ونظيف من إنتاج المزرعة، فذهبتُ بأكثره إلى الوالدة حفظها الله، فقالت بعد تناوله: هذا يُذكِّر بالبيض الذي كنا نأكله قديماً من دجاج بيوتنا، فأخبرتها أنه من مزرعة جارنا، فدعتْ له، فأخبرت أبا عبدالهادي بذلك ففرح، فما راعني بعد أيام يسيرة إلا باتصال منه على الهاتف قائلاً: أنت في البيت؟ فقلت: نعم، فقال: مع الباب الشرقي جهة المسجد تجدني! فخرجتُ، فإذا هو يقف بسيارته، وكان يقودها، ودفع إليَّ أطباق البيض قائلاً للوالدة، ولا تنس بيتك!
قال لي: أريد أن تكتب لي وقفاً، فقلت: أبشر، أرسل إليَّ بصورة صك الأرض، وقال: أريده خمس أضاحٍ عن والديَّ، وعن والديهما، وعن جد والدي، فاقترحتُ عليه أن يدخل نفسه وذريته معهم، فقال: طيب، فكتبتُ صيغة وقفه، فأخذها، وبعد يومين، قال: عدلت عن ذلك، أريدها خاصة بهم، كل واحد له أضحية لا يشركه غيره فيها، فقلت: أبشر، فأعدت كتابة الوقف على نظره، وكتبتُ:
وما بقي من ريع الوقف فيكون في أوجه البر (كبناء المساجد أو المشاركة فيها، وتوزيع المصاحف، وحفر الآبار، وطباعة كتب العلم، والصدقة على الفقراء وغيرها) بعد إعطاء الناظر أجرة النظارة، وجزء من الريع يعود على الوقف ترميماً وصيانة.
وقد كنتُ أعجب من أحوالنا كيف تتحول نية العزم، وننصرف عما صممنا عليه من أمر إلى غيره، وأقول: سبحان الله، ومن اللطائف في هذا ما حدثني به الشيخ محمد بن حمد آل عويد حفظه الله عن الشيخ الزاهد فهد العبيد رحمه الله أن الشيخ عبدالله بن حميد لما قدم القصيم للتعليم مكان الشيخ عمر بن سليم رحمهما الله، قال له الشيخ العبيد: هل ستتولى القضاء؟ فقال الشيخ ابن حميد: لو تسقط الخضراء على الغبراء ما وَلِيته، وبعد مدة وجَّه الملك الصالح عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله الشيخ ابن حميد بتولي القضاء، فتولَّاه! فجاء الشيخ فهد العبيد مذكرًا الشيخ ابن حميد بمقولته الماضية! فأجابه الشيخ ابن حميد بقوله: سئل سفيان الثوري بم عرفتَ ربك؟ قال: بفسخ العزم، ونقض الهمة! والمعنى: هممتُ ففسخ همتي، وعزمتُ فنقض عزمي، فعرفت أن لي ربًا يدبرني.
كان جارنا العزيز رحمه الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، سألني قائلاً: لو صمتُ ثلاثة أيام غير الأيام البيض فهل أصبت الأجر المترتب على ذلك؟ فقلت: بإذن الله وفضله، فالأيام البيض ليست شرطًا عند أهل العلم لصيامها بل مستحبة عند جمهورهم أن تكون في الأيام البيض، فقال: هل بدايتها من اليوم الثالث عشر؟ فقلت: نعم.
كانت تأتيه الأمراض والعلل، وهو صابر يحمد الله، دخل المستشفى مراراً، ولزم فراشه كثيرًا، دخلتُ عليه مرة في المستشفى، فتلقاني أحد أبنائه الفضلاء، وقال: لعلك تصبِّره أن يمكث في المستشفى فهو ملح على الخروج؛ إذ ملَّ من طول المدة عليه، فكلمتُه في الموضوع وقلت: والله إن جلوسك في المستشفى يحزننا جميعاً لكن العافية تأتي بفضل الله تباعاً، فبودي ألا تضجر ولا تستعجل في طلب الخروج، فكلنا في خدمتك وأبناؤك حولك حفظهم الله، وبإذن الله قريبًا نخرج سوية إلى المزرعة، وكما وعدتني نأكل مما هو موجود فيها مما لا يحتاج إلى صيد، فقال: أنت تعال بس!
وربما زرته فيطلب أن يحدثني على انفراد، فأقرب سمعي منه حتى أسمع قوله الخافت، فيكلمني عن مشروع خير يريده، ويطلب مني كتابته! فأقول: أبشر، فلما خرج من المشفى، تواصل معي بخصوصه، فقلت: قد تمت الكتابة، فأرسل إليَّ ابنه النبيل فهد لأخذها، فما أحرصه على الخير رحمه الله.
كتبتُ وصيته، وفيها (هذا ما أوصى به ناصر بن عبدالهادي بن فلاح السهلي أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}، وأني رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً.
وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله.
وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
وأوصاهم بالتعاون على البر والتقوى، وأن يحذروا ما خالف الكتاب والسنة من المحدثات والبدع، وعليهم بالمحافظة على أداء فرائض الله في القول والعمل، والكف عن محارمه..
وأوصي أولادي جميعاً بتقوى الله عز وجل في السر والعلانية، وأسأل الله لي ولهم القبول عنده، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم).
كان رحمه الله يحمل نفسه على الجد مع مرضه طلباً للثواب والأجر، فكان في رمضان الماضي يشهد صلاة التراويح والقيام في المسجد على العربة مع جهاز التنفس الذي يُحمَلُ معه، كان رجلاً عظيماً.
زرته قبل وفاته بشهر تقريبًا بعد صلاة العشاء مباشرة، فلما سلمت عليه دار الحديث، ثم جاء ابنه المفضال فهد قائلاً: يا أبتي لا تأذن لهم، فالعَشاء وصل، فقال: تعش معنا، فقلت: أبشر، دخلنا على مكان العشاء، ثم دخل أبوعبدالهادي بعدنا بقليل على العربة بجهاز التنفس، فكنت عن يمينه، فكان يتعاهدنا جميعًا بحث أبنائه وعُمَّاله أن يضعوا هذا ويقربوا هذا، فيتابع مرة بعد مرة، مع أن الذبيحتين قد وضعتا على صحنين أمامنا، لكن يتفقد توابع الأكل من جريش ومرق وسمك وغيرها، نِعَمٌ عظيمة قد جعلها -بفضل الله عليه- بين يدي ضيوفه، فجزاه الله خير ما جزى كريمًا عن أضيافه.
قيل للأوزاعي رحمه الله: رجل قدَّم إلى ضيفه الكامخ والزيتون، وعنده اللحم والعسل والسمن؟ فقال: هذا لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
كان يبيت في منزله جملة من الناس يصبحون ويمسون في كنفه، كان بيته مضيئاً بالضيوف في الصباح والمساء.
إذا رأيته داخلاً المسجد وحده وبعد خروجه منه يمشي بعض أولاده وأحفاده وضيوفه حوله، تذكَّرتُ قول المهلب لما قيل له: ما السُّؤدد؟ قال: أن يركب الرجل من منزله وحده، ويرجع إليه في جماعة.
كان يُفْرحني كثيرًا سلامُ أولاده عليه ثم بعدهم بعض الأحفاد خاصة الصغار منهم، وتقبيلهم ليده بعد صلاة الفجر وغيرها.
كم من مرة قلت لأولاده: هنيئًا لنا به، وهنيئًا لكم بأبوته.
وكم من مرة أوصيت بعض أحفاده أن يتعلموا منه الحكمة، والروية، والكرم، والفضل.
فقد كان مضرب مثل، يَفِيضُ الخير منه.
حدثني ابنه الكريم عبدالهادي أنه كان في آخر ثلاثة أيام من حياته لا يلتفت لأحد ممن يكلمه إلا نادراً فهو منشغل بالتسبيح والتهليل والإكثار من الباقيات الصالحات (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وهذا الذي يبقى بإذن الله، قال الإمام أحمد بنُ حنبل رحمه الله: (مَن عَلِمَ أَنَّه إِذَا مَات نُسِيَ، أَحْسَنَ ولَمْ يُسِيءْ).
مات جارنا أبوعبدالهادي الذي كان يُعاش في كنفه، وخلف ذكرًا حسناً، وسيرة طيبة، وخلَّف رجالاً هم مكان والدهم كرمًا ولطفاً وتعاملاً، كانوا به في حياته بررة يتسابقون إلى خدمته، ويتنافسون في تلبية طلبه، وهو الآن ينتظر تمام برهم في كثرة الدعاء له، حفظهم الله، وجمع شملهم، ووحد كلمتهم، وجعلهم منارات خير وهدى، وكفاهم شر كل ذي شر.
هَيْنُونَ لَيْنُونَ أيْسارٌ ذَوو كَرَمٍ
سُوَّاسُ مَكْرُمَةٍ أبْناءُ أطْهَارِ
مَنْ تَلْقَ منْهُمْ تَقُلْ لاقيتُ سَيِّدَهُمْ
مِثْلَ النُّجومِ الَّتي يَسْرِي بها السَّارِي
لما خرجتُ من المسجد بعد صلاة المغرب يوم وفاته في يوم الخميس قصدتُ منزله، وإذا بالناس قد توافدوا، فعزيتُ أولاده، فقال لي بعضهم: إنك تعزَّى فيه كما نعزَّى! وصدق، فمصابنا واحد، والحمد لله على قضائه، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
ومن الغد صلينا على جارنا الكريم بعد صلاة العصر من يوم الجمعة في جامع المهيني، وقد امتلأ الجامع بكثرة المعزين والمصلين، ولم تكن ثمة جنازة معه إلا جنازة واحدة من دولة عربية.
حُمل أبوعبدالهادي رحمه الله إلى مقبرة العمارية حيث كانت نشأته رحمه الله، كنتُ واقفًا على قبره من جهة الرأس، فلما رأيتهم ينزلونه في قبره، تذكرتُ مقولة ذلك الأعرابي لما مدح الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، وما حصل بينهما حول أبيات مدحه، ثم أعطاه مائة ألف درهم، فأخذ الأعرابي المال وانصرف، وهو يبكي! فقال له الفضل: مم بكاؤك يا أعرابي استقلالاً بالمال الذي أعطيناك؟ قال: لا، ولكني أبكي على «كريم» مثلك يأكله التراب، وتواريه الأرض.
لعَمْرُكَ ما الرزيةُ فقدُ مالٍ
ولا فرسٌ يموتُ ولا بعيرُ
ولكنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ
يموتُ لموتِهِ خَلْقٌ كثيرُ
فالعين على مثله تدمع، والقلب على فراق الكريم يحزن، والبكاء مما يخفف عن النفس، إذ هو من أدوية الحزن، وقد كتبتُ مقالاً عنوانه (البكاء دواء الحزن)، وهو منشور متداول.
وقد رأيت في جنازة جارنا رحمه الله خلقًا كثيراً شهدها، ولفت نظري كثرة الأطفال الذين شهدوها، ورأيت تصبُّر أولاده على فقده، بل كان ابناه النبيلان «سعود وفهد» ممن أنزلوا والدهم إلى القبر، وقبل طلوع ابنه المفضال «سعود» من قبر والده التفت إليه، وقد حُجِبَ عنه بوضع اللبنات! وهو يتمتم «الحمد الله» يكررها.
رحَلُوا وفي القلبِ المُعَنَّى بعدهم
وَجدٌ على مرِّ الزَّمانِ مُخَيَّمُ
فأسأل الله أن يعظم أجورهم، ويخلف علينا وعليهم خيرًا.
تزاحم الناس على قبره، وتزاحموا على بيته يعزون فيه، غصت شوارع الحي بسياراتهم أيامًا.
فرحم الله أبا عبدالهادي، وغفر له، وأفسح له في قبره، وأحسن عزاءنا فيه، وعوضنا خيرًا، والحمد لله أن رأيتُ رجالاً يعاش في أكنافهم، كما رآهم لبيد رضي الله عنه.
** **
- عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء