د.عبدالله الفايز
من الواضح أن مشكلات ازدحامات المرور في المدينة التي تعاني منها أجهزة المرور ووزارة النقل والأمانة، كما تعاني من حوادثها وزارة الصحة والبيئة بسبب ما تتكلفه للعلاج والتلوث البيئي، وتخصص كل منها ميزانيات ضخمة لذلك.. فهل يتوقع أحد أن يكون حل ذلك في سياسة وزارة التعليم في تهميش المدارس الحكومية ودعم المدارس الخاصة؟ بدلاً من تحويل الدعم إلى المدارس الحكومية داخل الأحياء والرفع من مستوى المعلمين داخل الأحياء كماً وكيفاً؟ بحيث يمكنها منافسة المدارس الخاصة أو على الأقل أن يكون هناك مستوى مقياسي موحد للجميع. وبذلك يتم احتواء حركة الطلاب داخل الحي وتوفير الكثير على المجتمع والدولة.
من المعلوم وبدون إجراء دراسات أننا نلاحظ انخفاض في الازدحامات المرورية في أوقات العطلات المدرسية. وبشكل واضح. وتشير الأبحاث العالمية أن الرحلات المدرسية تمثل ما بين 20 إلى 30 % من حجم الازدحامات المرورية.
مشكلة الاختناقات المرورية التي نعتقد أنها مشكلة المرور أو وزارة النقل أو الأمانة، جزء كبير منها والحل وبكل غرابة لدى وزارة التعليم, فمن يصدق ذلك؟! وهذا ما يعنيه النظام المترابط والشامل. فمعظم مشاكلنا عندما نحاول حلها فإننا نولد مشاكل لجهات أخرى والعكس.
إن ما يعانيه الجميع من مشاكل ازدحامات المرور، إضافة إلى إرهاقه وتكلفته للعديد من الجهات الحكومية مثل إدارة المرور ووزارة النقل والأمانة كما تعاني من حوادثه وزارة الصحة والكثير من الأسر بسبب الحوادث والتلوث البيئي (الهيئة العليا للتلوث البيئي) وتخصص كل منها ميزانيات ضخمة لذلك, فلو جمعنا ما يتم تخصيصه من كل جهة حكومية كميزانية لمعالجة الازدحامات من خسائر في الأرواح وإصابات ورواتب ضباط في المرور والشرطة وسيارات ومصروفات وقود وإدارة وأسرة وغرف إسعاف وأطباء للحوادث وأدوية وعلاج وأعمال صيانة للطرق وتكبير رقعة المدينة بالورش من كثرة الحوادث. وقد سبق أن أوضحت الدراسات إلى أن المملكة تخسر أكثر من 100 مليار ريال سنوياً من جراء الاختناقات والتي تسبب الحوادث والوفيات والإصابات. فلو صرفنا جزءاً منها على المشكلة الحقيقية وهي سياسة وزارة التعليم في العقود الماضية في التوفير غير المصيب لميزانيات التعليم. ومن ثم ولحل المشكلة قامت وزارة التعليم بتشجيع ودعم المدارس الخاصة بدلاً من دعم المدارس الحكومية وكوادرها، والرفع من مستوى المعلمين ومباني المدارس الحكومية العامة داخل الأحياء كماً وكيفاً. وبحيث يمكنها منافسة تلك المدارس الخاصة أو على الأقل أن يكون هناك مستوى مغر يشجع سكان الحي لتسجيل أبنائهم في مدارس الحي. وبذلك سيقوم الطلاب بالمشي إلى المدارس القريبة من منازلهم داخل الحي بدلاً من مزاحمة الآخرين في ساعات الذروة صباحاً وظهراً لتوصيل أبنائهم إلى مدارس خاصة في أحياء بعيدة لخف جزء كبير من الازدحامات والحوادث المرورية, التي أيضاً تكبد المرور ووزارة الصحة تجهيزات مكلفة لمعالجة المصابين ومشاكل التلوث البيئي. إضافة إلى أن هذا الحل له تبعات إيجابية لا حصر لها أهمها التوفير في الإنفاق القومي بتقليص الاعتماد على السائقين ومشاكل تلك العمالة ومصروفاتها وأمراضها على المجتمع, وتقليل استيراد السيارات وتخفيف نسبة الحوادث والوفيات والتلوث. كما أن الإنفاق في التعليم والصحة له فوائده غير المرئية حالياً ولكنها مثمرة مستقبلياً لبناء جيل المستقبل وهما أهم جانبين.
سبق أن صدر قرارا مجلس الوزراء قبل أعوام لرفع مستوى المدرسين وإنشاء ألف مدرسة في مناطق المملكة المختلفة وكانا أساسيين لحل مشاكل الاختناقات المرورية لو تم التخطيط لها ومحاولة الاستفادة منها على الوجه الصحيح، فهما قراران جزئيان لحل مشكلة أكبر مما نتصور. وقد لا يحل القراران وحدهما مشكلات التربية والتعليم لدينا وإنما يجب أن تتبعهما قرارات لرفع مستوى المدارس الحكومية والمناهج ووسائل التعليم الأخرى. كما أن القرار في حد ذاته قد يكون فرصة لحل بعض مشكلاتنا التخطيطية سواء في التعليم أم غيره من القطاعات، وأنه لو خطط له بالطريقة الصحيحة لساعد على حل أكبر مشكلاتنا في المدن وهي الاختناقات المرورية والحد من استقدام العمالة المنزلية سواءَ سائقين أو خادمات مرافقات لطلابنا الصغار في السن وتخفيف الحوادث في الطرق والمصابين في المستشفيات، والتوفير في صيانة الطرق.
فلماذا لا نعيد التفكير في تغيير السياسة الحالية من دعم المدارس الخاصة لنتحول إلى دعم المدارس الحكومية داخل الأحياء، ورفع مستواها كماً وكيفاً؟ وأن نحاول أن نوفر على مواطنينا تكاليف الدروس الخاصة وما يكسبه الأجانب من مئات الألوف شهرياً على ظهورنا؟ وجعلها مركزاً تعليمياً واجتماعياً ويستفاد من مبانيها لفترة بعد الظهر والمساء لنشاطات اجتماعية ورياضية لأبنائنا وتتكامل مع مجهودات الأمانة لمراكز الأحياء. كما أن احتواء الطلاب في المدارس الحكومية داخل الأحياء له أثر مباشر في حل بعض اختناقات أو مجهودات القطاعات الأخرى، فهو قد يكون الحل الذي ننتظره لحل مشكلات الاختناقات المرورية في المدن، حيث إن الازدحامات المرورية في المدن والحد من العمالة الأجنبية هما الشغل الشاغل للدولة وللعاملين على إدارة المدن. وتشير الأبحاث في نظرية التحضر الحديث New Urbanism في التخطيط إلى أن تصميم الأحياء السكنية وكفاءة الخدمات التي توفرها لسكانها لهما أثرها البالغ في حل المشاكل المرورية. لذلك فإن وجود مدارس على مستوى جيد من البناء والتجهيز يعمل بها كفاءات مؤهلة وبمستوى عال من المهنية ولتكون منافسة للمدارس الخاصة سيساعد على احتواء حركة الطلاب داخل الحي الواحد، فيجبر الجميع على تسجيل أبنائهم أو المعلمين والمعلمات سواء نساء أو رجال للعمل في الأحياء التي يسكنونها نفسها وبذلك نوفر مشكلات نقل المعلمات داخل وخارج المدن ونحد من الحاجة إلى السائقين خارج تلك الأحياء لنقل الطلاب في طرق المدينة، مما يخفف من عدد السيارات في طرقات المدينة وبالتالي يخفف من الاختناقات المرورية.
إن وجود المدارس داخل الحي سيغني المواطنين عن الحاجة للسائقين والخدم المرافقين لنقل أبنائهم أو بناتهم سواء طلاب أو مدرسين؛ مما سيكون له أثره الإيجابي في التوفير على المواطن والاقتصاد الوطني. ولنا أن نتصور الآثار الإيجابية المترتبة على ذلك وهي كثيرة. فإضافة إلى ما يؤديه من توفير للاقتصاد الوطني والحد من مشكلات العمالة وتخفيف الاختناقات المرورية فإنه يساعد على تصغير حجم المدن فتقل مساحات وعدد الورش وتقل الحاجة إلى توسيع أو فتح طرق إضافية، ويخفف من عدد الموظفين في المرور والمستشفيات والورش وشركات التأمين وعدد الأسرة في المستشفيات ويخفف ويوفر من استهلاك الوقود والتلوث والحوادث. وقد يكون العائق مركزية وزارة المالية فما المانع مالياً من جعل النظام المالي مرناً لكي تسخر بعض ميزانيات وزارة المواصلات والأمانة والمرور والصحة وغيرها لرفع مستوى المدارس العامة وسط الأحياء لدرجة تمكن سكان الحي من تسجيل أبنائهم في تلك المدارس بدلاً من مزاحمة الآخرين صباحاً وظهراً لتوصيل أبنائهم إلى مدارس خاصة في أحياء بعيدة، لخف جزء كبير من الازدحامات والحوادث المرورية التي أيضاً تكبد وزارة الصحة تجهيزات مكلفة لمعالجة المصابين ومشاكل التلوث البيئي.
أملي كبير أن يتم إعادة النظر في هذا القرار ليكون جزءاً من مشروع أكبر لتطوير ورفع مستوى المدارس في الأحياء السكنية لتكون أكثر جذباً لطلاب الحي نفسه. ومهما كلفنا مشروع رفع مستوى المدارس داخل الأحياء فإن آثاره الإيجابية على المدن والمجتمع أكبر بكثير مما نتصور.