ناصر بن فريوان الشراري
في كل مرة يخرج فيها مسؤول غربي أو أمريكي ليعلن أن «نظام الملالي في إيران بات قاب قوسين أو أدنى من الثورة الداخلية والانهيار»، ترتسم في الأذهان فوراً خارطة المقارنات التاريخية، فذات «الوصفة» الدولية التي جُربت في بغداد عام 2003، وفي بنغازي والقاهرة وصنعاء عام 2011، أتت أُكلها سريعاً، فتفككت جيوش، وسقطت أنظمة، وتحولت حواضر عربية كبرى إلى ساحات مفتوحة للتدخلات.
لكن المفارقة تكمن في أن إيران «برغم طبيعتها الفسيفسائية المتنافرة وقومياتها المضطهدة» تبدو وكأنها تمتلك مصل تمنيع ضد ذات «الوصفة»، أو أن اليد الدولية التي تحرك الأحداث تكتفي بالتلويح بالعصا دون ضرب بها، هذا التباين يفرض سؤالاً جوهرياً: هل يكمن السر في صلابة المكون الداخلي الإيراني ومقاومته للتدخل الأجنبي، أم أن «الاستعصاء الإيراني» هو رغبة غربية غير معلنة لإبقاء «فزاعة الشرق الأوسط» حية قيد التشغيل؟
أولاً: سيكولوجية المكونات وعقدة «الدولة الأمة»
حينما دخلت القوات الأمريكية إلى العراق، وجد جزء من المكونات العراقية في المحتل «مخلصاً» من نظام مركزي قمعي، فانفتحت الأبواب ودُلت القيادات على مخابئ النظام، في المقابل تختلف الجغرافيا البشرية والسياسية في إيران بشكل بنيوي:
* الهوية القومية الجامعة: رغم أن إيران تتكون من خليط غير متجانس (فرس، آذريين، أكراد، عرب، بلوش)، إلا أن هناك «مفهوم دولة» ممتد لآلاف السنين، الذاكرة الجمعية الإيرانية محكومة بنرجسية تاريخية تجعل الاستعانة بالأجنبي «خيانة عظمى» يتبرأ منها حتى أعتى المعارضين في الداخل.
* الفزع من «البلقنة»: تدرك القوميات الكبرى في إيران، وتحديداً الفرس والآذريين الذين يسيطرون على مفاصل الدولة، أن أي انهيار مفاجئ وعنيف للنظام عبر بوابة التدخل الخارجي لن يعني التحول نحو الديمقراطية، بل سيعني تفكك إيران إلى دويلات عرقية متناحرة لذا، يفضل العقل الإيراني الجمعي تحمل الاستبداد الداخلي على مواجهة شبح التفتت.
ثانياً: هندسة الاستبداد ونظام «الجيوش الموازية»
لم تنجح النماذج العربية في الصمود لأنها كانت تعتمد على جيوش نظامية تقليدية، وبنية أمنية أحادية، بمجرد ضرب رأس الهرم أو اختراق القيادة، انهار الجسد بالكامل أما النظام الإيراني فقد صمم نظاماً أمنياً معقداً لحماية نفسه من «الداخل» قبل الخارج:
العقيدة العسكرية الموازية: وجود «الحرس الثوري» وذراعه الشعبي «البسيج» يخلق حالة من توازن الرعب الداخلي. هذه القوات لم تُؤسس لخوض حروب كلاسيكية على الحدود، بل صُممت بعقيدة أيديولوجية لحماية «الثورة» من الشعب نفسه.
* الاقتصاد الأمني الممنهج: يسيطر الحرس الثوري على أكثر من30 % إلى 40 % من الاقتصاد الإيراني (شركات نفط، مقاولات، اتصالات)، هذا الارتباط جعل ملايين المواطنين مرتبطين معيشياً ووظيفياً ببقاء النظام، مما يجعل كلفة التمرد الشامل انتحاراً اقتصادياً للطبقات الوسطى.
ثالثاً: براغماتية الغرب وسوق «الفوضى المدارة».
وهنا نصل إلى جوهر الأطروحة الجيوسياسية: هل يريد الغرب حقاً إسقاط نظام طهران؟
التاريخ والواقع يجيبان بأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا تقوم على الأخلاق، بل على ميزان الأرباح والخسائر واقتصاد الحرب.
1. استراتيجية «البعبع» المنضبط
يمثل النظام الإيراني النموذج المثالي لـ»العدو المفيد»، إنه نظام مشاغب، يهدد الملاحة، ويمتلك أذرعاً في المنطقة، لكنه في النهاية نظام «عقلاني وبراغماتي» يعرف الخطوط الحمر الأمريكية والإسرائيلية ولا يتجاوزها (صراع مضبوط السقف)، بقاء هذا «البعبع» يمنح الولايات المتحدة مبرراً مستداماً لشرعنة وجودها العسكري في المياه الدافئة وقرب منابع الطاقة.
2. محرك الترسانة العسكرية الغربية
تُبنى الميزانيات الضخمة لشركات السلاح العملاقة في الولايات المتحدة وأوروبا (مثل Lockheed Martin وRaytheon) على وجود «تهديدات مستمرة»، غياب الخطر الإيراني يعني تلقائياً انخفاض الحاجة لصفقات الأسلحة المليارية التي تبرمها دول المنطقة لحماية أمنها القومي، إنها دورة اقتصادية متكاملة: يُغذى الصراع سياسياً، لتدور عجلة مبيعات السلاح، وتتدفق مئات المليارات إلى الخزينة الأمريكية.
«في عالم السياسة الدولية، نزع فتيل الأزمة بالكامل هو خسارة تجارية، أما إدارة الأزمة وإبقاؤها مشتعلة تحت السيطرة فهو الاستثمار الأذكى للرأسمالية العسكرية.»
رابعاً: تفكيك الجيوش العربية مقابل احتواء طهران
من بابل إلى النيل، كانت الإستراتيجية الغربية تجاه الدول العربية الكبرى (العراق، سوريا، مصر) واضحة، تفكيك الجيوش المركزية أو إضعافها لضمان التفوق المطلق والنوعي لإسرائيل في المنطقة.
أما مع إيران، فاللعبة تختلف، فطهران لم تدخل في مواجهة مباشرة وشاملة مع إسرائيل عبر تاريخها الحديث، بل تدير صراعاتها عبر «وكلاء عرب» على أراضٍ عربية (لبنان، سوريا، اليمن، العراق)، هذا التكتيك الإيراني يتلاقى موضوعياً مع الرغبة الغربية: تدمير الحواضر العربية بأيدي أذرع إيران، دون أن تضطر واشنطن أو تل أبيب لدفع الفاتورة المباشرة، بالتالي، فإن إسقاط نظام الملالي سيعني خسارة الطرف الذي يقوم بتفتيت المنطقة العربية من الداخل نيابة عن القوى الكبرى.
الخلاصة: التصريحات كأداة لإدارة الوقت
بناءً على ما تقدم، يمكن القول: إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين حول «قرب ثورة إيران الداخلية» ليست وصفة للتنفيذ، بل هي أداة من أدوات «الضغط الناعم» وابتزاز النظام الإيراني لدفع التنازلات في ملفات محددة (كالملف النووي أو النفوذ الإقليمي)، وتسكين المخاوف لدى الحلفاء المحليين، الوصفة الغربية تنجح في العالم العربي لأن البيئة العربية تم استهدافها بصدمات مباشرة وممنهجة لتفكيك الهوية الوطنية، بينما تظل إيران «محمية طبيعية» يُراد لها أن تبقى مهدِدة، دون أن تسقط، ودون أن تنتصر، لتبقى جذوة النار مشتعلة في الشرق الأوسط، تلتهم المقدرات العربية، وتنعش خزائن ملوك الحرب في الغرب.