د. هبة توفيق أبو عيادة
أبدأ مقالي ببدايات البشرية بالعصور القديمة، حين لم يكن بين أيديهم خرائط رقمية، ولا أجهزة ملاحة متطورة، لكنهم تشبثوا بأداة صغيرة لم يتجاوز حجمها كف اليد: البوصلة، فلم تكن البوصلة تخبرهم بأي طريق يسلكون، ولم تُهدئ الأمواج، ولم تُوقف الرياح، لكنها منحتهم شيئًا أهم من ذلك كله... الاتجاه الصحيح، فمن يعرف وجهته يستطيع أن يختار طريقه، أما من يفتقد الاتجاه، فلن تنقذه كثرة الطرق.
وهكذا هي القيادة في عصرنا، فكثير من المؤسسات تمتلك الموارد، والخطط، والتقنيات، والكفاءات، لكنها تتعثر لأنها فقدت بوصلة الاتجاه، ومن هنا يمكن أن نستلهم نمطًا قياديًا معاصرًا يمكن أن نطلق عليه قيادة البوصلة؛ ذلك النمط الذي يجعل وضوح الوجهة سابقًا على اختيار الوسيلة، ويؤمن بأن الطريق قد يتغير مرات عديدة، أما الاتجاه فلا ينبغي أن يتغير.
ليست قيادة البوصلة قيادةً تُمسك الناس بأيديهم في كل خطوة، ولا تُقدّم لهم إجابات جاهزة لكل موقف، بل تمنحهم معيارًا يحتكمون إليه كلما واجهوا منعطفًا أو أزمة، فالقائد لا يستطيع أن يكون حاضرًا في كل قرار، لكنه يستطيع أن يغرس رؤية وقيمًا تجعل أفراد فريقه يعرفون إلى أين يتجهون حتى في غيابه.
وفي زمن تتغير فيه التقنيات بوتيرة متسارعة، لم تعد الخطط طويلة الأمد تصمد كما كانت في الماضي، فما كان صالحًا بالأمس قد يصبح غير ملائم اليوم، وقد تضطر المؤسسة إلى تغيير أدواتها، أو إعادة هيكلة عملياتها، أو حتى تعديل نماذج أعمالها، لكن المؤسسة التي تمتلك اتجاهًا واضحًا تستطيع أن تغيّر الطريق دون أن تفقد هويتها، بينما المؤسسة التي تفتقد الاتجاه قد تبدل طرقها باستمرار، لكنها تظل تدور في المكان نفسه.
إن قيادة البوصلة تقوم على أربع ركائز أساسية:
أولها وضوح الرؤية، فالقائد الناجح لا يكتفي بتحديد أهداف قصيرة المدى، بل يرسم صورة للمستقبل تجعل الجميع يدركون لماذا يعملون، وليس فقط ماذا يعملون.
وثانيها الثبات على القيم، لأن القيم هي الشمال الحقيقي الذي يمنع المؤسسة من الانحراف مهما اشتدت الضغوط.
أما الركيزة الثالثة فهي المرونة في الوسائل؛ إذ لا قداسة لطريقة معينة ما دامت هناك وسيلة أفضل تحقق الغاية نفسها.
أما الركيزة الرابعة فهي تمكين الأفراد، لأن من يعرف الاتجاه لا يحتاج إلى تعليمات تفصيلية في كل مرة، بل يحتاج إلى مساحة يبدع فيها ويختار أنسب المسارات.
ومن أبرز أخطاء القيادة التقليدية أنها تنشغل بالطريق أكثر من الاتجاه، فتقيس النجاح بعدد الإجراءات، وكثرة الاجتماعات، ودقة التفاصيل، بينما يغيب السؤال الأهم: هل ما نقوم به يقرّبنا من رؤيتنا أم يبعدنا عنها؟ فقد تكون المؤسسة شديدة الانضباط في تنفيذ خطة لم تعد تخدم مستقبلها، فتنجح في إدارة الحاضر، لكنها تخسر الغد.
ولهذا فإن القائد الذي يمتلك بوصلة واضحة لا يخشى تعديل الخطط إذا تغيرت الظروف، لأنه يعلم أن تغيير الطريق ليس فشلًا، بل هو دليل على النضج القيادي، فالطائرات تغير مساراتها أثناء الرحلة بسبب الطقس، والسفن تتجنب العواصف، والأنهار تلتف حول الصخور، لكنها جميعًا تواصل السير نحو وجهتها. وكذلك المؤسسات الناجحة؛ فهي لا تتمسك بالوسائل، بل تتمسك بالغاية.
إن الموظفين لا يبحثون فقط عن مدير يوزع المهام، بل عن قائد يمنحهم معنىً لعملهم، ويجعلهم يشعرون أن جهودهم تتجه نحو هدف يستحق العطاء، وعندما تصبح الرؤية واضحة، تتحول القرارات اليومية إلى خطوات متناسقة، ويتحول الاختلاف في الأساليب إلى مصدر للإبداع، لا إلى سبب للصراع.
في النهاية، لا تقاس جودة القيادة بعدد الخرائط التي يحملها القائد، بل بقدرته على المحافظة على اتجاه المؤسسة وسط ضباب التغيير. فالطرق قد تُغلق، والخطط قد تُعدّل، والوسائل قد تتبدل، لكن البوصلة الصادقة تظل تشير إلى الوجهة الصحيحة، ولذلك، فإن المؤسسات التي تملك قائدًا يشبه البوصلة لا تخشى كثرة المنعطفات؛ لأنها تعلم أن الطريق قد يتغير، أما الاتجاه فهو الذي يصنع المستقبل.