أوس أبو عطا
إبان القرن الثاني للهجرة في العصر العباسي، انبلج أجود شعراء تلك الحقبة، أعدد منهم على سبيل المثال لا الحصر، بشار بن برد وأبو النواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد الملقب بـ (صريع الغواني) وسلم الخاسر تلميذ بشار بن برد؛ والخاسر هو لَقب لُقِب به أضحى كنيته، وبما أن سَلم الخاسر هو أقلّهم حظاً في الحديث عن شاعريته وحياته بين الكُتّاب، سأتطرق لأبرز حوادث حياته، كسبب تلقيبه بالخاسر وسرقته بيت شعر من بشار بن برد «من راقب الناس مات غمًّا» ومساجلاته مع أبي العتاهية التي تفوّق بها سَلم وكانت له الغلبة، وأشعاره الجميلة ويكأنها مقطوفة من خميلة التي مدح بها الخلفاء والوزراء.
لماذا لُقِب بالخاسر
سَلم بن عمرو بن حمّاد بن عطاء (ت 186هـ)، هو من موالي آل أبي بكر الصديق، كان تلميذاً ملازماً للشاعر بشار بن برد، يأخذ عنه روائع الكلِم ويتقن بفضله النَظم، وقد أورد ترجمته ابن كثير (ت 774هـ) في الجزء العاشر من كتابه «البداية والنهاية» والخليفة العباسي ابن المعتز (قُتِل 296هـ) في كتابه «طبقات الشّعراء» وأبو فرج الأصفهاني (ت 356هـ) في الجزء الثالث من «الأغاني».
تتعدد الروايات عن سبب تلقيبه بالخاسر، فابن كثير يقول إنّه ورِث عن والده مصحفاً فباعه واشترى بثمنه ديوان شعر لامرئ القيس أو لأنه أنفق مائتي ألف في صناعة الأدب، أمّا ابن المعتز فينقل حديثاً حدثه به اليزيدي عن الشاعر أبو عبدالله الجمّاز ابن أخت سَلم الخاسر، أنه لقب بالخاسر لأنه تنسّك فترة يسيرة فرقّت حاله واغتمّ وحزن لذلك، فرجع إلى شيء من الفسق والمجون الذي كان عليه، وباع مصحفاً كان ورثه من أبيه فاشترى بثمنه طنبوراً «أداة موسيقية» أو دفتر شعر، فشاع خبره بين الناس فسمِّي بالخاسر لهذا السبب. وقيل له: ويلك، في الدنيا أحد فعل فيما فعلت؟ تبيع مصحفاً وتشتري بثمنه طنبوراً؟ فقال: «ما تقرَّب أحد إلى إبليس بمثل ما تقرَّبت إليه، فإني أقررتُ عينه». ولحق هذا اللقب سَلم كما يلحق الفاعل المفعول، وذاع لقبه بين البلاد، فكلما يذكر الشاعر سَلم يتبعه الخسران، فصار اسمه قرين الخسارة لا الربح والفوز. وبسبب مدحه للخلفاء العباسيين ووزراء بني برمك فقد اكتسب الكثير من المال، وتذكر الروايات التاريخية أنه أخذ من البرامكة ما يربو على ثلاثين ألف دينار. فذهب وقال لأهله: أنا الرابح ولست بالخاسر، وقد قرأت أنه هو الشاعر الذي حُشي فمه ذهباً، لكنني لم أجد أصلاً لهذه القصة الغريبة عند الكُتَّاب الثقات.
التلميذ الذي تفوّق على أستاذه
عُني سَلم بثقافته أيما عناية، فكان صديقاً مقرَّباً من الشاعر والمغني إبراهيم الموصلي (وهو من ورثه بعد وفاته)، نديم الخليفة هارون الرشيد، ولأبي النواس وأبي العتاهية وتلميذاً نجيباً لبشار بن برد، لكن هذه العلاقة بينهما لم تكن تستقم وشابها الكثير من الخلل والزلل، ولعل أشهرها قصة البيت المعروف لابن بُرد والذي قام سَلم بسرقة فكرته وتحسين ألفاظه، هذه الواقعة تطرق لها الكثير من الكتَّاب، ولكن أقربهم زمنياً هو ابن المعتز ولذلك تكون روايته هي الأدق بطبيعة الحال، فعندما قال بشار بن برد:
من راقبَ النّاس لم يظفر بحاجته
وفازَ بالطيباتِ الفاتكُ اللهجُ
راح يتفاخر بين الشّعراء بأنه لم يسبقه أحد من قبل بهذا المعنى. ولكن سَلم الخاسر التلميذ النجيب والكاتب الأريب، جوَّد ألفاظه وأضافَ عليه الفصاحة مع رقة المعنى والمفردات، فقال هذا البيت الذي أرسله مثلاً يتناقله الناس ليومنا هذا.
من راقب الناس مات غمَّا
وفاز باللذّة الجسورُ
ولما بلغ البيت بشار بن برد، جنَّ جنونه وأرعد وأزبد، وقال: «أخذ معاني كلامي فكساها أَلْفَاظًا أَخَفَّ مِنْ أَلْفَاظِي». لكنه أقصر عن هجاء سَلم الخاسر وأهله لأنه من موالي أبي بكر الصديق، وهنا تظهر النّفس السّمحة العالية للشاعر بشار بن برد.
وفي حادثة مختلفة بين أبو العتاهية وسَلم الخاسر، قال أبو العتاهية أبياتاً عرَّض بها بسَلم واتهمه بالشح والبخل، قال فيها:
تعالى الله يا سلمُ ابن عمرو
أذلّ الحرصُ أعناق الرجالِ
هب الدنيا تساق إليك عفوا
أليس مصير ذلك إلى الزوالِ؟
فما ترجو بشيء ليس يبقى
وشيكًا ما تغيّره الليالي
قال سلم: ويلي على ابن الفاعلة قد كنز في بيته البدور(مفردها بَدرة وهي صرّة المال الكبيرة) وأنا في ثوبيّ هذين. وليس عندي غيرهما. هو ينسبني إلى الحرص. فقام سَلم بقصف جبهته حين قال فيه:
ما أقبَحَ التَزهيدَ مِن واعِظٍ
يُزَهِّدُ الناسَ وَلا يَزهَدُ
لَو كانَ في تَزهيدِهِ صادِقاً
أَضحى وَأَمسى بَيتَهُ المَسجِدِ
وَرَفَضَ الدُنيا وَلَم يَلقَها
وَلَم يَكُن يَسعى وَيَستَرفِدُ
يَخافُ أَن تَنفَدَ اِرزاقُهُ
وَالرِزقُ عِندَ اللَهِ لا يَنفَدُ
الرِزقُ مَقسومٌ عَلى مَن تَرى
يَنالُهُ الأَبيَضُ وَالأَسوَدُ
كُلٌّ يُوَفّى رِزقَهُ كامِلاً
مِن كَفَّ عَن جَهدٍ وَمَن يَجهَدُ
وفي هذه الأبيات أعلاه، نجد بعض الأشعار التي أصبحت حِكماً وأمثالاً متداولة بين الناس.
أشعاره في الوزراء والخلفاء
تُجمع غالبية المصادر التاريخية التي استقيت منها معلوماتي عن سلم الخاسر (الأغاني والبداية والنهاية وطبقات الشعراء والمصون في الأدب) أن سلم كان أعرف الشعراء بالأشعار الجاهلية، وهو من المطبوعين المحسنين، وكان -رحمه الله- كثير البدائع والروائع في شعره، وهو شاعر منطقي، له قدرة عظيمة على الإنشاء على حرف واحد، كما قال في موسى الهادي:
مُوسَى الْمَطَرْ غَيْثُ بِكَرْ
ثُمَّ انْهَمَرْ ألوى المِرر
كم اعتبر ثم فتر
وَكَمْ قَدَرْ ثُمَّ غَفَرْ
عَدْلُ السِّيَرْ بَاقِي الْأَثَرْ
خَيْرُ الْبَشَرْ فَرْعُ مُضَرْ
بَدْرٌ بَدَرْ لِمَنْ نَظَرْ
هُوَ الْوَزَرْ لِمَنْ حَضَرْ
وَالْمُفْتَخَرْ لمن غبر
كما كان لسلم المقدرة الشعرية على الإتيان بالأفكار الشعرية السابقة بحلّة لغوية جديدة، كما في قصته مع بشار بن برد. ويذكر الحسن العسكري (ت 382 هـ) في كتابه «المصون في الأدب» مقطوعة لسلم الخاسر كتبها في المهدي وكان الأخير يتوعّده، يقول فيها سَلم:
وأنت كالدّهر مبثوثاً حبائله
والدهر لا ملجأ منه ولا مهربُ
لو ملكتُ عنانَ الريح أصرِفه
في كل ناحيةٍ ما فاتكَ الطّلبُ
وسَلم هنا أخذ البيت الأوّل من الأخطل، يقول فيه:
فإن أمير المؤمنين وفعلهِ
كالدهرِ لا عارٌ بما فعل الدهرُ
والثاني من الفرزدق، يقول فيه:
فلو حملتني الريح ثم طلبتني
لكنت كشيء أدركته مقادره
تُوفي -رحمه الله- في العام 186 هجرية، ويذكر ابن كثير أنه لما مات لم يكن له ورثة وقد ترك خلفه خمسين ألف دينار، وديعة عند أبي الشّمر الغساني، وكان يعرف بها صديقه المغني إبراهيم الموصلي.
فغنّى الموصلي يوماً في حضرة هارون الرشيد وأطربهُ فقال له: سَل (أطلب ما تشاء) فقال: يا أمير المؤمنين أسألك شيئاً ليس فيه من مالك شيء، ولا أرزؤك شيئاً سواه (آخذ من مالك). فقال: ما هو؟ فذكر له وديعة سَلم الخاسر، وأنّه لم يترك وارثاً، فأمر له بها وكانت لحسن حظه من نصيبه.