صالح الشادي
في مسيرة العمر، ومع تراكم التجارب وتشابك الخبرات، يمنحنا الزمن قدرةً على تمييز الأصيل من الزائف، والثابت من العابر. ومن أكثر الدروس التي تستوقف المتأمل، ذلك التباين الواضح بين الصوت المدوّي للمجد، وبين حقيقة الفعل في ميدان الواقع.
لقد سنحت لي الفرصة، كغيري من محبي السفر، لزيارة بقاع شاعت بين الناس بسمعة الكرم الفياض، حتى كادت تضرب بها الأمثال في الجود والندى، فإذا بالزيارة تكشف عن واقع مغاير، وإذا بالجفاء يلفّ بعض تلك الأماكن التي يُفترض حسب الدعاية أن تكون منارات للعطاء. وفي مقابل ذلك، حططت الرحال في مناطق تناقلتها الألسن بالسخرية من أبنائها ووصفهم بالشح، فإذا بي أمام بساطة تسبقها البشاشة، وجودٍ لا يترقب الثناء، وكرمٍ لا ينتظر الذكر.
وكما هو حال المجتمعات، فإن بعض الشخصيات التي نسجت حولها الأساطير، والتي تغنى بها الشعراء في حفلات المدح، لم تكن دوماً على قدر تلك الصورة البرّاقة حين اختبرتها في مواقف الحاجة، فعندما عرضت عليها قضاء حاجاتٍ لبعض الإخوان أو طلب رعايةٍ لمن استفزعوا، وجدتها تتوارى خلف الأعذار، أو تقف عند حدود التكلف. بينما كان العجب كل العجب في أولئك الذين يعيشون في الظل، بعيداً عن الأضواء، هم الذين أبدوا الفزعة الحقة، والوقوف الصادق، والعطاء دون تردد، وكأن الكرم الحقيقي يختار دائماً التواضع والمكانة الخافتة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بهدوء: ما هذه الظاهرة التي تجعل السمعة تسبق الحقيقة، والضجيج يطغى على الجوهر؟ إنها في حقيقتها صورة من صور الدعاية الاجتماعية التي يُحسن البعض توظيفها، ليصنعوا لأنفسهم هالةً من الفضيلة، وإن لم تكن نابعةً من سريرتها. إنه ذاك الاستعراض المقنن الذي يستدعي المادحين، ويستجلب الشعراء، ويخلق مشاهد مؤثرة من الكرم المصطنع، لا ابتغاء وجه الله ولا قضاء حاجة مسلم، بل رغبةً في الترويج للمكان، أو رفع الاسم، أو تعزيز الصورة أمام الرأي العام.
وتلك المقاصد الدنيوية وإن توشحت برداء الخير، فإنها تظل أقرب إلى السلعة المسوّقة منها إلى السجية المتأصلة. الكرم إذن، في هذه الحالات، ليس طبعاً، بل هو أداة براقة يُراد لها أن تترك أثراً في النفوس، حتى وإن خلت من الروح. كبرنا، وعاشرنا، وتعلمنا أن من أصدق الدروس تلك التي تمنحنا القدرة على قراءة ما بين السطور، وألا نأخذ المظاهر ميزاناً للحقائق. كل يوم يمر يزيدنا يقيناً بأن الجوهر الحقيقي للكرم لا يُقاس بحدة الضوء المسلط عليه، بل بعمق الظل الذي يظله، وأن العطاء حين يخلو من التكلف ويبتعد عن ضجيج السمعة، يكون أقرب إلى الصدق وأبقى في القلوب.
إنها التجربة التي تمنحنا الرصانة في أحكامنا، وتعلمنا ألا نثق بكل ما يصل إلى مسامعنا، وأن نبحث عن معادن الرجال حيث لا تترقب عيون المادحين، وحيث لا تبحث النفوس عن جزاء ولا شكور. وفي هذا الدرس كفاية لمن اعتبر، وفي هذه الحقيقة عزاء لكل من خاب ظنه في الشهرة، فاهتدى إلى أن الخير الحقيقي غالباً ما يكون صامتاً، يفيض من قلوب لا تحفل بالمديح، ولا تنتظر سوى إرضاء الخالق، وهو خير من يعلم السر وأخفى.