د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من إمكانات مادية فحسب، بل بما تمنحه لمواطنيها من شعورٍ بالأمن والثقة، وما تبذله من جهودٍ لصون كرامتهم وحماية حياتهم أينما كانوا. وقد قررت السياسة الشرعية أن رعاية الرعية وحفظ مصالحها من أعظم واجبات الولاية، وهو ما عبَّر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها». ومن هذا المنطلق، فإن حماية المواطن وحفظ نفسه ورعاية مصالحه ليست مجرد إجراءٍ إداري، بل مسؤولية شرعية ووطنية تعكس حقيقة الرسالة التي تضطلع بها الدولة تجاه شعبها.
وفي المملكة العربية السعودية تجسدت هذه المسؤولية في ممارساتٍ مؤسسية متواصلة، حتى غدت حماية المواطن ورعايته داخل الوطن وخارجه نهجًا راسخًا لا يرتبط بظرفٍ طارئ، بل يمتد إلى حيثما امتد وجوده؛ لأن المواطنة رابطة تقوم على الحقوق والواجبات، وفي مقدمة تلك الحقوق أن يحظى المواطن بالحماية والرعاية عند تعرضه للمخاطر أو الأزمات، وأن يشعر بأن وطنه حاضر إلى جانبه في كل الظروف. ولذلك أصبحت حماية المواطنين في الخارج إحدى السمات التي تقاس بها كفاءة الدول، فلا يقتصر دورها على تقديم الخدمات القنصلية، بل يمتد إلى متابعة أوضاع مواطنيها، والتدخل عند وقوع الكوارث أو النزاعات، وتسخير الإمكانات اللازمة لإجلائهم أو علاجهم متى دعت الحاجة.
ولعل من أبلغ ما يجسد هذا المعنى ما ورد فعلاً في صفحات وثيقة السفر السعودية ذاتها؛ إذ يطلب جلالة الملك – باسمه – من كل سلطة سعودية أو أجنبية أن تسمح لحامل الجواز بحرية المرور، وأن تقدم له المساعدة والرعاية اللازمة، وهو نصٌّ يتجاوز كونه إجراءً شكليًا ليعكس التزامًا رسميًا مباشرًا من أعلى مستوى في الدولة برعاية المواطن أينما حلّ. ثم تأتي السفارات والقنصليات السعودية لتترجم هذا المعنى إلى واقع عملي، من خلال متابعة المواطنين والوقوف إلى جانبهم في الظروف الطارئة، تأكيدًا على أن ارتباط المواطن بوطنه لا ينقطع بتجاوزه الحدود.
ولعل من أبلغ صور هذه العناية ما تبذله المملكة في مجال الإخلاء الطبي للمواطنين خارج الوطن، حيث تصدر التوجيهات الكريمة -عند الحاجة- بنقل المرضى من مختلف دول العالم إلى المملكة على متن طائرات الإخلاء الطبي المجهزة، ليتلقوا الرعاية الصحية في مستشفياتها المتخصصة. ولا يقتصر أثر هذه الجهود على إنقاذ الأرواح، بل يبعث رسالةً عميقة مفادها أن المواطن يحظى بعناية دولته أينما كان، وهو ما يعزز الثقة بين المواطن ووطنه.
ولم تقتصر عناية المملكة على التدخل عند وقوع الأزمات، بل سبقتها بإجراءات استباقية؛ فعند ظهور مؤشرات الاضطرابات أو الكوارث في بعض الدول، تبادر الجهات المختصة إلى بث الرسائل التوعوية والتحذيرية، وتزويد المواطنين بوسائل التواصل وأرقام السفارات والقنصليات وغرف العمليات المخصصة لتلقي البلاغات على مدار الساعة. فإذا تطورت الأحداث، انتقلت الجهود إلى مرحلة الإجلاء المنظم، حيث تُسخر الإمكانات البرية والجوية والبحرية لإعادة المواطنين إلى أرض الوطن بسلام، بما يؤكد أن عناية الدولة لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل تسبقها استعدادًا وتخطيطًا.
ولا تقتصر عناية المملكة بمواطنيها في الخارج على أوقات الأزمات، بل تمتد إلى حياتهم اليومية من خلال ما تضطلع به السفارات والقنصليات من خدماتٍ قنصلية ومتابعة لأوضاع المواطنين ومعالجة ما قد يواجههم من صعوبات؛ إذ تمثل البعثات الدبلوماسية خط الدفاع الأول عن مصالحهم في الخارج، وحلقة الوصل بينهم وبين وطنهم. وحين يرى المواطن أن دولته تتابع أحواله وتبادر إلى حمايته أينما كان، يزداد شعوره بالانتماء، ويترسخ يقينه بأن وطنه لا يغيب عنه في أوقات الشدة.
وتعكس هذه الممارسات الصورة الحضارية للمملكة أمام المجتمع الدولي، بوصفها دولةً تجعل الإنسان محور اهتمامها، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت تنمية الإنسان ورعايته مكانةً محورية، وجعلت كرامة المواطن وسلامته منطلقًا للسياسات والبرامج الوطنية.
وإذا كانت قوة الدول تُقاس اليوم بقدرتها على حماية مصالحها ورعاية مواطنيها، فإن من أسمى صور هذه القوة أن يشعر المواطن بأن وطنه حاضرٌ معه في كل مكان، يطمئن عليه، ويقف إلى جانبه، ويبذل كل ما في وسعه لحفظ حياته وكرامته. وتلك رسالة تتجاوز حدود السياسة والإدارة، لتؤكد أن الإنسان سيظل – بعون الله – الثروة الأغلى، وأن المملكة، بقيادتها الرشيدة، ماضية في ترسيخ هذا النهج الذي يجمع بين المسؤولية والرحمة والكفاءة، ليبقى المواطن أولًا، وتبقى كرامته وسلامته مسؤوليةً لا تعرف الحدود.
وفي الختام، لا يسع القلم إلا أن يتوجه بالدعاء الصادق لقيادتنا الرشيدة، حفظ الله مولانا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وحفظ سموّ ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس الوزراء، ورعاهما بحفظه وتوفيقه، وجزاهما خير الجزاء على ما يوليانه المواطن والمقيم من رعايةٍ وعنايةٍ واهتمام، سائلين الله أن يديم على بلادنا الأمن والأمان، وأن يُبقيها شامخةً بقيادتها، عزيزةً بأبنائها، رائدةً بين الأمم.