«الجزيرة» - وائل العتيبي:
توفي الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة، عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت عقودًا، لم يكن خلالها مجرد ملحن أو موزع موسيقي بل واحدًا من أبرز الذين أسهموا في نقل الموسيقى المصرية من تقاليدها الراسخة إلى آفاق أكثر رحابة، وفتحوا أمام الأغنية العربية نوافذ جديدة على الحداثة والتجريب.
وأعلن الإعلامي محمود سعد خبر وفاة الموسيقار الراحل عبر صفحته على «فيسبوك»، ناعيًا إياه بقوله: «مع السلامة يا عم هاني.. فنان جميل.. صادق.. أمتعنا.. ومضى.. وداعًا هاني شنودة.. وشكرًا لما قدمته».
ينتمي هاني شنودة إلى جيل لم يتعامل مع الموسيقى بوصفها قالبًا مغلقًا، بل باعتبارها كائنًا حيًا يتغير مع الزمن. ومنذ بداياته، انشغل بتطوير بنية الأغنية المصرية، مستفيدًا من التوزيعات الحديثة، والآلات الغربية، والإيقاعات الجديدة، من دون أن يقطع صلتها بجذورها العربية والمصرية.
ومن هنا جاءت أهمية تجربته؛ فقد أدرك مبكرًا أن التجديد لا يعني التخلي عن الهوية، وأن الموسيقى العربية قادرة على استيعاب العصر من دون أن تفقد ذاكرتها.
«فرقة المصريين».. حين أصبح التجديد مشروعًا
في عام 1977، أسس هاني شنودة «فرقة المصريين»، في خطوة تجاوزت فكرة تشكيل فرقة غنائية تقليدية، لتتحول إلى مشروع موسيقي يبحث عن لغة مختلفة للأغنية.
كانت «المصريين» واحدة من التجارب التي أسهمت في تغيير شكل الأغنية الشبابية المصرية، عبر كلمات أكثر قربًا من الحياة اليومية، وتوزيعات موسيقية حديثة، وألحان سعت إلى كسر النمط السائد.
ومن بين الأعمال التي ارتبطت بتجربة الفرقة: «ماتحسبوش يا بنات»، و«ماشية السنيورة»، و«وده مين»، و«ماما ستو»؛ وهي أغانٍ لم تكن مجرد نجاحات جماهيرية، بل علامات على تحول في الذائقة الموسيقية المصرية.
حين رأى الموهبة قبل أن يراها الجمهور
ربما لم يكن الأثر الأعمق لهاني شنودة في الأعمال التي لحنها فحسب، بل في الفنانين الذين آمن بهم قبل أن يصبحوا نجومًا.
كان من أبرز من ارتبطوا بتجربته الفنان محمد منير، الذي التقط شنودة موهبته في بداياته، وأسهم في تقديمه وصياغة ملامح مشروعه الموسيقي، الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر المشاريع تميزًا في الغناء العربي، بما جمعه من الجذور النوبية، والهوية المصرية، والحداثة الموسيقية.
كما كان له دور بارز في دعم بدايات عمرو دياب، بعدما تعرّف إليه في بورسعيد، وشجعه على الانتقال إلى القاهرة ودراسة الموسيقى، وكان من أوائل الذين أدركوا أن أمام هذا الشاب مشروعًا فنيًا قادرًا على تجاوز حدود اللحظة.
وهكذا، لم يكن شنودة مجرد موسيقار يكتب لنجوم موجودين، بل كان قادرًا على النظر إلى الموهبة في بدايتها، والإيمان بما يمكن أن تصبح عليه.
وارتبط اسمه كذلك بدعم وتقديم عدد من المواهب الأخرى، من بينها إيمان يونس، ومنى عزيز، وممدوح قاسم، ليصبح واحدًا من أبرز الموسيقيين الذين جمعوا بين صناعة الأغنية وصناعة الفنان.
من نجاة الصغيرة إلى عمرو دياب
امتدت ألحان هاني شنودة وتوزيعاته إلى أجيال ومدارس غنائية مختلفة، فقدم أعمالًا مع أسماء كبيرة، من بينها نجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، وأحمد عدوية، ومحمد منير، وعمرو دياب.
ومن أبرز الأعمال المرتبطة بتجربته: «أنا بعشق البحر» و«بحلم معاك» مع نجاة الصغيرة، و«هدى الليل» مع فايزة أحمد، و«زحمة يا دنيا» مع أحمد عدوية، إلى جانب أعمال ارتبطت بمحمد منير، مثل «علموني عنيكي» و«أمانة يا بحر»، وأعمال من بدايات عمرو دياب.
غير أن أهمية شنودة لا تختصر في قائمة من الأغاني؛ فالأهم أنه كان جزءًا من التحول الذي شهدته الأغنية المصرية، حين بدأت تتسع لاستيعاب أنماط جديدة من التوزيع والإيقاع والتعبير، وتنتقل من مركزية الملحن التقليدي إلى رؤية أكثر تكاملًا للعمل الموسيقي.
الموسيقى التي جعلت الصورة تتكلم
في السينما، وجد هاني شنودة مساحة أخرى لتأكيد فرادته. فقد وضع الموسيقى التصويرية لعدد كبير من الأفلام، من بينها «الحريف»، و«شمس الزناتي»، و«المولد»، و«الأفوكاتو»، و«المشبوه»، و«أربعة في مهمة رسمية»، و«الهروب»، و«زوجة رجل مهم»، و«الكيف».
وكانت موسيقاه السينمائية تتجاوز وظيفة المصاحبة؛ إذ كان يتعامل مع الموسيقى باعتبارها عنصرًا دراميًا قادرًا على التعبير عن الشخصية والمكان والمزاج والزمن.
ولهذا بقيت موسيقى «الحريف» و«شمس الزناتي»، خصوصًا، حاضرة في الذاكرة، لا بوصفها موسيقى لأفلام شهيرة فحسب، بل باعتبارها جزءًا من هوية تلك الأفلام وذاكرة جمهورها.
الرياض تستعيد «ذكريات» هاني شنودة
في مارس 2023، احتفت الرياض بتجربة هاني شنودة في حفل موسيقي كبير حمل عنوان «ذكريات»، وأقيم على مسرح أبو بكر سالم، بحضور ومشاركة عدد من أبرز الفنانين الذين ارتبطوا بمسيرته، من بينهم عمرو دياب، ومحمد منير، وأنغام، وأحمد عدوية، إلى جانب فنانين آخرين.
لم يكن الحفل مجرد مناسبة لتكريم موسيقار، بل كان استعادة لذاكرة فنية كاملة؛ ذاكرة أسهم شنودة في تشكيلها من خلف الكواليس، عبر الألحان والتوزيعات والمشروعات الموسيقية والأصوات التي ساعد في تقديمها.
وحمل التكريم دلالة خاصة؛ إذ أعاد تقديم تجربة هاني شنودة إلى جمهور جديد، ووضع اسمه في قلب المشهد الثقافي والفني العربي، بوصفه واحدًا من الذين صنعوا جانبًا من التحولات الكبرى في الموسيقى العربية الحديثة.
مقطوعة إلى تركي آل الشيخ.. هدية موسيقية من موسيقار إلى صانع احتفاء
وبعد الاحتفاء به في الرياض، أهدى هاني شنودة مقطوعة موسيقية خاصة إلى المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، تعبيرًا عن تقديره للتكريم الذي حظي به.
ونشر آل الشيخ المقطوعة عبر حسابه الرسمي، وكتب أن الهدية كانت «غالية جدًا على قلبه»، مشيرًا إلى أن ما لمسه في عيني هاني شنودة خلال الحفل كان إحدى أهم لحظات الاحتفاء.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الإهداء؛ إذ أعلن آل الشيخ أنه قرر التواصل مع أكبر فرق الأوركسترا في العالم لعزف المقطوعة، في تعبير عن تقديره لقيمتها ولمكانة صاحبها.
ورأى آل الشيخ أن إحدى أهم نتائج الاحتفاء بهاني شنودة تمثلت في أن جيلًا جديدًا من الشباب، في العالم العربي وخارجه، تعرّف إلى أعمال الموسيقار وإلى اسمه ودوره في صناعة عدد من التجارب الفنية الكبرى.
وهنا تكمن قيمة المشهد؛ فالمقطوعة لم تكن مجرد هدية شخصية، بل بدت كأنها حوار موسيقي بين جيلين: موسيقار صنع جزءًا من الذاكرة العربية، وجهة احتفت بإرثه وأعادته إلى الواجهة أمام جمهور جديد.
إرث يتجاوز الألحان
كان هاني شنودة، في نهاية المطاف، أكثر من ملحن. كان صاحب رؤية ترى الموسيقى مشروعًا متكاملًا؛ يبدأ من اكتشاف الموهبة، ويمر بتشكيل الصوت، ويتسع عبر الفرقة والأغنية والسينما، ثم يبقى في الذاكرة بوصفه أثرًا ثقافيًا.
لقد أسهم في اكتشاف وتقديم أصوات أصبحت لاحقًا من أهم أصوات الغناء العربي، وأسّس تجربة موسيقية تركت أثرها في جيل كامل، وكتب موسيقى تصويرية تحولت إلى جزء من الذاكرة السينمائية، وشارك في صياغة التحول الذي جعل الأغنية المصرية أكثر قدرة على استيعاب الحداثة.
لهذا، فإن رحيل هاني شنودة لا يعني غياب ملحن كبير فحسب، بل غياب أحد الذين أدركوا مبكرًا أن الموسيقى لا تُقاس بعدد الألحان التي تُكتب، وإنما بقدرتها على تغيير الذائقة، واكتشاف المستقبل قبل أن يصل.
وسيظل أثره حاضرًا في أصوات منير وعمرو دياب، وفي أغنيات «المصريين»، وفي موسيقى الأفلام التي لا تزال تُستعاد، وفي تلك المقطوعة التي أهدى بها، في سنواته الأخيرة، جزءًا من موسيقاه إلى تركي آل الشيخ؛ وكأن الموسيقار الذي عاش عمره خلف الألحان، اختار أن يترك، في النهاية، لحنًا جديدًا يواصل الحديث عنه بعد صمته.