رسيني الرسيني
صدور نظام إيرادات الدولة الجديد يعكس تحولًا نوعيًا في إدارة الموارد المالية العامة، وهو تحول يمكن تشبيهه بما يحدث في الشركات الناجحة، فلا توجد مؤسسة تحقق نموًا مستدامًا إذا انشغلت بخفض المصروفات وأهملت تنمية الإيرادات، لأن قوة المركز المالي تبدأ من جودة إدارة الدخل قبل إدارة الإنفاق. ومن هذا المنطلق، يرسخ النظام رؤية تتجاوز تحصيل الأموال إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ بتقدير الإيرادات وتنميتها وإثباتها ومتابعة تحصيلها، وصولًا إلى إدارة الديون وفق ضوابط واضحة تحمي المال العام وتراعي الحالات التي تستوجب المعالجة، وتعكس هذه المنهجية انتقالًا من إدارة مالية تعتمد على الإجراءات المتفرقة إلى دورة متكاملة للإيرادات، بما يعزز الاستقرار المالي، ويرفع كفاءة تخصيص الموارد، ويدعم قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي طويل الأجل.
ولا تمثل إيرادات الدولة موردًا ماليًا يرفد الخزينة العامة فحسب، وإنما تعد إحدى أدوات السياسة الاقتصادية التي تؤثر في بيئة الاستثمار وتنظم الأسواق وتوجه السلوك الاقتصادي، ومن هنا ركز النظام على التخطيط للإيرادات لآفاق زمنية طويلة، وإنشاء وحدات متخصصة لإدارة الإيرادات داخل الجهات الحكومية، وإخضاع أي رسوم أو مقابل مالي جديد للدراسة والتحليل قبل إقراره، إضافة إلى توحيد إجراءات التحصيل وتسريع المطالبة بالحقوق المالية، مع تنظيم آليات التأجيل والتقسيط والإعفاء وفق ضوابط محددة، وتعكس هذه الأحكام فلسفة اقتصادية تهدف إلى رفع كفاءة الإيرادات، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية، والمحافظة على بيئة اقتصادية مستقرة وقابلة للنمو، وهي عوامل تمنح درجة أعلى من اليقين والثقة في المنظومة المالية.
تبرز هنا فكرة يمكن تسميتها «دورة رأس المال الحكومي»، حيث لا تنتهي قيمة الإيراد عند دخوله الخزينة العامة، وإنما تبدأ منه دورة اقتصادية جديدة، فالموارد المحصلة للدولة تتحول إلى استثمارات في البنية التحتية والتعليم والصحة والمشروعات التنموية، فتولد وظائف جديدة، وترفع إنتاجية القطاع الخاص بالضرورة مما يوسع حجم النشاط الاقتصادي، ومع اتساع هذا النشاط ترتفع أرباح المنشآت، ويزداد الاستثمار والاستهلاك، فتتولد إيرادات حكومية جديدة تعود إلى الدورة مرة أخرى، ومن هذا المنظور فإن تحسين إدارة الإيرادات للدولة لا يهدف إلى زيادة التحصيل المالي فقط، وإنما إلى تسريع دوران رأس المال داخل الاقتصاد، وتعظيم العائد الاقتصادي لكل ريال يدخل الخزينة العامة، وتحويل الإيرادات إلى محرك للنمو.
يعكس نظام إيرادات الدولة توجهًا نحو مرحلة أكثر تقدمًا في الإدارة المالية العامة، تقوم على التخطيط طويل الأجل، والحوكمة، وكفاءة إدارة الحقوق المالية، بما يعزز قدرة الدولة على بناء موارد مستقرة وقابلة للاستدامة وتمويل أولوياتها التنموية بكفاءة في مختلف الظروف الاقتصادية، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى النظام باعتباره خطوة إستراتيجية نحو بناء منظومة مالية أكثر نضجًا في إدارة دورة رأس المال الحكومي، بما يحقق التوازن بين كفاءة الإدارة، وحماية المال العام، ودعم الاستدامة المالية، بما ينسجم مع مستهدفات التنمية الاقتصادية طويلة الأجل.
حسنًا، ثم ماذا؟
نظام إيرادات الدولة هو نظام لرأس المال الوطني الذي يبدأ منه دورة اقتصادية جديدة، تدار بكفاءة ومن ثم يعود إلى الاقتصاد في صورة استثمارات وتنمية، ليعود مرة أخرى في شكل إيرادات أكثر استدامة.