د. يحيى جابر
حين تُذكر عسير، لا يحضر إلى الذهن مجرد اسم منطقة في جنوب المملكة العربية السعودية، بل تستيقظ ذاكرة تمتد إلى آلاف السنين، وتنهض أرضٌ صاغتها الجبال الشاهقة، واحتضنتها الأودية الخصيبة، وعانقها البحر غربًا، فكانت إحدى أكثر بقاع الجزيرة العربية تنوعًا في الطبيعة، وثراءً في التاريخ، وأصالةً في الإنسان. إنها أرضٌ لم تصنع مجدها الصدفة، بل صنعته الجغرافيا، وكرسته الحضارة، وحفظته الأجيال.
تمتد منطقة عسير على مساحة تقارب 81 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل نحو 4 في المائة من مساحة المملكة العربية السعودية، وتضم عشرات المحافظات والمراكز والقرى التي تتوزع بين السهل والسراة والبادية والساحل، مما جعلها من أكثر مناطق المملكة تنوعًا في تضاريسها ومناخها. «المصدر - هيئة تطوير منطقة عسير، «منطقة عسير»، 2026».
ويبلغ عدد سكان المنطقة أكثر من مليوني نسمة وفق أحدث الإحصاءات الرسمية، وتعد من المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة في جنوب المملكة، ويعود ذلك إلى وفرة الموارد الطبيعية واعتدال المناخ وازدهار النشاط الزراعي والتجاري عبر القرون، «المصدرـ الهيئة العامة للإحصاء، «التعداد العام للسكان والمساكن 2022».
ولم يكن اختيار الإنسان لعسير موطنًا له أمرًا عابرًا، فقد كشفت الدراسات الأثرية عن شواهد استيطان بشري في جنوب غرب الجزيرة العربية منذ عصور ما قبل التاريخ، مستفيدًا من وفرة المياه واعتدال المناخ مقارنةً بمناطق صحراوية واسعة من الجزيرة العربية، «المصدرـ هيئة التراث، وزارة الثقافة، تقارير المسح الأثري في جنوب غرب المملكة».
ويُجمع المؤرخون على أن موقع عسير كان حلقة وصل بين اليمن والحجاز ووسط الجزيرة العربية، فمرت بها القوافل التجارية، وتعاقبت عليها الحضارات العربية الجنوبية، وأصبحت معبرًا للتجارة والبخور والجلود والحبوب، وأسهمت طبيعتها في نشوء تجمعات سكانية مستقرة منذ زمن مبكر، « المصدرـ الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع، دار اليمامة».
ومن أبرز شواهد تلك الحضارة مدينة جرش التاريخية، التي تقع شمال محافظة أحد رفيدة بعسير، وتعد من أهم المدن الأثرية في المملكة، وقد ازدهرت قبل الإسلام بعدة قرون، وكانت مركزًا تجاريًا وصناعيًا مهمًا، واشتهرت بصناعة الجلود والأسلحة، كما كشفت أعمال التنقيب عن مبانٍ حجرية وأسواق ونقوش وعملات وآثار تؤكد مكانتها الاقتصادية والحضارية، «المصدرـ هيئة التراث، «موقع جرش الأثري»، وزارة الثقافة، ودارة الملك عبدالعزيز».
وإذا كانت جرش شاهدًا على ازدهار الإنسان، فإن جبال عسير كانت وما زالت عنوانًا لعظمة المكان. فقمم السراة ترتفع في عدد من المواقع إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وتستقبل السحب القادمة من البحر الأحمر، فتتوشح بالضباب معظم أيام الصيف، بينما تنساب المياه عبر الأودية التي صنعت الحياة في القرى والمدرجات الزراعية منذ مئات السنين، «المصدرـ المركز الوطني للأرصاد، الخصائص المناخية لمناطق المملكة، وهيئة تطوير منطقة عسير».
ولا تختزل عسير في مدينة أو قمة جبل؛ فهي تبدأ من ساحل البحر الأحمر حيث البرك والقحمة والحريضة، ثم ترتفع تدريجيًا عبر سهول تهامة الخصبة، وتعبر أوديةً شهيرة مثل وادي بيشة ووادي عتود، حتى تصل إلى مرتفعات محايل ورجال ألمع وبللسمر وبللحمر وأبها وخميس مشيط وأحد رفيدة وسراة عبيدة والنماص وتنومة وبلقرن، لتشكل لوحة جغرافية نادرة تجتمع فيها البيئات الساحلية والزراعية والجبلية في منطقة واحدة، «المصدرـ موسوعة المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، باب، منطقة عسير».
ولذلك وصف الجغرافي العربي الهمداني بلاد السراة بأنها من أكثر بلاد العرب خصبًا وعمرانًا، وتحدث عن قراها وأوديتها وزراعتها ومياهها، بينما أشار ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى عدد من مواضع عسير وأوديتها، مبينًا أهميتها في طرق القوافل العربية، «المصدر: الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان».
وفي عسير لا يروي التاريخ قصته بالحجارة وحدها، بل ترويها السنابل التي تتمايل فوق المدرجات الزراعية، وترويها أشجار العرعر والطلح والسدر، وترويها الأودية حين يمتلئ مجراها بمياه الأمطار، وكأن الأرض تستعيد في كل موسم ذاكرتها الأولى، يوم اختارها الإنسان موطنًا، واختارت هي أن تمنحه أسباب الحياة.
وقبل أن تشرق شمس الإسلام، كانت عسير جزءًا من المشهد الحضاري المزدهر في جنوب غرب الجزيرة العربية، حيث تشابكت طرق التجارة القادمة من اليمن مع الطرق المتجهة إلى مكة والمدينة وبلاد الشام، وقد أسهم موقعها الجغرافي في ازدهار أسواقها ونشاطها الزراعي، حتى أصبحت مدنها وقراها محطات آمنة للقوافل، ومراكز لتبادل السلع والمعارف، «المصدر: الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع؛ جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام».
وتنتمي قبائل عسير إلى جذور عربية عريقة، واستوطنت المنطقة قبائل كبيرة مثل عسير، ورفيدة، وبلقرن، وبارق، ورجال ألمع، وبني شهر، وبني عمرو، وبللسمر، وبللحمر، وشهران، وقحطان في أطراف المنطقة الشرقية والجنوبية، وأسهمت هذه القبائل في بناء مجتمع متماسك حافظ على قيم الشجاعة والنجدة والكرم وإكرام الضيف، وهي قيم حفظتها كتب الأدب والتاريخ والرواية الشفوية عبر القرون، «المصدرـ حمد الجاسر، المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية؛ موسوعة المملكة العربية السعودية، باب: القبائل والسكان».
ومع بزوغ فجر الإسلام، دخلت قبائل المنطقة في الدين الجديد، ووفدت الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لقبائل جنوب الجزيرة حضور في كتب السيرة والحديث، وأسهم أبناء تلك القبائل في الفتوحات الإسلامية ونشر العلم في الأمصار، «المصدر - ابن هشام، السيرة النبوية؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى».
وبرز من أبناء قبائل المنطقة عدد من الصحابة، منهم السرد بن عبدالله الأزدي، وعرفجة بن هرثمة البارقي، وغيرهم.
وفي العصر الإسلامي ازدهرت حلقات العلم في جنوب الجزيرة العربية، وبرز علماء وقضاة ورواة حديث وفقهاء كان لهم أثر في الحياة العلمية، كما حافظت القبائل على مكانة العلم، فأصبحت الكتاتيب وحلقات القرآن جزءًا من الحياة اليومية في القرى والهجر، قبل قيام المدارس النظامية بقرون، «المصد ـ موسوعة المملكة العربية السعودية؛ دارة الملك عبدالعزيز، دراسات تاريخ التعليم في جنوب المملكة».
ولم يكن الإنسان العسيري مقاتلًا أو مزارعًا فحسب، بل كان شاعرًا أيضًا، فقد ارتبط الشعر بالحياة اليومية، يرافق الأفراح، ويخلد البطولات، ويصف المطر والزرع والجبال والديار، حتى أصبحت القصيدة سجلًا اجتماعيًا يحفظ تفاصيل الحياة، ويورث القيم من جيل إلى آخر، كما اشتهرت المنطقة بألوان شعرية وأدائية ما زالت حاضرة في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وفي مقدمتها العرضة الجنوبية والخطوة والدمة العسيرية، التي تمثل جانبًا من التراث الثقافي غير المادي في المنطقة، «المصدرـ وزارة الثقافة، هيئة التراث؛ موسوعة المملكة العربية السعودية».
ولأن الطبيعة كانت المعلم الأول لأهل عسير، انعكست في لغتهم وأمثالهم وأشعارهم؛ فالسحابة بشارة، والوادي حياة، والجبل حصن، والشجرة رفيقة سفر، والمدرجات الزراعية قصة كفاحٍ كتبتها الأيدي على الصخور، ومن يقف على قمم السراة بعد هطول المطر، ويرى الضباب ينساب بين الأشجار، يدرك لماذا تغنى الشعراء بهذه البلاد، ولماذا ظل الإنسان فيها متعلقًا بأرضه جيلاً بعد جيل.
إن عسير لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ الجزيرة العربية، بل كانت قلبًا نابضًا بالحياة، يجمع بين خصوبة الأرض، وصلابة الجبل، ودفء الإنسان، حتى غدت مدرسة في الوفاء والانتماء، ومثالًا على قدرة الإنسان العربي على صناعة الحضارة حين تتوافر له الأرض والماء والإرادة.
تتحدث الأرض فتصغي الجبال وتبتسم الأودية
في عسير لا تبدو الطبيعة مشهدًا عابرًا، بل هويةً راسخةً تشكلت عبر آلاف السنين، فهذه الأرض لا تكتفي بأن تهب زائرها منظرًا جميلًا، بل تمنحه رحلةً بين بيئات متباينة قلّ أن تجتمع في إقليم واحد؛ من الساحل الذي تغسله أمواج البحر الأحمر، إلى سهول تهامة الدافئة، ثم الأودية التي حملت الماء والحياة، وصولًا إلى قمم السراة التي تلامس السحاب، وكأن الطبيعة أرادت أن تعرض في عسير أجمل ما لديها.
وتتميز منطقة عسير بتنوع تضاريسها على نحو استثنائي، إذ تضم الساحل والسهل والهضبة والجبل والوادي، وتبلغ مساحتها نحو 81 ألف كيلومتر مربع، وتضم 17 محافظة و128 مركزًا، إضافة إلى 171 سدًا و41 مستشفى، وهو ما يعكس اتساعها الجغرافي وتنوعها التنموي، «المصدرـ هيئة تطوير منطقة عسير، 2026».
ومن الغرب تمتد شواطئ القحمة والبرك على البحر الأحمر، حيث يلتقي زرقة البحر برمال الساحل، بينما ترتفع الأرض تدريجيًا نحو سهول تهامة الخصبة التي اشتهرت منذ القدم بزراعة الذرة والدخن والسمسم والمانجو والموز، مستفيدةً من دفء المناخ وخصوبة التربة، ثم تبدأ الجبال في الصعود شيئًا فشيئًا حتى تبلغ قمم النماص وتنومة وبللسمر وبللحمر وأبها وسراة عبيدة، في لوحة جغرافية تتبدل فيها الفصول خلال ساعات قليلة،
وفي قلب هذه الجغرافيا تنساب أودية عظيمة، كان لها أثر بالغ في نشأة القرى واستقرار السكان، مثل وادي بيشة، أحد أطول أودية المملكة، ووادي عتود، ووادي ترج، ووادي خاط، وغيرها من الأودية التي ظلت عبر القرون شرايين للحياة، تروي المزارع وتغذي الأشجار وتمنح الإنسان أسباب الاستقرار، وهو ما تؤكده الموسوعة المملكة العربية السعودية؛ وهيئة تطوير منطقة عسير.
ولأن الماء كان سر الحياة، أبدع الإنسان العسيري في بناء المدرجات الزراعية على سفوح الجبال، منذ مئات السنين، وهي من أروع الشواهد على قدرة الإنسان على التكيف مع الطبيعة، فقد حوّل المنحدرات الصخرية إلى حقول متدرجة تنتج القمح والشعير والذرة والدخن والرمان والعنب والخوخ والمشمش والتين واللوز والبن، في مشهد يجمع بين الهندسة والجمال والعمل الدؤوب، ليبرهن على أن الإنسان العسيري يرث الحضارة والمهارة والحياة ويطورها، ولم يكن إنسانا بدائيا أو ضعيفا، وقد وصف الرحالة والمؤرخون هذه البلاد بإعجاب واضح؛ فالهمداني تحدث عن كثرة القرى وخصوبة الأرض وغزارة المياه، بينما أشار الإدريسي إلى أن جبال السراة من أكثر بلاد العرب اعتدالًا وحسنًا، وذكر ياقوت الحموي عددًا من أوديتها ومواضعها، مؤكدًا مكانتها بين أقاليم الجزيرة العربية، وستجد هذا في المصادر والمؤلفات التاريخية للحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب؛ والشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان.
وحين يحل الربيع، تتحول عسير إلى لوحة نابضة بالألوان؛ تكتسي الجبال بالخضرة، وتتفتح الأزهار البرية، وتفوح رائحة الشيح والريحان والعرعر، بينما ينساب الضباب بين القرى الحجرية كأنه وشاح أبيض يلف الجبال في هدوء مهيب، تشم رائحة الأرض المنعشة والهواء النقي البارد، ويلفك السحاب كأنك وسط غيمة، وليس غريبًا أن تصبح عسير اليوم واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المملكة، وأن تعمل الدولة على تطويرها لتكون وجهة عالمية على مدار العام، اعتمادًا على تنوعها الطبيعي والثقافي الفريد.
وفي عسير لا تنفصل الطبيعة عن الإنسان؛ فالمزارع صديق الحقل والشجرة والنبات، يرى في الأرض رزقه، والراعي يقرأ في الجبل دروب الحياة، يحن على المواشي ويعتني بها أشد عناية، والشاعر يستلهم من الضباب قصيدته، والطفل يكبر وهو يسمع خرير الوادي، يسمع صوت العصافير ويستنشق عطور الأرض، ويرى السنابل تميل مع الريح، ولذلك لم تكن هذه الجغرافيا مجرد إطار للحياة، بل كانت شريكًا في صياغة شخصية الإنسان العسيري؛ صلابةً من الجبل، وسعةً من الوادي، وكرمًا من الأرض التي لا تبخل بخيرها إذا أُحسن إليها.
الكرم ثقافةً، والعمل هويةً، والعلم ميراثً
إذا كانت الجبال هي ذاكرة عسير، فإن الإنسان هو روحها التي منحت المكان معناه، فمنذ آلاف السنين عاش أهل عسير على سفوح الجبال، وفي بطون الأودية، وعلى امتداد السهول والساحل، واستطاعوا أن يحولوا قسوة التضاريس إلى مدرسة في الصبر والإبداع، وأن يجعلوا من التعاون أسلوب حياة، حتى أصبحت المنطقة مثالًا في التلاحم الاجتماعي والمحافظة على القيم العربية والوطنية والإسلامية، وقد عُرفت القبائل العسيرية عبر تاريخها بإكرام الضيف، والوفاء بالعهد، ونصرة الملهوف، وهي قيم رسختها الشريعة الإسلامية، ثم أصبحت جزءًا من الشخصية الاجتماعية لأهل المنطقة، وكانت المجالس العامرة بالعلم والأدب، ومجالس الصلح، واستقبال الضيوف، من أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية التي تناقلتها الأجيال، وهذا ليس حديثي بل ما ذكرته موسوعة المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، في باب، «الحياة الاجتماعية في عسير».
ولم تكن الزراعة مجرد مهنة، بل كانت فلسفة حياة، فقد شيّد الإنسان العسيري المدرجات الزراعية على سفوح الجبال، في واحدة من أبدع صور التكيف مع الطبيعة، وحافظ عليها قرونًا طويلة، حتى أصبحت اليوم من أبرز معالم المشهد الحضاري في المنطقة، وشاهدًا على براعة الإنسان في إدارة الماء والتربة، وفي أسواق عسير التاريخية كانت الحياة تنبض بالحركة؛ فـسوق الثلاثاء في أبها، وسوق خميس مشيط، وأسواق محايل وبارق ورجال ألمع، لم تكن أماكن للبيع والشراء فحسب، بل ملتقيات للعلم والشعر والأخبار وتبادل الخبرات بين القرى والقبائل، وأسهمت في ازدهار الحركة الاقتصادية والاجتماعية عبر مئات السنين، «المصدرـ دارة الملك عبدالعزيز؛ موسوعة المملكة العربية السعودية».
وتعد العمارة العسيرية من أبرز عناصر الهوية الثقافية في المملكة؛ فقد شُيدت البيوت من الحجر والطين والأخشاب المحلية، وزُينت جدرانها الداخلية بألوان ونقوش هندسية عُرفت باسم فن القَطّ العسيري، وهو فن نسائي توارثته الأجيال، وأدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2017، «المصدرـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»؛ هيئة التراث السعودية». ولأن الثقافة لا تكتمل إلا بالشعر، فقد ظل الشعر حاضرًا في وجدان أهل عسير، يصف الأرض، ويمجد البطولة، ويحتفي بالمطر والزرع والوفاء، وكثيرًا ما استلهم الشعراء مشاهد السراة وتهامة، فقالوا في وصف الجبال:
كأن السحاب إذا ما استقرَّ بقممها
عمامةُ مجدٍ فوق هامِ الزمانِ
وإن لم يكن هذا البيت من الشعر القديم، فإنه يختصر صورةً كثيرًا ما رسمها الأدباء لعسير؛ أرضًا يجاور فيها الغيم قمم الجبال، وتنساب فيها الأودية نحو السهول، في مشهد يجمع بين القوة والسكينة، واليوم تواصل عسير كتابة فصل جديد من تاريخها؛ فقد وضعت استراتيجية تطويرعسير هدفًا يتمثل في أن تصبح المنطقة وجهة عالمية على مدار العام، مع استحداث نحو 94 ألف وظيفة مباشرة، وضخ استثمارات تقدر بنحو 26 مليار ريال، مع الحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي، وتمكين المجتمع المحلي من قيادة التنمية والاستفادة منها، «المصدر- هيئة تطوير منطقة عسير، «استراتيجية تطوير عسير»، 2026».
وهكذا تبقى عسير أكثر من منطقة على خارطة الوطن؛ إنها قصة حضارة كتبتها الجبال، وحفظتها الأودية، ورواها الإنسان جيلاً بعد جيل، ففي كل قرية حكاية، وفي كل وادٍ ذاكرة، وفي كل قمة نافذة تطل على تاريخ الجزيرة العربية ومستقبلها، لتظل عسير أرضًا يلتقي فيها عبق الماضي بإشراقة الحاضر، ويصافح فيها السحاب قمم المجد.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام