عبدالعزيز صالح الصالح
قال الشاعر الحكيم:
ففي فؤاد المحب نارُ جوى
أحرُّ نار الجحيم أبردها
الدنيا بلا ريب سلسلة متصلة من اللذات والمسرات، وهي لم تكن في حقيقتها إلاَّ مزيجاً من العناء والمشقَّة والسَّعادة، وخليطاً من السَّرَّاء والضَّرَّاء، أليست هذه الفانية… فهي دار امتحان وابتلاء ..؟
فإن أحوال الطقس على مدار العام مختلف في كافَّة البلدان منها الحار، ومنها البارد، ومنها المعتدل، فالنَّاس فهذه البلدان يختلفون البعض يحب الاصطياف في فصل الصَّيْف خارج بلدانهم إلى الاماكن السَّياحيَّة، فهذا يدير المال للإقامة في أفضل المصايف في العالم، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مَضَض، وهذا ثري أفلس يأتي عليه فصل الصَّيْف فيذكره بأيَّام هنيئة قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعه فصل الصَّيْف ولذعة الذكرى – فالناس ليسوا سواسية كل يبحث عما يسعده في هذا الفصل - وهذا شاعر وكاتب شغله الحر من ناحية أخرى، فهو يريد تشبيهاً جميلاً للحر أو تعبيراً بليغاً فيقول:
هذا الفصل أحر من الرمضاء وأحر من دمع الصب، وأحر من قلب المحب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل، ثم لا تعجبه هذه الأمور كلها فيريد تشبيهاً مخترعاً، أو بعبارة مبتكرة، أو باستعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، فهي حيلة لطيفة للتخلص منه !!
أمَّا البعض من البشر فإن فصل الصَّيْف يُصيبهم ضيق الَحرِّ وقسوته على مدار الفصل، فالكاتب يريد الهروب من الحرِّ حيناً بالتفكير والكتابة عن فصل الصَّيْف إنَّها فرصة جميلة أن يكتب عن الحرِّ، فإذا خرج المقال ممتلئاً حرارة وقوَّة فقد ربح ربح المحسن في عمله، أمَّا إذا خرج المقال بارداً فقد أحسن إلى المتلقِّي من البشر، وأيِّ فرصة للكاتب تكون خير له؟ فإنه يحسن إذا أحسن ويحسن إذا أساء، وللإنصاف لا بُدَّ أنه ليعلن أنها ليست مبتكرة لهذا المعنى، وإنما أخذها من مجال نادر له اتصال بالحرِّ - فقد أراد الكاتب أن يثير لنفسه ولغيره من البشر عن فصل الصيف بكتابة مقال تطفئه، لا بالحار فيعجب، ولا بالبارد فتطفئه.أليس في الأرض عدل؟ أليس العناء والشقاء قد أكسب المرء مناعة وقوَّة؟ أليست الرفاهية والمدنية والنعيم قد حرم المرء الصبر والجلد والكدِّ والاحتمال؟ حتى يسعد بما أشقى به، فالفرد يسعد بشربه ماء من كوز، ويسعد بالإرتماء في ظِّلِّ منزل في الطريق بعد أن أعياه العناء والتعب وأضناه المسير، ويسعد بحفنة مال بسيط، وإن كانت للسعادة لَّذَّة وطمأنينة وراحة بال، لا شك أن هناك مجالا للتفكير العميِّق، الَّذي ارهق حواس المرء وإحساسه وأفقده الصبر واحتمال المكر، وجعله ينفر من نعيم إلى نعيم أدق منه ظن منه في السَّعادة، أمَّا السَّعادة تكون في العيش البسيط والمران على الجلد، مع احتمال ألوان الحياة وصنوف التعب، وأقلها الحرَّ والبرد وإن تحتمل الحرِّ فلا حر، وإن تحتمل البرد فلا برد، فكل شيء في هذه الحياة من لَّذَّة وألم نسبي، وليست اللذة والألم يعتمدان على الشيء الخارجي فحسب، بل هما نتيجة تفاعل بين الشيء الخارجي والنفسي، حيث يختلف هذا التفاعل اختلافاً كبيراً باختلاف النفوس مع ترويضها وتمرينها على التحمل، وتعويدها على الصلابة، وهذا في نظر الكاتب ليس أقل شأناً ولا أصغر قيِّمة من العلاج فإن الشمس بنارها اللافح، والحر بشدته اللاذعة والبرد بحدته القاسية، وأمطاره المنهمرة، وببرده وثلوجه، وبالطبيعة المعتدلة بعواصفها ورياحها، فكل هذه الأمور سالفه الذكر هي التي جعلت الإنسان قديماً يبحث عن ملجأ يأوي إليه من شدة الحرارة في فصل الصَّيْف، وشدَّة البرودة في فصل الشتاء، فأخذ يسكن الكهوف المطلة من اعالي الجبال سواء العاليه أو المنخفضة، في نشأته الأولى، وظل سنوات طويلة حتى أرتق في ضروب من الأرتقاء حتى أسس منزلاً، وأسس أسرة وتونت الأسر من قبائل وكونت هذه القبائل الأمم، ثم تعاونت تلك الأمم على ترقية النوع الإنسانيِّ، فلولا الحرِّ والبرد، ما شيدت المنازل، ولولا المنازل ما تكونت الأسرة، ولولا الأسر ما تكونت الأمم وهكذا وبعد أن حاول الكاتب أن يتحدث عن فصل الصيف فبدأ الفجر يقل والألم يحتمل، والنفس تهدأ، والعاصفة تسكن، والاحتمال يقوى، فهل هذا الأمر يستمر؟
والله الموفِّقُ والمعين.