د. طلال الحربي
ثمة أحلام تولد كبيرة ثم تظل معلقة في سماء التمني، وثمة أحلام أخرى تجد من يمسك بها بيد حازمة فينزلها من فضاء الخيال إلى مدرج الواقع، وهذا ما فعلته رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين أعلنت المملكة عن ميلاد طيران الرياض، فلم يكن الإعلان يومها مجرد خبر اقتصادي عابر في نشرات الأنباء، بل كان وعداً وطنيًّا بأن السماء السعودية ستكتب فصلاً جديداً في سجل الطيران العالمي، وها هو الوعد يتحقق اليوم، وها هي الطائرات التي كانت حبراً على ورق الرؤية تشق عنان السماء حاملة اسم العاصمة وطموح الوطن.
غير أن ما لا تلتقطه عدسات الاحتفاء الرسمي، وما لا تختزله الأرقام والمؤشرات، هو ذلك البعد الإنساني العميق الذي جعل من هذا المشروع الوطني حلماً شخصيًّا يتحقق لفئة طالما دفعت ثمن السفر مضاعفاً، جهداً ومشقة وقلقاً. أكتب هذه السطور بوصفي مسافراً على كرسي متحرك، خبر تفاصيل المطارات وممراتها وعثراتها على مدى سنوات طويلة، وأشهد أن التجربة مع طيران الرياض كانت مختلفة اختلافاً يستحق أن يروى ويوثق، لأنها المرة الأولى التي أصل فيها بكرسيي الخاص إلى باب الطائرة، ثم أستلمه عند وصولي من باب الطائرة ذاتها، دون أن أضطر إلى التخلي عنه أو استبداله أو تغليفه وتسليمه ليغيب عني في عالم الحقائب والأمتعة.
من يعرف معاناة السفر بالكرسي المتحرك يدرك حجم هذا الإنجاز الذي قد يبدو للبعض تفصيلاً صغيراً. فكم من رحلة انتهت باستلام كرسي مكسور أو معطوب لأنه نقل نقلاً غير سليم مع العفش، وكم من مرة وصل المسافر إلى وجهته ولم يصل كرسيه أبداً، فوجد نفسه في مدينة غريبة وقد فقد ما هو بالنسبة إليه امتداد لجسده وحريته وكرامته في التنقل. هذه المعاناة التي ألفها ذوو الإعاقة حتى كادت تصبح جزءاً من طقوس السفر، جاء طيران الرياض ليقول لهم إنها ليست قدراً محتوماً، وإن التصميم الشامل والإتاحة الكاملة ليسا ترفاً تجميلياً بل جوهر الخدمة وروحها.
والفرق مع طيران الرياض لا يبدأ عند باب الطائرة، بل من اللحظة الأولى التي تجري فيها حجزك، ثم حين تصل إلى كاونتر المطار فتجد معاملة تشعرك بأنك راكب كامل الحقوق، سواء كنت على كرسي متحرك أو من دونه، لا استثناء ولا شفقة ولا إجراءات تحيلك إلى عبء ينبغي التعامل معه. وفي صالة طيران الرياض تشعر وكأنك تلج قاعة نادٍ راقٍ أنت عضو أصيل فيه، لا ضيفاً طارئاً عليه. وعلى متن الطائرة يكتمل المشهد بطاقم مهني رفيع يعيد للسفر متعته الأولى، حتى إذا بلغت وجهتك وجدت أن رحلتك كانت حلماً جميلاً تتمنى ألا تستيقظ منه.
إن ما تحقق ليس مصادفة ولا اجتهاداً فردياً، بل ثمرة رؤية قائد آمن بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، فجاءت رؤية 2030 لتترجم هذا الإيمان في كل قطاع ومرفق، ولتجعل من جودة الحياة حقاً للجميع دون استثناء. فالشكر أولاً لسمو ولي العهد الذي حقق لنا أحلاماً طالما تمنيناها، وجعل من الإتاحة والشمول معياراً وطنيًّا لا يقبل المساومة. والشكر موصول لمعالي رئيس مجلس إدارة طيران الرياض الذي تابع أدق التفاصيل حتى خرجت الشركة كما أرادها سمو ولي العهد، أيقونة وطنية تليق باسم الرياض ومكانتها. ولسعادة الرئيس التنفيذي وأسرة طيران الرياض جميعاً تحية إكبار على ترجمتهم الحلم إلى واقع ملموس هم أبطاله وصناعه. لقد كان بإمكان طيران الرياض أن يكتفي بأن يكون ناقلاً جويًّا جديدا ينافس على الوجهات والأسعار، لكنه اختار أن يكون رسالة حضارية تقول للعالم إن المملكة حين تبني لا تبني للأصحاء وحدهم، بل تبني للإنسان بكل حالاته وظروفه واحتياجاته. وحين يصل مسافر على كرسيه المتحرك إلى باب الطائرة بأريحية، فإن الوطن كله يحلق عالياً، وإن الحلم الذي أطلقته الرؤية لم يعد حلماً، بل صار أجنحة تعانق السماء.