«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ثمة مدن لا تُروى من خلال تاريخها الرسمي وحده، بل من التفاصيل الصغيرة التي تتراكم في الذاكرة: بيت قديم، حكاية عائلية، عادة توارثتها الأجيال، لوحة بقيت معلقة سنوات طويلة، أو شغف فردي يتحول مع الزمن إلى مشروع ثقافي يتجاوز صاحبه ليصبح جزءًا من ذاكرة مدينة بأكملها.
في جدة، حيث تتجاور ذاكرة البحر مع ذاكرة البيوت، وحيث عبرت التجارة والثقافة والفن من الأبواب نفسها، لا تبدو الذاكرة ماضيًا مستقرًا خلفنا، بل مادة حية يعاد اكتشافها باستمرار، وتتحول من أثر محفوظ إلى طاقة قادرة على إنتاج الحاضر.
من هذه المنطقة تحديدًا جاء حديث الفنان والمهتم بالمشهد الثقافي حمزة صيرفي، خلال جلسة «ويبقى الأثر» التي استضافها متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، وأدارتها عبير أبو سليمان، المرشدة السياحية السعودية والمهتمة بالتراث، التي ارتبط اسمها بجدة التاريخية وجهود التعريف بذاكرتها وموروثها، بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي.
لم تكن أبو سليمان في إدارة الحوار مجرد وسيطة بين المتحدث والجمهور؛ فقد فتحت أسئلة الجلسة على ذاكرة جدة، وعلى العلاقة بين ما يعيشه الفرد وما يبقى منه في الذاكرة العامة، لتمنح صيرفي مساحة لاستعادة قصص المدينة وعاداتها وإرثها العائلي، والانتقال من تجربته الشخصية إلى أسئلة أوسع حول الفن والاقتناء والمتحف والأثر.
منذ البداية، بدا واضحًا أن حديث صيرفي عن جدة لم يكن مجرد استعادة لمدينة قديمة أو حنين إلى زمن مضى، بل استعادة لمسار طويل من العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الشغف الفردي والذاكرة العامة، وبين المبادرات التي تبدأ من أفراد والمشروعات الثقافية التي تمنحها المؤسسات أفقًا أوسع للاستمرار.
جدة.. حين يصبح المكان شريكًا في صناعة الذاكرة
استعاد صيرفي جدة من داخل تفاصيلها؛ من الحكايات والعادات والإرث العائلي، ومن مدينة لم تكن بالنسبة إليه خلفية للأحداث، بل طرف أساسي في تشكيل الوعي.
ففي المدن التي تمتلك تاريخًا طويلًا، لا يعيش الإنسان في المكان وحده، بل يعيش في طبقاته. وكل جيل يضيف شيئًا إلى المدينة، وكل ذاكرة شخصية يمكن أن تصبح، في لحظة ما، جزءًا من الذاكرة الجماعية.
من هنا تبدو جدة، في تجربة صيرفي، مدينة لا تكتفي بحفظ ماضيها، بل تعيد إنتاجه. فالبيت القديم يمكن أن يصبح متحفًا، والحكاية العائلية يمكن أن تتحول إلى مادة ثقافية، والعمل الفني الخاص يمكن أن يجد طريقه إلى فضاء عام.
هذه القدرة على تحويل الماضي إلى طاقة جديدة هي التي جعلت جدة، بحسب صيرفي، «ذاكرة إلهام للفن والثقافة والمبادرات المعاصرة»، ومختبرًا مفتوحًا للمبادرات الفنية والثقافية.
حين يغادر الفن الجدار
بدأت علاقة صيرفي بالفن من الشغف والاقتناء، غير أن هذه العلاقة لم تبقَ في حدودها الخاصة. فمع الوقت، أخذ السؤال يتغير: هل تكفي حيازة العمل الفني؟ أم أن قيمته الأعمق تبدأ حين يصبح قادرًا على الوصول إلى الآخرين؟
من هنا انتقل صيرفي من تجربة الاقتناء إلى المساهمة في تأسيس عدد من صالات الفنون التشكيلية، وصولًا إلى «غاليري أثر» و«صالة وصل الفنية»، إلى جانب نشر أعمال فنية والتعريف بها عبر جهات ومبادرات متعددة.
كان هذا الانتقال أكثر من توسع في النشاط؛ كان تحولًا في مفهوم العلاقة مع الفن. فالعمل الفني، حين يكون داخل مجموعة خاصة، يحفظه صاحبه. أما حين ينتقل إلى فضاء عام، فإنه يبدأ في بناء علاقة جديدة مع الجمهور؛ يصبح قابلًا للتأويل والمناقشة والاختلاف، ويغادر حدود الملكية الفردية إلى فضاء الذاكرة الجماعية.
وهنا تحديدًا تبدأ أهمية تجربة صيرفي: في اللحظة التي يتحول فيها الشغف من علاقة شخصية بالفن إلى مسؤولية تجاه حضوره في المجتمع.
دار الفنون.. من جمع الأعمال إلى بناء الذاكرة
في حديثه عن مراحل تأسيس متاحف دار الفنون في جدة بارك، بدا واضحًا أن المشروع لم يولد باعتباره فكرة منفصلة عن مسيرته، بل جاء نتيجة طبيعية لتراكم طويل.
بدأت الحكاية من الشغف بالفن، ثم من اقتناء الأعمال وحفظها، قبل أن يتسع السؤال: كيف يمكن تقديم هذه الأعمال؟ وكيف يمكن تحويل المجموعة الفنية إلى تجربة معرفية؟ وكيف يستطيع المتحف أن يتجاوز وظيفة العرض إلى وظيفة الحفظ والتفسير وبناء الذاكرة؟
من هنا تبلورت فكرة دار الفنون بوصفها مشروعًا يتجاوز جمع الأعمال إلى بناء فضاء متحفي يتيح للفن أن يعيش خارج إطاره الخاص.
فالمتحف ليس مستودعًا للأعمال، ولا مكانًا تُعلّق فيه اللوحات على الجدران فحسب. إنه مؤسسة تعيد ترتيب الذاكرة، وتمنح الأعمال سياقها، وتضع الماضي أمام الحاضر، وتترك للأجيال القادمة فرصة أن ترى كيف تشكلت الذائقة الفنية وتطورت.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة متاحف دار الفنون باعتبارها محطة في رحلة طويلة: شغف يقود إلى الاقتناء، والاقتناء يقود إلى الحفظ، والحفظ يقود إلى العرض، والعرض يتحول إلى معرفة، والمعرفة تصبح ذاكرة عامة.
أسئلة الجمهور.. حين يتحول الحديث إلى حوار
لم يبقَ النقاش عند حدود تجربة صيرفي الشخصية؛ إذ فتحت مداخلات الجمهور أسئلة تتصل بجوهر التجربة نفسها: كيف يمكن أن تنتقل الأعمال الفنية من المجموعات الخاصة إلى فضاء أوسع؟ وما الذي يجعل المقتنى الشخصي جزءًا من ذاكرة المدينة؟ وهل يكفي إنشاء المتحف لحفظ الفن، أم أن القيمة الحقيقية تبدأ حين يمنح العمل سياقه ويصبح قادرًا على مخاطبة أجيال جديدة؟
كما اتجهت الأسئلة إلى العلاقة بين المبادرة الفردية والعمل المؤسسي، وإلى الدور الذي يمكن أن يؤديه أصحاب المجموعات الخاصة في بناء المشهد الثقافي، فضلًا عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن تحويل الشغف الشخصي إلى منفعة عامة تستمر بعد صاحبه؟
وفي هذا السياق، بدت أسئلة الجمهور امتدادًا طبيعيًا لفكرة الجلسة؛ فالأثر لا يصنعه صاحبه وحده، بل يتشكل أيضًا في الطريقة التي يستقبله بها الآخرون، ويعيدون قراءته، ويمنحونه حياة جديدة.
من الجهد الفردي إلى المشروع الثقافي الوطني
لم تأتِ تجربة صيرفي في فراغ. فقد شهدت جدة، على امتداد عقود، مبادرات فردية وثقافية وفنية أسهمت في تشكيل الوعي بالمشهد التشكيلي، وفتحت الطريق أمام صالات العرض والمجموعات الخاصة والمشاريع التي جعلت الفن جزءًا من الحياة الثقافية للمدينة.
غير أن المشهد الثقافي السعودي اليوم يعيش مرحلة مختلفة؛ مرحلة تنتقل فيها المبادرات من كونها جهودًا متفرقة إلى منظومة ثقافية أوسع، تتكامل فيها الذاكرة والتراث والفنون والمتاحف والمواقع التاريخية ضمن مشروع وطني تقوده وزارة الثقافة.
وفي هذا التحول، لا تكتفي الوزارة بحماية الماضي، بل تعيد تقديمه بوصفه مادة حية للحاضر والمستقبل. فهي تعمل على استعادة المواقع التاريخية، وترميم البيوت، وإحياء الأحياء القديمة، وتطوير المتاحف والمشروعات الثقافية، ضمن رؤية تجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية ووعي المجتمع.
من هنا تكتسب تجربة جدة خصوصيتها
فما تقوم به وزارة الثقافة في جدة لا يمكن اختزاله في ترميم مبانٍ أو استعادة واجهات تاريخية؛ إنه إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان ومكانه. فالبيت القديم لا يعود مجرد مبنى، والموقع التاريخي لا يبقى شاهدًا صامتًا على الماضي، بل يتحول إلى مساحة للمعرفة والفن والحوار والتجربة. وهنا تلتقي جهود الأفراد مع المشروع المؤسسي. فالمبادرات التي بدأها شغوفون بالفن والثقافة أسهمت في تكوين الوعي، فيما تعمل وزارة الثقافة اليوم على توسيع هذا الوعي وتحويله إلى بنية ثقافية مستدامة، تحفظ الذاكرة وتتيح لها أن تكون جزءًا من المستقبل.
وبهذا المعنى، فإن تجربة حمزة صيرفي لا تقف خارج التحول الثقافي الذي تشهده المملكة، بل يمكن قراءتها باعتبارها جزءًا من التراكم الذي أسهم في تشكيل المشهد، ومن المرحلة الجديدة التي تمنح الثقافة أدوات أوسع للوصول والاستمرار.
إرث يبدأ من العائلة ولا ينتهي عندها
في استعادته لهذه الرحلة، أشار صيرفي إلى توجيه والده وأهمية المساهمة في خدمة جدة وخدمة المجتمع.
وهنا يظهر معنى آخر للإرث، فالإرث ليس دائمًا ما ينتقل في صندوق أو يُسجل في وثيقة. أحيانًا يكون فكرة بسيطة تُقال في البيت، ثم تكبر مع صاحبها حتى تتحول إلى مشروع. أن تكون الثقافة مسؤولية، وأن يكون الفن وسيلة لخدمة المجتمع، وأن ما يملكه الفرد من معرفة أو شغف يمكن أن يتحول إلى منفعة عامة.
بهذا المعنى، لم تكن تجربة صيرفي مجرد مسار شخصي، بل محاولة لتحويل الإرث إلى فعل، وتحويل ما يبدأ داخل العائلة إلى قيمة يمكن أن تصل إلى المجتمع.
«ويبقى الأثر».. عنوان الجلسة وسؤالها الحقيقي
ربما لم يكن اختيار عنوان الجلسة «ويبقى الأثر» عابرًا. فالأثر هو ما يتبقى حين يغيب صاحبه، وهو ما يجعل التجربة قابلة لأن تستمر بعد انتهاء زمنها.
وفي تجربة حمزة صيرفي، يمكن رؤية هذا الأثر في أكثر من مكان: في صالات فنية أسهم في تأسيسها، وفي أعمال ساعد على تقديمها، وفي متاحف تحولت إلى فضاءات تحفظ الفن وتمنحه سياقًا جديدًا، وفي مدينة ظل يرى فيها مصدرًا مستمرًا للإلهام.
لكن الأثر لا يصنعه فرد وحده
حين تتصل المبادرة الفردية بالمؤسسة الثقافية، ويجد الشغف الشخصي طريقه إلى مشروع وطني أوسع، يصبح الأثر أكثر قدرة على الاستمرار.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس: كم عملًا فنيًا جُمع؟ أو كم صالة أُسست؟ أو كم متحفًا أُنشئ؟
السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث للفن حين يتحول من ملكية فردية إلى ذاكرة عامة؟
الإجابة، ربما، هي أن الفن يبدأ عندها حياة ثانية.
المكان الذي يستعيد البحر.. والحديث الذي يستعيد المدينة
في متحف البحر الأحمر، اكتسبت الجلسة طبقة إضافية من المعنى. فالمتحف، المقام في مبنى باب البنط التاريخي بجدة التاريخية، لا يقدم البحر بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه ذاكرة إنسانية وحضارية. ومن خلال أكثر من ألف قطعة أثرية وفنية موزعة على 23 قاعة عرض، يستعيد المتحف جوانب من التراث المادي وغير المادي والطبيعي للبحر الأحمر، جامعًا بين التاريخ والفن والسينما والحوار الثقافي.
بدا المكان مناسبًا تمامًا لسؤال الأثر
المتحف يحفظ ذاكرة البحر، وصيرفي يستعيد ذاكرة المدينة، وعبير أبو سليمان، بخبرتها في التعريف بتراث جدة التاريخية، تدير حوارًا يفتح الذاكرة على أسئلتها، فيما تعمل وزارة الثقافة على إعادة وصل هذه الذاكرة بالحاضر.
جدة.. حين لا يكون الماضي خلفنا
في نهاية الحديث، لا تبدو جدة في تجربة حمزة صيرفي مدينة تنظر إلى الماضي من بعيد. إنها مدينة يعيش الماضي فيها داخل الحاضر؛ في البيوت التي تُرمم، وفي الأعمال التي تُحفظ، وفي المتاحف التي تُبنى، وفي الحكايات التي يعاد سردها، وفي الأجيال الجديدة التي تكتشف أن المدينة التي تبدو قديمة في صورتها لا تزال قادرة على إنتاج أسئلة جديدة. وربما لهذا وصفها صيرفي بأنها «ذاكرة إلهام». لأن الذاكرة، حين تكون حية، لا تعيدنا إلى الوراء. إنها تدفعنا إلى الأمام.
من هنا يمكن فهم تجربة حمزة صيرفي كلها: لم يكن يحاول أن يحتفظ بالماضي كما هو، بل أن يمنحه فرصة جديدة للحياة. فمن اللوحة إلى الصالة، ومن الصالة إلى المتحف، ومن المقتنى الخاص إلى الذاكرة العامة، تتشكل رحلة واحدة، تتقاطع فيها المبادرة الفردية مع المشروع الثقافي الوطني، وتلتقي فيها ذاكرة جدة مع رؤية جديدة للثقافة يقودها العمل المؤسسي.
وربما هنا يكمن المعنى الأعمق للأثر: أن ما ينجح فرد في حفظه اليوم، قد يصبح غدًا جزءًا من الذاكرة التي تحفظها المدينة. وأن ما تحفظه المدينة، حين يجد مؤسسة تؤمن بقيمته وتمنحه أدوات الاستمرار، يمكن أن يتحول إلى ذاكرة وطنية لا تخص الماضي وحده، بل تصنع المستقبل أيضًا.