الهادي التليلي
الوضع الجيوستراتيجي الراهن ونحن نعايشه يعيد إلينا بعض المفكرين الذين شاهدوا الآتي قبل أن يأتي مثل محمد عابد الجابري وبرهان غليون ومطاع صفدي وغيرهم بل ومن أهم من استشرفوا هذه الوضعية الراهنة المفكر التونسي هشام جعيط القائل كلما ابتعدنا عن لحظة النبوة الأولى كلما ضعفت العلاقة بالنص وبروح الدين وجوهره
فعلا عندما تغادر الكون روح أحد مفكريه يكون الحزن متعدد السطوح خاصة إذا تردد صدى مقولاته وأفكاره باستدعاء من الواقع المعيش فالعلم لا نهائي لأن العلم لا وطن له إنه وطن الفكر الذي يتحرك بحركة الوعي هذا الوعي الذي يستقر كأسئلة مترجرجة متحدية الأزمنة والعصور والدكتور هشام جعيط واحد من هذه الفئة قدم إلى الفانية في 1935وغادرها في منتصف 2021 عن سن تناهز 86 عاماً ينبئنا مساره المهني لكونه درس بأعتى الجامعات العالمية في أمريكا وكندا وأوروبا والعالم العربي مثل ماك ييل ومنريال وكاليفورنيا والسربون وتونس منهيا مساره الأكاديمي رئيسا لبيت الحكمة، هذا الرجل الذي ينتمي لأسرة بورجوازية محافظة حيث كان والده من كبار شيوخ جامع الزيتونة مدرسا للفقه وعلوم اللغة، وجده الوزير يوسف جعيط، وعمه العالم والشيخ محمد عبد العزيز جعيط وكغيره من أبناء جيله المنتمين لهذه الطبقة حرصت أسرته على إدخاله المدرسة الصادقية عنوان التعليم المعاصر والباب الأميز لتعلم اللغة الفرنسية وبعد حصوله على شهادة الباكالوري «الثانوية العامة» التحق بدار المعلمين العليا بباريس هذا الصرح التعليمي الذي تخرج فيه كل من جان بول سارتر وسيمون دي بوفار وميشال فوكو وغيرهم، وقد تفتح وعي هذا المفكر على الفلسفة في سن مبكرة اعتبره فتحا في حياته وفكره ووعيه وهو من نشأ في بيئة محافظة مستكينة إلى الفكر السابح في أدراج المكتبة الموروثة لدرجة جعلت صديقة الكاتب حسونة المصباحي والذي يعد من أفضل من كتبوا حول الرجل بكون هذه اللحظة فترة تمرد فكري للرجل على الفكر الذي نشأ عليه فهشام جعيط الذي نهل في هذه الفترة من أفكار ساتر والبير كامو ونيتش وشوبنهاور وهيغل ورواد الهيغلية الجديدة مثل ماركس وغيرهم حيث يقول: «كان اكتشاف الفلسفة بالنسبة لي بمثابة الفتح والتجلي ولست أعني بذلك الميتافيزيقيا فقط، بل وأيضا علم النفس والمنطق والأخلاق»
هذا المريد الذي كانت بعض أسئلة طه حسين والعقاد وأحمد أمين قد حركت فيه الكثير من الهواجس قبل ذلك حيث يقول حسونة المصباحي» ومع اقترابه من سنّ العشرين، شرع الفتى هشام جعيط يظهر تمردا على الوسط العائلي وذلك تحت تأثير قراءاته للكتب الفلسفية ولتلك التي كانت تتحدث عن الثورة الفرنسية ومن ناحية الفكر الديني انجذب إلى كتب طه حسين والعقاد وأحمد أمين».
في الحقيقة نهل هشام جعيط كان كذلك من الشاعر والمفكر محمد إقبال والباحث عبدالله العروي.
عودة هشام جعيط من باريس في 1962 حاصلا على التبريز ودخوله مجال التدريس في جامعة الزيتونة يمكن إعتبارها نقطة قاتمة في مساره حيث كان الأفق ضيقا أمام ما يشعر به من رغبة في التحليق خارج السرب ولكنها كانت مناسبة للحفر في محاولات التأريخ للحظة هامة لفترة التأسيس للحضارة الإسلامية مثل ابن هشام والطبري وابن خلدون وابن سعد هذه المرحلة التي غادرها لبناء مسار له في عالم الفكر بعيدا عن البوتقة الضيقة التي لم تستطع إستيعاب مفكر بحجم أحلامه. فعندما تتحدث عن هشام جعيط الباحث والمؤرخ فإنما تستعرض مفكرا عالمياً لفت إنتباه المشرق والمغرب والغرب وما وراء البحار هشام جعيط الذي أعاد خلط الأوراق في تحديد مفاهيم الشرق والغرب متجاوزا التحديدات المرتكزة على الدين والعنصر إلى مفهوم أكثر علمية ومنطقية خارج مدارات الإيديولوجيا والمصالح العنصرية معتبرا الغرب هو غرب هذا الكون وما يعتريه لا غرب من يدين معظمهم بالمسيحية وما يشمل حدود فكر القارة الأوروبية مضيفا أن ما يصطلح عليه بالغرب يشمل كذلك ما تم الإصطلاح عليه بالمشرق العربي وأن الشرق هو الشرق الأدنى ويعني به الصين واليابان وكوريا بشطريها وفيتنام وبقية بلدان الشرق الأدنى التقسيم الكلاسيكي كان من أسباب صراع الحضارات والحروب الصليبية والاستعمار الحديث فالفكر منتشر هنا وهناك وعوائقه تكمن في تصنيع آخر مفتعل تحت غطاء إيديولوجي وعنصري يضر ولا ينفع.
هشام جعيط الذي ترك لنا مكتبة كاملة لعل من بينها السيرة النبوية بأجزائها الثلاثة الأول «الوحي والقرآن والنبوة» والثاني «تاريخية الدعوة المحمدية» والثالث «مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام» وكتب عمقت النظر في القراءة لتاريخ الأحداث في الحضارة الإسلامية ك»الفتنة.. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر «تأملات في الفكر الإسلامي وتجلياته مثل كتاب» الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» و»الكوفة نشأة المدينة العربية الإسلامية» و»أزمة الثقافة الإسلامية» و»تأسيس الغرب الإسلامي» و»أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحضارة» وغيرها إضافة إلى مقالات كثيرة في مجلات محكمة وغيرها.
هشام جعيط هذه القامة التي درسنا كتابه الفتنة على مدارج الجامعة كنا نحفظ عن ظهر قلب بعض الفقرات منه والتي هي غاية في العمق وسحر العبارة وكنا نتلهف لحضور محاضراته في الندوات الفكرية التي يدعى لتقديم مداخلات فيها ليس مجرد مفكر عالمي غادر البسيط هو جزء من ذاكرة عميقة وبوابة لحلم كان يمكن أن يسهم في بناء مجتمعي وانتقال جضاري ولكن كانت هناك كثير من العوامل لعل أبرزها سعي ساسة الربيع العربي على إبعاده عن المشهد والرغبة في إبقائه صورة متحفية يتزينون بها ويتجملون بوجودها في زمنهم خوفا من فكره وشعورا بالتقزم أمامه الأمر الذي جعله يصرح بتعفف المفكر «الأحزاب السياسية التي فاق عددها 200 حزب لا ترغب في تشريك النخبة المثقفة في بلورة مشروع الانتقال الديمقراطي.. لذلك تسعى بوسائل مختلفة لإبعادها، واقصائها».
فهذا الرجل الذي لم يكن مجرد فكر بل مواقف لا تقل قيمة عن إسهامه الفكري ومن بين ما يذكر عنه ورواه المثقف مصطفى عطيه معاصر ساسة تونس لعقود من كون هشام جعيط وبعد تأسيس مجلة الفكر في نهاية الستينيات وكان ذلك في أوج شبابه دعاه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إلى مكتبه وعندما جلس عبر له عن إعجابه محدثا إياه عن مسائل تخالجه ومن بينها المساواة في الميراث وتعدد الزوجات والإفطار في شهر رمضان حين تكون الحرارة عالية ويريد رأيه فيها وفي الحقيقة بورقيبة ساعتها كان يريد أكثر من الرأي فتفطن هشام جعيط وقال له بما معناه أن سياسة الإقتصاد والمجتمع هي من إختصاص الساسة وغيرهم ولكن المسائل هذه فقد فصل فيها الإسلام ولا تحتاج هذا التدخل هذا الرأي يعتبر جد جريء لشاب أمام رئيس من فئة الحبيب بورقيبة كما تعتبر شخصيته التي لا تجامل في قناعتها سببا من أسباب اعتباره أن علاقة السلطة بالعنف ونفي الآخر سبب من أسباب معوقات الانتقال الديمقراطي في البلدان التي شهدت ما يعبر عنه بالربيع العربي.
هشام جعيط الذي تعتبر سنة 2015 سنة تجول في حياته الخاصة وزيادة على خيبة أمله في ما بعد 14 جانفي 2011 بتونس فقد شهد هذا العام وفاة زوجته وقارئته الأولى الحدث الذي تزامن مع تقاعده من رئاسة بيت الحكمة ما جعله يختار العزلة الإختيارية ببيته بضاحية المرسى من العاصمة التونسية متفردا بمكتبته وكتابته التي قد تقاطعها زيارات بعض الأصدقاء أو عودة إبنه الذي يقطن بباريس بين الحين والآخر.
هشام جعيط الذي كنا نتألم أن يكون في بيته والعالم محروم من إبداعه وبعض الشاشات يوميا تقدم نفايات فكرية لا أن تقدم خبراء وفلاسفة ومفكرين أمثال هشام جعيط، وهم نادرون من حيث القيمة والكفاءة وبعض شاشات العالم العربي لم تكتشفه إلا عند موته، وتلك مأساة غربة الوعي في عصر الشاو والمشهدية الزائفة، رحل هشام جعيط الحاصل على عديد الجوائز والأوسمة، وسيبقى فكره مرفرفا شأن ابن خلدون والطبري وعبدالله العروي وغيرهم.
ها الرجل القامة، والذي يعد من القلائل الذين حركوا السواكن ونبشوا في مدونة التاريخ الإسلامي مقدمين أفكارا من داخل النسق وسابقة لعصرها يمكن أن تكون بابا لدخول حضارة أخرى تستنير بالسابق وتبني اللاحق إكتشفه الكثيرون ساعة رحيلها في حين تعلم منه العالم أثناء حياته وستتعلم منه الأجيال القادمة لأن المفكر الحق له آثار ومآثر تخلده.