صبحي شبانة
لم يكن الشرق الأوسط في يوم من الأيام مجرد رقعة جغرافية تتقاطع عندها المصالح الدولية، بل كان دائمًا مهدًا للحضارات، وممرًا للتجارة، وجسرًا يصل بين القارات والثقافات، وعلى امتداد تاريخه الطويل، أثبتت شعوبه أن البناء هو خيارها الطبيعي، وأن الاستقرار هو البيئة الوحيدة التي تزدهر فيها الأمم وتولد فيها الرسالات والحضارات والافكار الكبرى، واليوم وبعد أن نجحت دول الخليج في تشييد نموذج تنموي لافت، نقل المنطقة من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة، ومن الاعتماد على الثروة الطبيعية إلى الاستثمار في الإنسان والتقنية والابتكار، تعود غيوم التوتر لتخيم على الأفق، ويعود الحشد العسكري ليهدد مشروعًا حضاريًا لم يكن موجهًا ضد أحد، بل نذر نفسه لصناعة السلام والازدهار المشترك، وما يثير القلق أن المنطقة التي اختارت أن تنافس العالم بالتنمية، تجد نفسها مرة أخرى مطالبة بأن تدفع كلفة صراعات لم تكن يومًا صاحبة قرار في إشعالها، ولا مستفيدة من استمرارها، لم يعد السؤال اليوم: من سيربح هذه الحرب؟
بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا بقي ليكسبه العالم بعد كل هذا الخراب؟
كم حربًا يحتاج الإنسان حتى يدرك أن البارود لا يبني حضارة، وأن حاملات الطائرات لا تستطيع أن تنشئ مدرسة، وأن الصواريخ مهما بلغت دقتها لا تستطيع أن تزرع شجرة، أو تعيد طفلًا إلى حضن أمه، أو تمنح شعبًا مستقبلًا سرقته المدافع؟
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الجيوش، بل إلى مزيد من الجسور، ولا يحتاج إلى أساطيل إضافية، بل إلى سفن تحمل التجارة والمعرفة والأمل، فالحروب لا تنتج إلا خرائط للدمار، بينما التنمية وحدها هي التي ترسم خرائط المستقبل، وسط هذا المشهد المتخم بالبارود، يقف الخليج العربي وكأنه يدفع ثمنًا لم يختره، منطقة كرست معظم عقودها الأخيرة لبناء الإنسان قبل العمران، ولتحويل الصحراء إلى مدن تنافس أكبر العواصم العالمية، ولإقامة اقتصاد معرفي يتجاوز الاعتماد التقليدي على النفط، فإذا بها تجد نفسها مرة أخرى محاصرة بأصوات المدافع، وكأن قدر هذه المنطقة أن تظل رهينة صراعات الآخرين، إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا هذا الحشد العسكري الهائل في منطقة لم تكن يومًا مشروع حرب، بل مشروع استقرار؟
فدول الخليج، منذ نشأتها الحديثة، لم تقدم نفسها باعتبارها قوة تبحث عن التوسع، ولا باعتبارها دولة تصدر الثورات أو الأيديولوجيات، وإنما قدمت نموذجًا مختلفًا يقوم على التنمية والانفتاح والشراكات الاقتصادية وصناعة المستقبل.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن هذه المنطقة، التي أصبحت اليوم إحدى أهم قاطرات الاقتصاد العالمي، لم تبن مكانتها بالسلاح، وإنما بالاستثمار، والتعليم، والطاقة، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء الثقة مع العالم، لقد تحولت الرياض وأبوظبي والدوحة والمنامة والكويت ومسقط إلى مراكز مالية واستثمارية وسياحية وثقافية تستقطب العقول ورؤوس الأموال، بينما لا يزال البعض يصر على إعادة المنطقة كلها إلى زمن الخنادق، إن المفارقة المؤلمة أن العالم كله يحتفي اليوم بلغة التنمية المستدامة، بينما تتحدث المدافع بلغة القرن الماضي، فأي منطق يسمح بتحويل منطقة تمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية إلى مسرح مفتوح للأساطيل العسكرية؟
وأي حكمة تقبل بأن يصبح الخليج، الذي يمد الاقتصاد العالمي بالحياة، ساحة لاستعراض القوة؟.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت كتب قبل أكثر من قرنين كتابه الشهير «السلام الدائم»، مؤكدًا أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتوازن الرعب، وإنما بتوازن المصالح، ولو عاد كانت اليوم لرأى أن العالم ما زال يكرر الأخطاء ذاتها، ويستبدل الحوار بحاملات الطائرات، والدبلوماسية بالاستعراض العسكري، الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن التنمية ليست مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل هي مشروع أخلاقي أيضًا، فالمدن لا تزدهر في ظل صفارات الإنذار، والجامعات لا تنتج المعرفة تحت أصوات القصف، والاستثمار بطبيعته يهرب من الخوف، ورأس المال لا يعرف العواطف؛ إنه يبحث دائمًا عن الاستقرار، ولهذا فإن أول ضحايا أي حرب ليست الجيوش، وإنما الاقتصاد، وأول الخاسرين ليس الجنرالات، وإنما المواطن العادي.
حين تتصاعد التوترات في الخليج، لا ترتفع فقط أسعار النفط، بل ترتفع معها تكلفة الغذاء، والشحن، والتأمين، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع في مختلف أنحاء العالم، ولذلك فإن أمن الخليج لم يعد قضية خليجية، بل أصبح قضية دولية بامتياز، إن العالم الذي يعتمد على استقرار هذه المنطقة لا يملك رفاهية التعامل مع أزماتها باعتبارها أحداثًا إقليمية عابرة، ولذلك فإن حماية الخليج ليست مجاملة سياسية، وإنما ضرورة اقتصادية وإنسانية، وليس من قبيل المبالغة القول إن كل سفينة تعبر مياه الخليج أو مضيق هرمز أو باب المندب تحمل معها جزءًا من استقرار الاقتصاد العالمي، ومن هنا تبدو المفارقة أكثر قسوة، فبدلًا من حماية هذه الشرايين البحرية من التوتر، تتزاحم فيها الأساطيل العسكرية، وكأن العالم يختبر أعصابه فوق أكثر ممراته حساسية.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي بقرار، فالذين يشعلونها لا يملكون دائمًا إطفاءها، والرصاصة الأولى يعرف الجميع من أطلقها، فكم من إمبراطوريات ظنت أن القوة العسكرية وحدها تغنيها عن كل أسباب البقاء، ثم اكتشفت بعد فوات الأوان، أن القوة الاقتصادية أطول عمرًا، وأن الحضارات لا تُخلَّد بانتصارات الجيوش، وإنما بما تهديه للإنسان من علمٍ وعمرانٍ وقيم، لقد تغير العالم، لقد أصبح فيه النفوذ يقاس بالجامعات أكثر من القواعد العسكرية، وبعدد براءات الاختراع أكثر من عدد الصواريخ، وبالذكاء الاصطناعي أكثر من الذخيرة التقليدية، وبالاقتصاد الرقمي أكثر من الأساطيل، لكن بعض القوى ما زالت تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره رقعة شطرنج قديمة، بينما تغيرت قواعد اللعبة كلها.
إن الخليج اليوم لا يريد أن يكون ساحة صراع بين القوى الكبرى، بل يريد أن يكون منصة تعاون بينها، ولا يريد أن يكون خندقًا متقدمًا لحروب الآخرين، بل جسرًا يصل بين الشرق والغرب، وهذه ليست أمنية شاعر او مصلح او فيلسوف، وإنما مصلحة كل الإنسانية كل العالم، لقد اختارت دول الخليج طريقًا واضحًا، طريق الرؤى الوطنية الطموحة، والتنويع الاقتصادي، والاستثمار في الإنسان، والاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، والمدن الذكية، والطاقة النظيفة، والسياحة، والثقافة، والابتكار، وهذا المشروع الحضاري يستحق أن يُحمى لا أن يُحاصر، فمن الظلم أن تُجبر شعوب بنت مستقبلها بالحلم والعمل على أن تعيش قلقًا دائمًا بسبب حسابات لا علاقة لها بمصالحها، إن أكثر ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم ليس سباقًا جديدًا للتسلح، وإنما سباقًا نحو التنمية؛ فالحرب، مهما طال أمدها، ستنتهي، أما التنمية فإنها حين تبدأ تصنع سلامًا راسخً، ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب العالم هو أن يعتاد مشاهد الحروب، حتى تصبح أخبار القصف مجرد أرقام في نشرات الأخبار، فالاعتياد على المأساة هو بداية سقوط الضمير الإنساني، إن الشعوب لا تطلب المستحيل، إنها تريد أن تعمل، وأن تتعلم، وأن تستثمر، وأن تبني مستقبل أبنائها بعيدًا عن القلق، وهذا حق طبيعي تكفله جميع الشرائع والقوانين.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق دول المنطقة وحدها، بل على المجتمع الدولي بأسره، فإذا كان العالم قد اتفق على حماية البيئة لأنها إرث إنساني مشترك، أفلا يستحق السلام أيضًا أن يكون إرثًا إنسانيًا مشتركًا؟
وإذا كانت البشرية قد نجحت في بناء تحالفات لمواجهة الأوبئة والكوارث الطبيعية، فلماذا تعجز عن بناء إرادة سياسية تمنع الحروب قبل وقوعها؟
إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من حاملات الطائرات.، بل إلى مزيد من طاولات الحوار، ولا تحتاج إلى مزيد من القواعد العسكرية، بل إلى مزيد من الجامعات ومراكز البحث، ولا تحتاج إلى سباق للصواريخ، بل إلى سباق في الابتكار، لقد تعب الشرق الأوسط من أن يكون عنوانًا دائمًا للأزمات، وتعب الخليج من أن يُنظر إليه بوصفه خزانًا للطاقة فقط، بينما هو في الحقيقة خزان للأمل أيضًا.
لقد آن الأوان لأن يُترك الخليج يعمل، أن يُترك يبني، أن يُترك يستثمر، أن يُترك يكتب فصله الجديد بعيدًا عن لغة النار، فالتاريخ لا يخلد الذين أشعلوا الحروب، بل يخلد الذين أوقفوها، ولا يذكر الذين حشدوا الجيوش، بقدر ما يحتفي بمن منحوا شعوبهم فرصة للحياة وللنماء والاستقرار، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسمعه العالم كله، قبل أن يسمع دوي أي انفجار جديد: ألم يأن لهذه الحرب المجنونة أن تتوقف؟، اتركوا الخليج يعود إلى هدوئه وأمنه... واتركوا الشرق الأوسط يواصل كتابة قصته الحقيقية؛ قصة التنمية، لا قصة الدمار.