مرفت بخاري
لا تنهار البيوت لأن المشكلات تزورها، وإنما لأنها تُخطئ في تحديد خصمها، نحتمي في خندقٍ خاطئ، فيهدم علينا، ففي كل خلاف بين الزوجين، يبحث الإنسان عن خندقٍ يظن أنه سيحميه، غير أن الخطر لا يكمن في وجود المعركة، بل في اختيار موقع الوقوف، فكثيرًا ما نوجّه أسلحتنا نحو أقرب الناس إلينا، بينما تقف المشكلة بعيدًا، تراقبنا في صمت، وقد أوكلت إلينا مهمة الهدم نيابة عنها.
فالخصم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون أقوى منا، يكفي أن ينجح في إقناعنا بأننا أصبحنا أعداءً لبعضنا، وهكذا، ما إن تلوح أول أزمة زوجية في الأفق، حتى يغادر الزوجان الخندق الواحد إلى خندقين متقابلين، ويتحول كل منهما من شريك يحمل هم العلاقة إلى خصم يسعى لإثبات براءته، لم تعد القضية كيف نعبر هذه المرحلة، بل كيف يخرج أحدنا منها منتصرًا، ومن هنا تبدأ الخسارة الأولى.
فالمشكلة لم تكن يومًا الزوج، ولا كانت الزوجة، وإنما ذلك الظرف الذي طرق الباب دون استئذان، يحمل معه اختبارًا جديدًا للعلاقة، غير أن كثيرًا من الأزواج يمنحون المشكلة ما لم تكن تملكه أصلًا، فيجعلونها حكمًا بينهما، ثم يمنحون أنفسهم دور الادعاء والدفاع، فتضيع القضية الأصلية وسط تراكم الاتهامات، ويصبح البحث عن المخطئ أهم من البحث عن المخرج.
إن الزواج لا يقوم على غياب الأزمات، وإنما على حسن إدارتها، فالحياة بطبيعتها لا تخلو من التعثرات، وقد تأتي الأزمة في صورة ضيق مالي، أو ضغط نفسي، أو تدخل من الآخرين، أو اختلاف في الطباع، أو سوء فهم عابر.
لكن البيوت لا تتمايز بعدد ما تواجهه من أزمات، بل بالطريقة التي تواجه بها تلك الأزمات.
المؤسف أن أول ما يسقط أثناء الخلاف هو الهدف الذي قامت عليه العلاقة، فبدل أن يبقى الحب والعشرة هما البوصلة، يصبح إثبات الصواب هو الغاية، وكلما ارتفع صوت الأدلة، انخفض صوت المودة، وكلما انشغل كل طرف بإثبات سلامة موقفه، ابتعدا معًا عن حماية البيت الذي جمعهما.
ولعل أكثر ما يستحق المراجعة هو الاعتقاد بأن الاعتذار هزيمة، أو أن التراجع عن موقف ما انتقاص من الكرامة، بينما الحقيقة أن النضج لا يقاس بعدد المعارك التي نكسبها، بل بعدد العلاقات التي نحافظ عليها دون أن نفقد احترامنا لأنفسنا أو احترامنا لمن نحب، ففي الخندق الواحد لا يفرح الجنود بإصابة رفاقهم، بل بنجاة الموقع كله.
غير أن تحديات العلاقة اليوم لم تعد تقف عند حدود الخلافات اليومية، فالبيوت لم تعد تعيش تفاصيلها وحدها، بل فتحت نوافذها لعالم افتراضي لا يتوقف عن إعادة تشكيل توقعات الأزواج، ومع كل يوم يولد نموذج جديد، وصورة جديدة، ومعيار جديد لما يُفترض أن تكون عليه الحياة الزوجية.
شيئًا فشيئًا، لم تعد المناسبات تُقاس بصدقها، بل بطريقة عرضها، وأصبح الفرح يُصنع أحيانًا للكاميرا قبل أن يُعاش داخل البيت، وصارت لحظات كان يكفيها الدفء والخصوصية، تُقاس بحجم الإبهار، حتى أصبح بعض الأزواج يقيس نجاح حياته بما يمر أمام عينيه على الشاشة، لا بما يسكن قلبه في واقعه.
وهنا يفقد الزواج إحدى أهم ركائزه، حين تنتقل مرجعيته من الداخل إلى الخارج.
فبدل أن يسأل الزوجان ماذا يناسب حياتنا؟
يصبح السؤال ماذا يفعل الآخرون؟
وبدل أن تُبنى القرارات على احتياجات الأسرة، تُبنى على موجات متلاحقة من المقارنات، لا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ أخرى.
ولا يعني ذلك أن كل جديد مرفوض، أو أن وسائل التواصل مسؤولة عن كل ما يحدث، فالتقنية في ذاتها ليست خصمًا، وإنما تصبح كذلك حين تتحول إلى المرجع الأول في تقييم العلاقات، وحين تُقنعنا أن سعادتنا ينبغي أن تشبه سعادة الآخرين، وأن بيوتنا لا تكتمل إلا إذا عاشت المشاهد ذاتها التي نراها على الشاشات، وربما آن الأوان لأن نستعيد سؤالًا بسيطًا، لكنه بالغ الأثر، عندما تطرق الأزمة باب البيت، هل نقف في وجه بعضنا، أم نقف معًا في وجهها؟
إن الفرق بين البيوت التي تصمد، والبيوت التي تستنزفها الخلافات، ليس في غياب المشكلات، بل في قدرتها على اختيار الخندق الصحيح، فهناك من يرى في كل أزمة خصمًا جديدًا اسمه الزوج أو الزوجة، وهناك من يدرك أن الخصم الحقيقي هو كل ما يحاول أن ينتزع السكينة من بيته، وأن الحب الذي جمعهما أول مرة، والعشرة التي امتدت بينهما، أكبر من أن تُعلَّق على نتيجة خلاف عابر.
كل بيت سيزوره خلاف، كما تزوره الأفراح، لكن البيوت الحكيمة لا تسأل من المنتصر؟
بل تسأل هل خرجت المودة سالمة من هذه المعركة؟
فإن كانت الإجابة نعم، فقد انتصر الجميع، وإن خرجت مثقلة بالجراح، فلن يشفع لأحد أنه كان على صواب، ففي كل أزمة، لا يكون السؤال الحقيقي من يقف في الجهة الأخرى؟
بل، هل اخترنا الخندق الصحيح، أم الخندق الخطأ الذي لا يلبث أن ينهار علينا عند أول مواجهة؟
البيوت أوطانٌ صغيرة، وما الأزمات إلا غبارٌ يعبرها، فلا تجعلوا الغبار يهدم ما شيده الحب عبر السنين، واحرسوا خنادقكم كما تحرسون قلوبكم، فليس في الحياة ما يستحق أن نخسر من أجله هذا الوطن الذي رفعنا أعمدته بالحب والوفاء، وزيّناه بالمودة، وأوينا إليه كلما أثقلتنا الحياة.