د.شريف بن محمد الأتربي
منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الطفل عينيه على الحياة تبدأ رحلته التعليمية، فالتعليم ليس مقعدًا دراسيًّا، ولا حقيبة مدرسية، ولا جرسًا يعلن بداية الحصة الأولى، بل هو عملية إنسانية مستمرة تبدأ منذ الميلاد، يكتسب خلالها الطفل المعرفة، ويتعلم المهارة، ويشكل سلوكه، ويبني شخصيته من خلال الأسرة، والمجتمع، والبيئة، ثم المدرسة، وصولًا إلى الجامعة وسوق العمل.
إن كل موقف يمر به الطفل يترك أثرًا في شخصيته، وكل تجربة يخوضها تضيف لبنة جديدة في بناء مستقبله، ولذلك يؤكد علماء التربية وعلم النفس أن السنوات الأولى من عمر الإنسان هي الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصيته وقدراته، وأن ما يُبنى خلالها يظل حاضرًا في المراحل اللاحقة ما لم تطرأ ظروف استثنائية تغير هذا المسار.
ورغم هذا الإدراك العلمي، فإننا ما زلنا نتعامل مع الطالب في كل مرحلة تعليمية وكأنه يبدأ من الصفر، فينتقل من روضة إلى مدرسة، ومن مدرسة إلى أخرى، ثم إلى الجامعة، دون أن تنتقل معه الصورة الكاملة التي تعكس شخصيته، وميوله، ومواهبه، ونقاط قوته، والتحديات التي واجهها، والمهارات التي اكتسبها، والإنجازات التي حققها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع تربوي جديد أراه من أهم مشاريع تطوير التعليم في المستقبل، وهو «كارت الهوية التعليمية للطالب».
ولا أقصد بذلك بطاقة تعريف تقليدية تتضمن الاسم والرقم الوطني والمدرسة، وإنما ملفًا تعليميًا رقميًّا متكاملًا، يرافق الطالب منذ ولادته وحتى تخرجه، ويتم تحديثه بصورة مستمرة، ليصبح بمثابة السجل الحقيقي لنموه التعليمي والإنساني.
إن هذا الكارت يمكن أن يتضمن مؤشرات متعددة، منها:
القدرات العقلية والمعرفية.
أنماط التعلم المفضلة.
الذكاءات المتعددة.
الميول المهنية.
المهارات الشخصية والاجتماعية.
المواهب والإبداعات.
مستوى اللياقة الصحية والنفسية.
الإنجازات والمبادرات والتطوع.
نتائج القياسات الوطنية والدولية.
خطط التطوير الفردية.
التقارير التربوية المتراكمة.
وبذلك يصبح لدى كل معلم، أو مرشد طلابي، أو قائد مدرسة، أو ولي أمر، صورة متكاملة عن الطالب، تساعدهم على اختيار أفضل أساليب التعامل معه، بدلاً من الاعتماد على الانطباعات الشخصية أو نتائج الاختبارات الفصلية فقط.
والأهم من ذلك أن الطالب نفسه سيكون المستفيد الأكبر، لأنه سيتعرف على ذاته بصورة علمية، ويكتشف مواطن قوته قبل أن يكتشف نقاط ضعفه، ويحدد ميوله الحقيقية، ويستطيع أن يتخذ قراراته المستقبلية بناءً على بيانات واقعية، لا على اجتهادات أو ضغوط اجتماعية.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن بناء ملف تعليمي تراكمي للطالب يسهم في رفع جودة التعليم وتحسين مخرجاته. ففي فنلندا تُبنى الخطط التعليمية الفردية وفق متابعة مستمرة لنمو الطالب، وليس اعتمادًا على الاختبارات النهائية فقط. وفي سنغافورة يُوثَّق تطور المتعلم بصورة شاملة، بما يشمل الجوانب الأكاديمية والمهارية والشخصية، بينما تعتمد بعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية أنظمة «ملف الإنجاز الإلكتروني (e-Portfolio)» الذي ينتقل مع الطالب بين المراحل التعليمية، ويعرض إنجازاته ومهاراته ومشروعاته، ويساعد في توجيهه أكاديميًّا ومهنيًّا.
أما في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن تطبيق كارت الهوية التعليمية أصبح أكثر سهولة من أي وقت مضى. فالمنصات التعليمية الوطنية تمتلك بالفعل كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالطالب، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واستخراج مؤشرات دقيقة حول أسلوب تعلمه، ومستوى تقدمه، ومواطن التميز لديه، بل وحتى التنبؤ بالتحديات التي قد تواجهه مستقبلًا، واقتراح تدخلات مبكرة لمعالجتها.
كما يمكن أن يشكل هذا الكارت حلقة وصل بين المدرسة والجامعة وسوق العمل، بحيث لا يبدأ كل طرف من نقطة الصفر، بل يستفيد من التاريخ التعليمي الكامل للطالب، مما يرفع من كفاءة الإرشاد الأكاديمي، ويحسن قرارات القبول الجامعي، ويعزز فرص التوظيف وفق القدرات الحقيقية لكل فرد.
ولا يقتصر أثر هذا المشروع على الطالب وحده، بل يمتد إلى صانع القرار التعليمي، إذ يوفر قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد في التخطيط للتخصصات المستقبلية، ورصد المواهب، وتوجيه الاستثمارات التعليمية، وقياس أثر البرامج والمبادرات بصورة أكثر دقة.
إن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 جعلت الاستثمار في الإنسان محورًا رئيسًا للتنمية، وأكدت أن بناء رأس المال البشري يبدأ بالتعليم النوعي، وهذا المشروع ينسجم بصورة مباشرة مع هذه الرؤية، لأنه يجعل الطالب محور العملية التعليمية، ويحول البيانات إلى قرارات، والقياس إلى تطوير، والتعليم إلى رحلة مستمرة لبناء الإنسان.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كم حصل الطالب في الاختبار؟ إلى سؤال أكثر عمقًا وهو: من هو هذا الطالب؟ وما الذي يستطيع أن يقدمه للمستقبل؟
إن كارت الهوية التعليمية ليس مجرد وثيقة رقمية، بل هو مشروع وطني لصناعة الإنسان، ومنصة معرفية ترافق المتعلم طوال حياته، وتمنحه الفرصة لأن يعرف نفسه أولًا، ثم يعرفه الآخرون كما هو، لا كما تظهره درجات الاختبارات وحدها.
فالطالب ليس رقمًا في سجل، ولا معدلًا في شهادة، بل قصة تنمو يومًا بعد يوم، وإذا استطعنا أن نوثق هذه القصة ونفهمها ونستثمرها، فإننا نكون قد وضعنا حجر الأساس لتعليم أكثر إنصافًا، وأكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.
ولكي يتحول كارت الهوية التعليمية إلى مشروع وطني موثوق ومستدام، فلا بد أن يستند إلى منظومة حوكمة بيانات متكاملة، توازن بين الاستفادة من البيانات في تحسين التعليم، وحماية حق الطالب وأسرته في الخصوصية والعدالة. ويشمل ذلك وضع تشريعات واضحة لجمع البيانات ومعالجتها ومشاركتها، وتحديد مستويات الصلاحية بين المدرسة والجامعة والجهات ذات العلاقة، وضمان الشفافية في استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ومنع أي استخدام للبيانات يؤدي إلى التمييز أو الوصم أو الحد من فرص الطالب المستقبلية. فالمقصود من هذا الكارت أن يكون أداة تمكين، لا وسيلة حكم نهائي على قدرات الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإنني أدعو وزارة التعليم إلى العمل على تبني هذا المشروع وتحويله من فكرة إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ، يواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل، ويستفيد من كارت الهوية التعليمية للطالب في ربط التعليم بالمهارات المستقبلية والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني. كما أدعو إلى إشراك القطاع الخاص بوصفه شريكًا رئيسيًّا في هذا التحول، ليس فقط بصفته جهة مستفيدة من مخرجات التعليم، بل باعتباره طرفًا قادرًا على تحديد المهارات المطلوبة، واستشراف الوظائف المستقبلية، والمساهمة في تصميم المسارات التدريبية والمهنية التي يحتاجها الطلاب منذ وقت مبكر. فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والمهن تتبدل، والمهارات المطلوبة تتطور، ولم يعد كافيًا أن نُعد الطالب لاجتياز مرحلة دراسية فحسب، بل يجب أن نُعده لحياة مهنية متغيرة، وفرص عمل جديدة، ومجالات لم تكن موجودة من قبل. إن الإسراع في بناء هذا الكارت، بالشراكة بين وزارة التعليم والقطاع الخاص، سيمنح صانع القرار التعليمي أداة استراتيجية لاكتشاف المواهب مبكرًا، وتوجيه الطلاب نحو المسارات الأنسب لقدراتهم، وردم الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، بما يعزز تنافسية الإنسان السعودي، ويجعل التعليم أكثر قدرة على صناعة المستقبل لا مجرد الاستجابة له.