د. يحيى جابر
الإعلام أحد أقوى المؤثرات النفسية في الإنسان، حتى إن علماء النفس والاتصال باتوا ينظرون إليه باعتباره قوة قادرة على تشكيل الإدراك، وصناعة الاتجاهات، وتغيير السلوك الفردي والجماعي، والتأثير في القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها، ومن هنا ظهر علم مهم هو «علم النفس الإعلامي»، بوصفه أحد أحدث فروع علم النفس التطبيقي، الذي يدرس العلاقة المتبادلة بين الإنسان ووسائل الإعلام، وكيف تؤثر الرسائل الإعلامية في التفكير والمشاعر والسلوك.
لقد شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولاً جذرياً في بيئة الاتصال، إذ تجاوز الإعلام دوره التقليدي ليصبح بيئة يعيش فيها الإنسان ساعات طويلة يومياً، وتشير نتائج تقرير الأخبار الرقمية لعام 2024 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد «المملكة المتحدة، 17 يونيو 2024»، إلى أن استهلاك الأخبار انتقل بصورة متسارعة نحو المنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة، مع تراجع الاعتماد على الصحف الورقية وازدياد تأثير صناع المحتوى والمؤثرين في تشكيل الرأي العام، كما أظهر التقرير أن 59 % من المشاركين حول العالم يشعرون بالقلق من صعوبة التمييز بين الأخبار الصحيحة والمضللة عبر الإنترنت، «المصدرـ معهد رويترز لدراسة الصحافة – جامعة أكسفورد – المملكة المتحدة – تقرير الأخبار الرقمية 2024».
ولا يقتصر تأثير الإعلام على نقل المعرفة، بل يمتد إلى العمليات النفسية الأساسية، مثل الانتباه والإدراك والذاكرة والانفعال واتخاذ القرار، ولذلك يصف عدد من الباحثين الإعلام بأنه «بوابة العقل»، لأن الإنسان يبني كثيراً من تصوراته عن العالم من خلال ما يشاهده ويسمعه أكثر مما يعيشه بنفسه.
ويؤكد علماء الاتصال أن الرسائل الإعلامية لا تؤثر في جميع الناس بالطريقة نفسها، وإنما تختلف تبعاً للعمر، والتعليم، والثقافة، والخبرات السابقة، والبيئة الاجتماعية، ومستوى التفكير النقدي، وهو ما يفسر نجاح الحملات الإعلامية في بعض المجتمعات وفشلها في أخرى، لإعتبارات كثيرة من بينها تطور البلد نفسه والمجتمع من عدمه بنسب متفاوتة، وغير ذلك.
وتُعد نظرية وضع الأجندة من أشهر النظريات التي فسرت هذا التأثير؛ إذ ترى أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس بما يفكرون فيه فقط، بل تحدد أيضاً القضايا التي ينبغي أن يفكروا فيها، من خلال كثافة التغطية وترتيب الأولويات، كما تبرز نظرية الغرس الثقافي التي تؤكد أن التعرض الطويل للمحتوى الإعلامي يؤدي إلى تكوين صورة ذهنية قد تختلف عن الواقع، وهو ما يظهر بوضوح في تأثير الدراما والأفلام والأخبار المتكررة على تصورات الجمهور.
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ميداناً رئيسياً لعلم النفس الإعلامي؛ فخوارزميات المنصات الرقمية لا تعرض المحتوى بصورة عشوائية، وإنما تبنيه وفقاً لاهتمامات المستخدم وسلوكه السابق، بما يزيد من احتمالات بقائه أطول فترة ممكنة أمام الشاشة، ويعزز ما يعرف بـ»فقاعات المعلومات»، حيث يتعرض الفرد لآراء تشبه قناعاته، مما يقلل فرص الحوار مع الآراء المختلفة.
كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ـ اليونسكو، في تقريرها الصادر في 25 أبريل 2024، من أن منصات التواصل الاجتماعي قد تؤثر سلباً في الصحة النفسية، خاصة لدى الفتيات، من خلال تعزيز الصور النمطية، وزيادة التنمر الإلكتروني، وتشتيت الانتباه، والتأثير في الثقة بالنفس، «المصدرــ منظمة اليونسكو – باريس – فرنسا – تقرير 25 أبريل 2024».
ولذلك لم يعد علم النفس الإعلامي يهتم فقط بالأخبار أو البرامج التلفزيونية، بل توسع ليشمل الإعلان، والعلاقات العامة، والدعاية، والحرب النفسية، والإشاعة، والإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى، وحتى تصميم واجهات التطبيقات الرقمية، لأن جميعها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السلوك الإنساني.
وتكشف التجارب الدولية أن التأثير النفسي للإعلام لا يقتصر على أوقات السلم، بل يتضاعف في الأزمات والكوارث والحروب، حيث تتحول المعلومة إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية، وقد أكدت منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أدبياتها الخاصة بالاتصال الإستراتيجي أن المعلومات المضللة وحملات التأثير أصبحت جزءًا من بيئة الصراعات الحديثة، وأن الدول باتت تستثمر في بناء قدرات لمواجهة التضليل وحماية الرأي العام، «المصدرـ مركز الاتصال الإستراتيجي التابع لحلف شمال الأطلسي –ريغا، لاتفيا– تقارير الاتصال الإستراتيجي، 2023– 2024».
ولعل من أبرز تطبيقات علم النفس الإعلامي استخدامه في الحملات الإعلانية، إذ لا تعتمد الشركات العالمية على جودة المنتج وحدها، بل على فهم الدوافع النفسية للمستهلك، فالألوان، والموسيقى، وسرد القصص، وصور الأشخاص، وتكرار الرسائل، وجودة الصورة أو الفيديو، والحركة والخطوط المستخدمة في الكتابة، وقوة الوسيلة التي تنشر المحتوى، وكل جزء بسيط، جميعها أدوات مدروسة تستهدف الانتباه والذاكرة والانفعال، وتشير أبحاث التسويق السلوكي إلى أن القرارات الشرائية تتأثر بدرجة كبيرة بالعوامل العاطفية قبل التحليل المنطقي، وهو ما دفع الشركات إلى توظيف علماء النفس وخبراء السلوك وخبراء الإعلام في تصميم الحملات الإعلانية، «المصدرـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس – الولايات المتحدة – دراسات في علم النفس الاستهلاكي، 2023».
وفي المجال السياسي، أصبح علم النفس الإعلامي ركيزة في إدارة الحملات الانتخابية، وبناء الصورة الذهنية للقادة، والتواصل مع الجمهور، فاختيار الكلمات، ولغة الجسد، وطريقة عرض الرسائل، وتوقيت نشرها، والموسيقى الصوتية للمتحدث، وقراءة حال وفهم الجهة التي ستستقبل الرسالة، وغيرها من تفاصيل نفسية وإعلامية هامة، كلها عناصر تؤثر في إدراك الجمهور وثقته، وقد أظهرت تجارب انتخابية في دول عديدة أن الرسائل المبسطة والمتكررة تكون أكثر قدرة على ترسيخ الانطباعات من الرسائل الطويلة والمعقدة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بإدارة المحتوى الرقمي خلال المواسم الانتخابية.
ومع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي، دخل علم النفس الإعلامي مرحلة جديدة؛ إذ أصبحت الخوارزميات قادرة على تخصيص المحتوى وفق اهتمامات كل مستخدم، مما يزيد من فرص التأثير في آرائه وسلوكه، وفي المقابل، يفرض ذلك تحديات أخلاقية تتعلق بالشفافية، والخصوصية، والقدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المُولَّد آليًا، وقد دعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى وضع أطر أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، بما يحافظ على نزاهة المعلومات وحقوق الجمهور، «المصدرـ منظمة اليونسكو –باريس، فرنسا– إرشادات حوكمة الذكاء الاصطناعي في الإعلام، 2023».
كما يبرز دور علم النفس الإعلامي في مواجهة الشائعات، إذ تؤكد الدراسات أن الشائعة تنتشر بصورة أكبر عندما تتوافر ثلاثة عناصر، هي الغموض، والقلق، وأهمية الموضوع بالنسبة للجمهور، ولذلك فإن سرعة نشر المعلومات الرسمية الدقيقة، والشفافية، والرد المبني على الأدلة، تعد من أكثر الوسائل فاعلية في الحد من انتشار الأخبار المضللة وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
وتزداد أهمية هذا التخصص في ظل مجتمع رقمي يتلقى أفراده كمًا هائلًا من الرسائل يوميًا، وهو ما يجعل تنمية التفكير النقدي، والتربية الإعلامية، والتحقق من المصادر، من أهم المهارات التي ينبغي غرسها لدى الأطفال والشباب، فالمتلقي الواعي أقل عرضة للتأثر بالمحتوى المضلل، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة لا على الانفعال.
وفي العالم العربي، تبرز الحاجة إلى توسيع الدراسات المتخصصة في علم النفس الإعلامي، وربطها بالتطبيقات العملية في المؤسسات الإعلامية، والجامعات، ومراكز البحوث، بما يسهم في إعداد إعلاميين يمتلكون فهمًا علميًا لسيكولوجية الجمهور، وقادرين على إنتاج رسائل إعلامية تعزز الوعي، وتحافظ على الأمن الفكري، وتدعم التنمية.
إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للمنصات الإعلامية فحسب، بل للأقدر على فهم النفس البشرية، فالمعركة الحقيقية لم تعد معركة بث الرسائل، وإنما معركة التأثير في العقول، وبناء الثقة، وتحصين المجتمعات ضد التضليل، ومن هنا فإن علم النفس الإعلامي لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل أصبح علمًا إستراتيجيًا تتقاطع فيه علوم النفس والاتصال والتقنية والأمن، ويشكل أحد أهم مفاتيح فهم الإنسان في العصر الرقمي، إن علم النفس الإعلامي لا ينطلق من دراسة وسائل الإعلام بوصفها أدوات تقنية فحسب، بل ينظر إليها باعتبارها بيئة نفسية واجتماعية تعيد تشكيل الإنسان بصورة مستمرة، فالإنسان المعاصر يقضي جزءًا كبيرًا من يومه أمام الشاشات، يتلقى آلاف الرسائل والصور والمقاطع والإعلانات والأخبار، وهي رسائل لا تمر على العقل مرورًا عابرًا، بل تترك آثارًا تراكمية في التفكير والوجدان والسلوك، ولهذا أصبح الإعلام، كما يصفه كثير من الباحثين، «بوابة العقل»، لأنه المدخل الرئيس الذي تتكون من خلاله الصور الذهنية عن الذات والآخر والعالم.
ولم تعد وسائل الإعلام التقليدية، كالصحف والإذاعة والتلفزيون، وحدها صاحبة التأثير؛ فقد أضافت الثورة الرقمية بعدًا جديدًا جعل الهاتف الذكي منصة إعلامية متكاملة ترافق الإنسان في كل مكان، وتنافس الأسرة والمدرسة والجامعة في تشكيل القيم والاتجاهات، وتشير نتائج تقرير «الرقمي العالمي 2025» الصادر عن مؤسسة «داتا ريبورتال» بالتعاون مع «وي آر سوشيال» و»ميلتووتر» إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا تجاوز 5.5 مليارات مستخدم، أي ما يقارب 67 % من سكان العالم، بينما تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5.2 مليارات مستخدم، بمتوسط استخدام يومي يقارب ساعتين و21 دقيقة، «المصدرـ تقرير الرقمي العالمي 2025 –مؤسسة داتا ريبورتال– بالتعاون مع وي آر سوشيال وميلتووتر –يناير 2025».
وتوضح هذه الأرقام أن الإنسان لم يعد يستهلك الإعلام في أوقات محددة، بل يعيش داخله بصورة دائمة، وهو ما يفسر انتقال علم النفس الإعلامي من دراسة تأثير البرامج التلفزيونية إلى دراسة الخوارزميات، والإشعارات، والفيديوهات القصيرة، والذكاء الاصطناعي، والإعلانات الموجهة، وصناعة المؤثرين.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح صانعًا له في كثير من الأحيان، فالطريقة التي تُعرض بها الأخبار، وترتيبها، وتكرارها، وانتقاء مفرداتها، كلها عوامل تؤثر في إدراك الجمهور للأحداث، فقد يشعر المجتمع بأن جريمة معينة منتشرة بسبب كثافة التغطية الإعلامية لها، رغم أن الإحصاءات الرسمية قد تشير إلى انخفاضها، وهو ما يفسره علماء النفس الإعلامي بظاهرة «الإتاحة الذهنية»؛ إذ يميل الإنسان إلى تقدير احتمال وقوع الأحداث بحسب سهولة استدعائها من ذاكرته.
ومن أخطر مجالات علم النفس الإعلامي الحرب النفسية، التي أصبحت ركيزة في الصراعات الحديثة، فقبل استخدام السلاح العسكري، تُستخدم الرسائل الإعلامية لإضعاف الروح المعنوية، وبث الخوف، وزعزعة الثقة بالمؤسسات، وإثارة الانقسامات داخل المجتمع، وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المعلومات المضللة خلال النزاعات قد تعرض المدنيين للخطر وتؤثر في سلامتهم، مما يجعل إدارة المعلومات جزءًا من الأمن الإنساني. «المصدرـ اللجنة الدولية للصليب الأحمر –جنيف، سويسرا– تقارير حول المعلومات المضللة والنزاعات، 2024».
ولذلك لم يعد الأمن الوطني يعتمد على القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بامتلاك إعلام مهني قادر على بناء الوعي المجتمعي، ومواجهة الشائعات، وتقديم المعلومات الدقيقة بسرعة وشفافية، فالمعلومة الصحيحة في الوقت المناسب قد تكون أكثر تأثيرًا من آلاف الرسائل المتأخرة، وهو ما أثبتته تجارب دول عديدة في إدارة الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية والأحداث الأمنية.
كما أن علم النفس الإعلامي يفسر لماذا تنتشر بعض الشائعات بسرعة هائلة، بينما تختفي أخرى خلال ساعات، فكلما ارتبطت الرسالة بالخوف أو الغضب أو المفاجأة، زادت احتمالات مشاركتها بين الناس، حتى قبل التحقق من صحتها، ولهذا أصبحت التربية الإعلامية، وتعليم مهارات التحقق من المصادر، من أهم أدوات حماية المجتمعات في العصر الرقمي، لأنها تمنح الفرد القدرة على التفكير النقدي، وتحد من الانسياق وراء التضليل وصناعة الوهم، وهكذا، فإن علم النفس الإعلامي لم يعد علمًا نظريًا يدرّس في الجامعات فقط، بل أصبح علمًا حاضرًا في كل هاتف ذكي، وكل منصة رقمية، وكل غرفة أخبار، وكل حملة إعلامية أو إعلانية، إنه العلم الذي يفسر كيف تُصنع القناعات، وكيف تتشكل الاتجاهات، وكيف يمكن للإعلام أن يكون قوة لبناء الإنسان والوطن، أو وسيلة لهدم القيم وزعزعة الاستقرار إذا غابت المهنية والأخلاق والمسؤولية.
تشير البحوث العلمية إلى أن علم النفس الإعلامي لم يعد مجرد إطار نظري لفهم العلاقة بين الإنسان ووسائل الإعلام، بل أصبح من أكثر التخصصات تأثيرًا في تفسير السلوك الإنساني في العصر الرقمي، فقد أثبتت الدراسات أن الرسائل الإعلامية لا تكتفي بنقل المعلومات، وإنما تعيد تشكيل الإدراك والانفعالات والاتجاهات والقرارات اليومية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التعرض المستمر للأخبار السلبية والكوارث والنزاعات والأزمات الصحية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر واضطرابات النوم، خاصة لدى الأفراد الذين يتابعون الأخبار بصورة مكثفة ولساعات طويلة، وهو ما دفع المنظمة إلى تضمين إدارة التعرض الإعلامي ضمن توصياتها المتعلقة بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية – جنيف، سويسرا – إرشادات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، 2022 –2024».
وفي السياق نفسه، أوضحت الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن التعرض المتكرر للمشاهد العنيفة والأخبار الصادمة قد يؤدي إلى ما يعرف بـ«الإجهاد الناتج عن الوسائط الإعلامية»، حيث يشعر المتلقي بضغط نفسي واستنزاف عاطفي رغم أنه لم يعش الحدث بصورة مباشرة، وهو ما يفسر تزايد الدعوات إلى تنظيم استهلاك الأخبار خلال الأزمات، «المصدر: الجمعية الأمريكية لعلم النفس –الولايات المتحدة– دراسات الصحة النفسية والإعلام، 2023».
ومن أخطر ما توصلت إليه البحوث في هذا المجال الدراسة الشهيرة التي أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمنشورة في مجلة ساينس عام 2018، والتي أثبتت أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة وانتشار يفوق الأخبار الصحيحة، وأنها تصل إلى أعداد أكبر من المستخدمين لأنها تعتمد على عنصر المفاجأة والإثارة والانفعال، وهي عوامل يتفاعل معها الدماغ البشري بصورة أسرع من المعلومات التقليدية، «المصدرـ مجلة ساينس –الولايات المتحدة– 8 مارس 2018».
كما توصل عالم النفس الاجتماعي روبرت زايونتس إلى نظرية «التعرض المتكرر»، التي أثبتت أن مجرد تكرار مشاهدة شخص أو فكرة أو شعار أو علامة تجارية يزيد من درجة تقبلها نفسيًا حتى دون وجود مبررات عقلانية، وهو المبدأ الذي تعتمد عليه الحملات الإعلانية والسياسية والإعلامية في أنحاء العالم، «المصدرـ مجلة علم النفس الشخصي والاجتماعي –الولايات المتحدة– 1968، وأكدته دراسات لاحقة».
وقدمت جائحة كوفيد-19 مثالًا عمليًا على أهمية علم النفس الإعلامي، إذ أعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالم لم يكن يواجه وباءً صحيًا فقط، بل كان يواجه أيضًا «وباءً معلوماتيًا» تمثل في الانتشار السريع للشائعات والمعلومات الطبية المضللة، الأمر الذي دفع الحكومات ووسائل الإعلام إلى تكثيف حملات التوعية وتصحيح المعلومات لحماية الصحة العامة، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية – جنيف، سويسرا – 2020 –2022».
وفي الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تقتصر على الميدان العسكري، بل أصبحت المعركة الإعلامية والنفسية عنصرًا رئيسيًا في إدارة الصراع، فقد أوضح مركز الاتصال الإستراتيجي التابع لحلف شمال الأطلسي «الناتو» أن المعلومات المضللة، والحملات الإعلامية المنظمة، والفيديوهات المفبركة، أصبحت أدوات تستخدم للتأثير في الروح المعنوية، وزعزعة الثقة بالمؤسسات، والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي، وهو ما جعل الأمن الإعلامي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني، «المصدرـ مركز الاتصال الإستراتيجي – حلف شمال الأطلسي –ريغا، لاتفيا – تقارير 2023 –2024».
وتؤكد هذه النتائج مجتمعة أن علم النفس الإعلامي لم يعد يقتصر على دراسة الجمهور، بل أصبح علمًا إستراتيجيًا يفسر كيف تُصنع القناعات، وكيف تُوجَّه السلوكيات، وكيف يمكن للإعلام أن يكون أداة لبناء الإنسان وتعزيز وعيه، أو وسيلة للتضليل وإثارة الخوف وصناعة الانقسام إذا غابت المهنية والضوابط الأخلاقية.
أخيراً: لابد أن نقرأ ونثقف أنفسنا بهذه العلوم، وأن يتم تطوير مفاهيمنا، ونعرف كل يبث ويصدر لنا، كذلك من الأهمية بمكان، تطوير وسائل الاعلام العربي بمختلف مساراتها، ووضع هذه العلوم في الحسبان.