د. علي بن عالي السعدوني
ليست المجتمعات العظيمة هي التي تتباهى بكثرة مظاهرها الاحتفالية، ولا التي تربط قيمة الإنسان بما ينفقه في ليلة واحدة قد تنقضي ساعاتها بينما تبقى آثارها المالية والنفسية ملازمةً له سنواتٍ طويلة تثقل كاهله بالديون والالتزامات وتؤخر قدرته على بناء حياة أسرية مستقرة يسودها الاطمئنان والسكينة والقدرة على التخطيط للمستقبل بعيدًا عن الضغوط التي يصنعها المجتمع أكثر مما تفرضها متطلبات الزواج الحقيقية، وإنما المجتمعات العظيمة هي التي تمتلك شجاعة مراجعة عاداتها كلما أصبحت تلك العادات سببًا في تعقيد الحياة وإرهاق الشباب وتعطيل مصالحهم.
فإن المبادرة التي تبنتها قبيلة الجلاعيد لتنظيم تكاليف الزواج، والتي جاءت بعد قراءةٍ واعيةٍ لما وصلت إليه بعض الممارسات الاجتماعية من مبالغة في الولائم والزينة والهدايا ومظاهر الاحتفال التي تحولت مع مرور الزمن من وسائل لإظهار الفرح المشروع إلى التزامات اجتماعية يثقل حملها على الشباب المقبلين على الزواج حتى أصبح بعضهم يؤجل مشروع تكوين الأسرة سنواتٍ طويلة انتظارًا لقدرة مالية قد لا تتحقق أصلًا، تمثل نموذجًا راقيًا في التفكير المسؤول الذي يوازن بين المحافظة على قيم المجتمع وبين مراعاة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الناس.
إن هذا القرار لا يعبر عن رغبة في تقليل مظاهر الفرح، ولا يهدف إلى إلغاء العادات الجميلة التي تعزز المحبة بين الناس وتقوي أواصر التواصل الاجتماعي وتمنح المناسبات طابعها الإنساني الأصيل الذي اعتادت عليه المجتمعات عبر الأجيال، وإنما جاء ليعيد ترتيب الأولويات بصورة تجعل الزواج وسيلةً لبناء أسرة مستقرة لا مناسبةً للتنافس في حجم الإنفاق والتفاخر بالمظاهر التي لا تضيف إلى نجاح الحياة الزوجية شيئًا بقدر ما تضيف إليها أعباءً ماليةً وضغوطًا نفسيةً تستمر آثارها بعد انتهاء الاحتفال بوقت طويل.
كما أن هذه المبادرة تكشف عن مستوى رفيع من الوعي الفكري القائم على إدراك أن الإصلاح الاجتماعي الحقيقي لا يبدأ بإلقاء الخطب الرنانة ولا بإصدار الأمنيات التي تتردد في المجالس دون أثرٍ عملي، وإنما يبدأ عندما يمتلك قادة المجتمع الجرأة في اتخاذ قرارات واقعية تراعي مصالح الناس، وتعالج جذور المشكلات، وتعيد تشكيل الثقافة المجتمعية بصورة تجعل العقل والحكمة يتقدمان على العادة إذا أصبحت العادة سببًا في المشقة والضرر وتعطيل المصالح العامة.
وحين يتفق أفراد المجتمع على مثل هذه المبادرات فإنهم لا يخففون الأعباء عن الشباب المقبلين على الزواج فحسب، وإنما يسهمون في بناء بيئة اجتماعية أكثر استقرارًا وتوازنًا تقوم على التعاون والتكافل والشعور بالمسؤولية الجماعية، وتمنح الأجيال الجديدة رسالةً واضحة مفادها أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يقدمه من مظاهر استعراضية مؤقتة، وإنما بما يؤسسه من أسرة صالحة، وما يغرسه من قيم الاعتدال، وما يقدمه من نموذج عملي في ترشيد الإنفاق وحسن إدارة الموارد واحترام الظروف الاقتصادية للآخرين دون إحراج أو تكلف أو مبالغة.
فإن مبادرة قبيلة الجلاعيد ليست مجرد تنظيم لإقامة حفلات الزواج بل تمثل تحولًا ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا يؤكد أن المجتمعات الواعية هي التي تمتلك القدرة على مراجعة موروثها الاجتماعي بعين الحكمة، فتحتفظ بما يعزز التماسك والمحبة، وتتخلى عما أصبح يشكل عبئًا على أبنائها، وتقدم للأجيال القادمة نموذجًا حضاريًا يؤمن بأن تيسير الزواج، وتخفيف أعبائه، وحماية الشباب من الديون، والمحافظة على كرامتهم، وتمكينهم من بناء أسر مستقرة ومنتجة هو الاستثمار الحقيقي الذي ينعكس أثره على المجتمع بأكمله لعقود طويلة، ويصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا من أي مظهر احتفالي زائل مهما بلغت تكلفته أو اتسع بريقه.