عبدالرحمن الحضري
يقول الشاعر المحيط فرحان بن قيران العنزي في نبرة يحاصرها الحنين:
الله على بيتٍ لنا خابره طين
في حارةٍ مادنّس الغدر ماها
الله على ذيك الغرف واللياوين
محلا برودتها ومحلا دفاها
الله على جيران ابوي القديمين
ذيك الوجيه اللي كثير حلاها
الله على جيران ابوي العزيزين
اللي على الصاحب قليلٍ جفاها
وراء هذا الحنين الجارف لتلك الأيام وجيرانها، قصة تحول اجتماعي وعمراني ضخم غيّر وجه المدن، وبدّل ملامح الحارات القديمة التي كانت تجمعهم.
بدأت فصول هذا التحول حين تأسس صندوق التنمية العقارية في المملكة عام 1975م برأس مال قدره 250 مليون ريال، وتضاعفت ميزانيته عبر العقود حتى أصبح من أهم ممكّنات قطاع الإسكان، وداعمًا أساسيًا للمواطنين في تملك مساكنهم، وتأسيس حياة جديدة، نقلتهم من بساطة بيوت الطين وشظف البادية إلى الاستقرار ورحابة البناء.
تفاوتت قيمة القروض بين المحافظات بحسب تصنيفها؛ ففي مدينة عرعر - على سبيل المثال - كانت قيمة القرض 300 ألف ريال، وتقل بقليل في باقي محافظات الحدود الشمالية، وقس على ذلك.
في تلك الحقبة التي عُرفت بـ «الطفرة» تحولت المملكة إلى ورشة عمل ضخمة، وتوافدت إلى بلادنا عمالة من دول عربية وآسيوية عديدة.
حينها كانت عرعر مدينة هادئة حالمة تتكون بالكامل من حيين فقط هما: المحمدية والخالدية، وكانت البيوت مبنية من الطين واللِّبن أو «الطابوق» على الطراز الشعبي القديم، بينما استقرت داخل حدود المحمدية مساكن شركة «التابلاين» الأحدث والتي سُميت عُرفًا بـ «حارة الشركة»
أما خارج حدود هذين الحيين، فكانت تتناثر بيوت الشعر التي تقطنها البادية. ولم يدم هذا المشهد طويلاً؛ فمع بدء تدفق القروض العقارية، منحتهم الدولة أراضيَ إلى جانبها، واستحدثت أحياء جديدة خصيصًا لاستيعابهم، فبدأوا يتخلون عن حياة البادية شيئًا فشيئًا ليندمجوا في الحياة المدنية.
وفي الوقت ذاته، أحدثت تلك القروض ثورة عمرانية داخل الأحياء القديمة، إذ بدأ الأهالي بهدم بيوتهم الشعبية ليبنوا مكانها فيلات حديثة.
لم تكن قيمة القرض العقاري كافية لبناء فيلا من دور واحد بمخططات متشابهة فحسب، بل كانت تفيض عن الحاجة أحيانًا.
وكنا نسمع الأحاديث الجانبية بين المستفيدين بأن فلانًا «فَذّ له» (بقي له) 20 ألف ريال، وفلانًا أكثر، وآخر أقل. حينها، نال بعض المقاولين شهرة واسعة لكونهم الأكثر «توفيرًا» لصاحب البيت، الذي غالبًا لم يكن يكترث لتفاصيل الخرسانة وتسليحها ونسبة الأسمنت فيها، ولا يعنيه منسوب الأرض أو درجة ميلان الأرضيات، أو الأشياء التي لا تُرى بالعين كتمديدات «الموسرجي» (السباك) أو «الكهربجي». بل كان جلّ ما يهمه في النهاية أن يحصل على بيت مسلح يضمه هو وأسرته خلف باب واحد!
وفي خضم هذه الفورة العمرانية الصاخبة التي بدأت تلتهم طين البيوت وتفرق الجيران، بقيت «الدكة» صامدة لفترة تجمع الشتات وتؤنس الوحشة.
في حارتنا؛ كانت هناك «دكة» الشيخ الضرير «أبو ربيعان» وكنا نتحلق حوله نحن الأطفال بعد صلاة العصر وحتى المغيب. كان يسرد علينا قصصًا عن شبابه حين كان مبصرًا، وكانت أهم مرحلة في حياته عندما عمل في «التوصيلات» والتوصيلات: هي جلب الشاحنات المستوردة من ألمانيا إلى ميناء طرطوس في سوريا، ليتولى الشيخ ومجموعته قيادتها برًّا إلى محطتها الأولى في عرعر حيث يتم الفرز، فبعضها يذهب إلى الورش لتركيب صندوق أو «وايت» (صهريج) عليها، لأنها تُستورد «شاسيهات» فقط، بينما يواصل بعضها الآخر طريقه إلى مدن ومحافظات المملكة حسب تصريف التجار. كان سائقو التوصيلات يجمعون بين نقيضين؛ فهم الأكثر «طناخة» وفي ذات الوقت هم الأكثر فقرًا. يقول أبو ربيعان: نتسلّم السيارات من طرطوس، وننطلق بها (سحبة وحدة) إلى الرمثا في الأردن - 400 كلم تقريبًا - وهناك نتوقف عند محطة (أبو محمود) لنرتاح ونأكل ما تيسر ونتزود بوقود الديزل، والأهم: لتلميع الشاحنات!
كان التلميع فنًّا يتقنه هؤلاء السائقون؛ فيحولون الشاحنة إلى لوحة فنية زاهية تتجمل بها الشوارع، حيث يُلمّع الزجاج، والـ «نياكل» (الكروم)، والأنوار الأمامية والخلفية، وتُلمّع الإطارات بالشاي أو الكوكاكولا لتظهر لمعة السواد على «الكفرات» بينما يُترك باقي جسم السيارة بـ «غبار الوكالة» ليحتفظ برونقه ورائحته الأصلية، وللإيحاء بأن السيارة جديدة «من الحفيز» ثم يقودونها بزهو كبير وكأنهم يقودون مركبات فضائية، بلا توقف - نحو 600 كلم تقريبًا - من الرمثا الأردنية حتى الدخول إلى عرعر دخول الفاتحين؛ مطلقين «الزوامير» (الأبواق) في مجموعات وكأنهم في مواكب نصر.
وما إن يستقروا ويتم التصريف، حتى يقبضوا أجر التوصيل، الذي سرعان ما يُنفق على الولائم و»الطناخة» إلى أن تفرغ جيوبهم، فينتظرون الفرج بطلب توصيلات جديدة. كان ضمن مجموعتنا - نحن الأطفال المتحلقين حول الشيخ الضرير - «أبو داحم الملقوف» الذي «يدبج» الكلمات كيفما اتفق «وين ما جت تجي»
قاطع أبو داحم الشيخ وسأله بجفاء طفولي: وهالحين وش تشتغل ياعم؟
سكت أبو ربيعان مختزلاً بصمته كل أنواع المعاناة وتقلّب الأيام، ولم يوقظه من لحظات الألم تلك إلا هدير «الدركتر» فسأل: وش هالصوت؟
فقلنا له: هذا الدركتر جاء ليهدم بيت جارنا أبو عوض.
تنهد الشيخ وسأل ثانية بنبرة متهدجة عن بيتٍ مجاور: وبيت أبو خليف؟
فقلنا: لا، لم يُهدم، لكنهم رحلوا إلى بيتهم الجديد في حي المساعدية وهجروا هذا البيت. التفت الشيخ صوب البيت المهجور وكأن بصره قد عاد إليه، فسالت على خده دمعة حرّى، ثم أطلق من جوفه العنان لأشجان السامري، لينشد أبياتًا لشاعر العارض سليمان بن حاذور بصوت أجش يعتصره الشجن:
مريت بيت للمحبين مقفول
جابتني القدرة على حد بابه
نشدت جيرانه عسى البيت منزول
قالوا حبيبك راح لا وا سفابه
وهلّت دموع العين والقلب مشغول
عند الفراق اللي حصل في غيابه سلطنوا