عمرو أبوالعطا
في صيف عام 1795، وعلى متن سفينة صغيرة شقت طريقها عبر بحر الشمال المضطرب، كانت هناك امرأة تقف على سطح السفينة تنظر إلى الأفق البارد لواحدة من أكثر المغامرات الفكرية والإنسانية جرأة في تاريخ الأدب الغربي. تلك المرأة لم تكن مجرد مسافرة عادية، بل كانت الفيلسوفة الإنجليزية ماري وولستونكرافت، صاحبة الكتاب الشهير «دفاع عن حقوق المرأة»، التي قررت أن تخوض رحلة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت رحلة وجودية بحثت فيها عن الكنز الحقيقي للحياة وسط صخور السويد وغابات النرويج ورماد الدنمارك.
لم يكن عمر ماري يتجاوز السادسة والثلاثين حين انطلقت من ميناء لندن تحمل طفلتها الصغيرة فاني، التي كانت في عامها الأول، بين ذراعيها، وممرضة فرنسية إلى جانبها، وتوكيلاً قانونياً من عشيقها المغامر الأمريكي جيلبرت إملاي. كانت المهمة التي أوكلها إليها تبدو تجارية بحتة: استعادة شحنة من الفضة وأواني فضية نادرة كانت على متن سفينة تدعى «ليبرتي» اختفت في المياه الإسكندنافية. لكن ماري، التي كانت قد عادت لتوها من فرنسا حيث عاشت أهوال عهد الإرهاب وشهدت سقوط المثل العليا للثورة تحت وطأة الدماء، كانت تبحث عن شيء أعمق بكثير من المعادن النفيسة. كانت تبحث عن إجابات لأسئلة ظلت تؤرقها: ما معنى الحرية في مجتمع بلا ثورة؟ وكيف يمكن للروح البشرية أن تشفى من جروح الخيانة والخذلان؟
التقت ماري بجيلبرت إملاي في باريس أثناء الثورة، وكان رجلاً وسيماً مغامراً يعمل في التجارة ونقل البضائع بين فرنسا وأمريكا. وقعت في حبه بكل قوة، وأنجبت منه طفلته فاني، لكنها لم تجد منه سوى البرود والهروب من المسؤولية. عندما عادت إلى لندن، اكتشفت أنه تخلى عنها عاطفياً ومادياً، تاركاً إياها في أتون الفقر والوحدة. حاولت الانتحار في مايو 1795، لكن القدر كان له رأي آخر. في تلك اللحظة الحرجة، قدم لها إملاي عرضاً غريباً: أن تسافر إلى الدول الإسكندنافية لاستعادة شحنة الفضة المفقودة. كان العرض في ظاهره مهمة عملية، لكن في باطنه كان محاولة لإبعادها عن حياته، أو ربما اختباراً لقوتها. وافقت ماري، لأنها كانت بحاجة ماسة إلى الهروب من ذكريات لندن القاتلة.
وصلت إلى غوتنبرغ في يونيو 1795، وكانت أول انطباعاتها عن السويد صادمة بقدر ما كانت مثيرة. لقد وجدت شعباً يسوده ما وصفته بـ «الخمول» و»البطء»، لكنها لم تكن تسيء إليهم بقدر ما كانت تفهمهم. في رسائلها، كتبت عن كيف أن البرد القاسي والطبيعة الصامتة تجعل الإنسان أكثر عزلة وتأملات. لقد استخدمت لغة أدبية رفيعة لوصف الصخور الجرانيتية التي تزين ساحل السويد، والبحيرات الصافية التي تعكس السماء وكأنها مرايا للروح. كانت هذه هي المرة الأولى التي تختبر فيها ماري جمالية «السمو» في الطبيعة؛ ذلك الإحساس المهيب الذي يغمر الإنسان أمام عظمة الخالق، فتجده صغيراً أمام الجبال لكنه كبير بما يكفي ليشعر بالرهبة.
لكن ماري لم تكن شاعرة رومانسية تغفل عن الواقع. في غوتنبرغ، لاحظت صعود الطبقة التجارية وتأثيرها السلبي على الأخلاق. انتقدت الإفراط في شرب المسكرات والتركيز المفرط على المادة، ورأت أن التجارة، رغم ما توفره من رخاء، قد تؤدي إلى تآكل الروابط الإنسانية الأصيلة. كانت هذه الملاحظات جزءاً من فلسفتها الأوسع التي ربطت بين الاقتصاد والأخلاق، والتي سبقت بها العديد من مفكري القرن التاسع عشر. كانت تبحث عن مجتمع يتوازن فيه الرخاء مع القيم، والتجارة مع الإنسانية.
ثم جاءت النرويج، تلك البلاد التي غيرت روحها وجعلتها تؤمن من جديد بصلاحية الحياة. عندما عبرت الحدود إلى النرويج، شعرت فوراً بتغير في روح الناس. كان النرويجيون، كما وصفتهم، أكثر حيوية وانفتاحاً من جيرانهم السويديين. وفي بلدة تونسبرغ الصغيرة، قضت ثلاثة أسابيع كانت بمثابة واحة من الهدوء في وسط عاصفة حياتها. لقد لاحظت أن الفلاحين النرويجيين كانوا أكثر حرية من نظرائهم في بقية أوروبا، وذلك لعدم وجود نظام إقطاعي صارم يقيد تحركاتهم أو ينهب ثمار أرضهم. أثنت على بساطة عيشهم وصدق مشاعرهم، وكتبت عن «الكرامة الفطرية» التي يتمتع بها هؤلاء الناس.
في تونسبرغ، عاشت تجربة فريدة من نوعها: لقد انغمست في الطبيعة بشكل كامل. كانت تمشي لساعات طويلة بين الغابات الصنوبرية القديمة، تتأمل في جذوع الأشجار التي يزيد عمرها على مئات السنين، وتستمع إلى خرير الجداول التي تخترق الصخور. في إحدى رسائلها، كتبت عن «الشعور بوجود روح في كل شجرة وحجر»، معبرة عن تأمل عميق في العلاقة بين الإنسان والطبيعة. هذه التأملات جعلت منها رائدة للحركة الرومانسية التي ستزدهر بعد عقدين من الزمان. حتى أنها كتبت عن الغابات النرويجية محذرة من قطع الأشجار الجائر، قائلة إنه «جريمة بحق الأجيال القادمة»، وهو فكر بيئي متقدم جداً بالنسبة لأواخر القرن الثامن عشر.
لكن ماري لم تنس دورها كمراقبة اجتماعية. في النرويج، لاحظت وضع المرأة، ورغم إعجابها بالحرية النسبية التي تتمتع بها مقارنة بنساء إنجلترا، إلا أنها انتقدت نقص التعليم الموجه للنساء. كانت تؤمن بأن تحرير المرأة يبدأ من تحرير عقلها، ورأت في النرويج أرضاً خصبة لهذا التغيير إذا ما توافرت الإرادة السياسية والتعليمية. كتبت عن ضرورة تعليم الفتيات مهارات عملية مثل التجارة والقانون، مستلهمة هذه الأفكار من نجاحها الشخصي في إدارة المهمة القانونية التي أوكلها إليها إملاي. لقد أثبتت لنفسها وللعالم أن المرأة يمكنها التفوق في عالم الرجال إذا ما توفرت لها التعليم الصحيح.
وفي الوقت نفسه، كانت تخوض صراعاً قانونياً مرهقاً مع الربان النرويجي بيدير إلفسن، المتهم بسرقة السفينة وشحنتها. كانت تذهب إلى الموانئ، وتسأل البحارة، وتفتش في السجلات، وتواجه المحامين بثبات نادر. كانت تخفي هويتها في بعض الأحيان لجمع المعلومات، وتظهرها في أحيان أخرى لفرض سلطتها القانونية. هذه المغامرة البوليسية جعلت ماري تبدو وكأنها محققة خاصة في عصر لم يكن يعرف هذا المفهوم بعد. اكتشفت أن السفينة قد غيرت اسمها إلى «ماريا ومارغريتا»، وأن الشحنة قد أخفيت في براميل تحت سلع تجارية عادية. وبصلابتها الأخلاقية، رفضت محاولات رشوتها وأصرت على اتباع الإجراءات القانونية.
بعد النرويج، توجهت إلى الدنمارك، وتحديداً إلى كوبنهاغن التي كانت لا تزال تعاني من آثار حريق هائل دمر أجزاء كبيرة منها. هنا تغيرت نبرتها من الإعجاب إلى النقد القاسي. وصفت المدينة بأنها كئيبة، وانتقدت النظام الملكي المطلق الذي يحكم الدنمارك. رأت أن الفوارق الطبقية في كوبنهاغن كانت تعيق تقدم المجتمع، وأن الترف الذي تعيشه النخبة يأتي على حساب معاناة الطبقات الكادحة. زارت السجون وكتبت عن ضرورة إصلاح النظام الجنائي، مطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام التي رأت أنها لا تمنع الجريمة بل تزيد من همجية المجتمع. كانت ترى أن الجريمة هي نتاج للفقر والجهل، وليس شراً فطرياً في النفس البشرية.
لكن الجانب الأكثر إلهاماً في رحلتها هو أنها لم تكن وحدها أبداً. كانت تحمل طفلتها فاني التي كانت في عامها الأول، وكانت الممرضة الفرنسية مارغريت إلى جانبها. في عصر كان فيه السفر محفوفاً بالمخاطر حتى للرجال الأشداء، سافرت ماري مع طفلة صغيرة عبر غابات السويد وبحار النرويج. في العديد من الرسائل، تصف كيف كانت تحمي فاني من البرد والجوع، وكيف أن الأمومة منحتها قوة لم تكن تعرف أنها تملكها. كانت فاني بالنسبة لماري هي الرابط الوحيد بالحياة، وكان وجودها يضفي لمسة من الحنان والبراءة على رحلة مليئة بالمرارة القانونية والعاطفية. حتى مارغريت، رغم اختلاف الطبقة واللغة، أصبحت رفيقة مخلصة تشاركها أعباء الرحلة وأفراحها الصغيرة.
وبعد ثلاثة أشهر من المغامرة والعمل والتفكير، عادت ماري إلى إنجلترا في سبتمبر 1795. كانت تحمل بين يديها سجلاً كاملاً لما رأته وسمعته، لكنها كانت تحمل أيضاً جرحاً جديداً في قلبها: إملاي كان قد استبدلها بامرأة أخرى. لم تستطع ماري تحمل هذه الصدمة، فألقت بنفسها من فوق جسر بوتني في نهر التايمز في أكتوبر 1795 في محاولة انتحار ثانية. لكن القدر أنقذها مرة أخرى. وبشكل مثير للدهشة، كانت هذه الرحلة هي التي منحتها المادة الأدبية لكتابها الأكثر نجاحاً تجارياً وأدبياً: «رسائل كُتبت خلال إقامة قصيرة في السويد والنرويج والدنمارك».
نُشر الكتاب في عام 1796 وحقق نجاحاً فورياً. فقد تميز بأسلوبه الفريد الذي جمع بين التحليل السوسيولوجي لعادات وتقاليد وأنظمة سياسية، وبين البوح الذاتي الذي كشف مشاعر ماري الشخصية بصدق غير مسبوق، وبين النقد السياسي الذي طرح تساؤلات حول الثورة والتجارة وحقوق الإنسان.
لقد كان الكتاب ثورة في أدب الرحلات، حيث انتقل من الوصف الخارجي إلى التحليل النفسي والاجتماعي المعمق. حتى أعداء ماري السياسيين لم يستطيعوا إنكار جمال لغتها وقوة ملاحظتها. كتب ويليام غودوين، الفيلسوف الذي سيتزوجها لاحقاً، أن هذا الكتاب هو الذي جعله يقع في حب ماري، لأنه كشف عن «روح حساسة وعقل جبار» في آن واحد.
أثر الكتاب بشكل عميق في شعراء الحركة الرومانسية مثل وليم وردزورث وصامويل تايلور كوليردج. فقد وجدوا في وصفها للطبيعة كقوة حية ومؤثرة في النفس البشرية الحجر الأساس الذي بنيت عليه قصائدهم الخالدة. استلهم كوليردج من وصفها للجليد والبحار الشمالية في قصيدته الشهيرة «الملاح العتيق»، كما تأثر وردزورث بأسلوبها في ربط المشاهد الطبيعية بالذكريات الشخصية. وهكذا، أصبحت ماري وولستونكرافت، من خلال مغامرتها الإسكندنافية، واحدة من المؤسسين غير المباشرين للأدب الرومانسي في إنجلترا.
لكن التأثير الأعمق للكتاب كان على الحركة النسوية التي ظهرت في القرن التاسع عشر.
لقد أثبتت ماري أن المرأة يمكنها الاستقلال المادي والفكري، وأن العقل لا جنس له. كانت ناشطات حقوق المرأة في بريطانيا والولايات المتحدة يقرأن «رسائلها الإسكندنافية» كدليل على قدرة المرأة على إدارة شؤون قانونية وتجارية معقدة ببراعة تفوق الرجال.
في النرويج والسويد، تُرجم الكتاب مبكراً وأثر في جيل من المفكرين والمصلحين. واليوم، ينظر إلى ماري وولستونكرافت في الدول الإسكندنافية كواحدة من المؤسسين الروحيين للمساواة بين الجنسين في هذه الدول التي تتصدر مؤشرات المساواة العالمية.
في النهاية، لم تجد ماري الكنز الفضي الذي أرسلها إملاي للبحث عنه. لقد فشلت في استعادة الشحنة، وفشلت في استعادة قلب عشيقها الخائن. لكنها وجدت شيئاً أعظم بكثير: لقد وجدت خلودها الأدبي في صفحات هذا الكتاب الفريد. لقد أثبتت أن الرحلة الحقيقية ليست تلك التي تنتهي بالعثور على الذهب والفضة، بل تلك التي تغير الروح وتوسع الأفق وتجعل الإنسان يرى العالم بعيون جديدة. لقد غادرت ماري عالمنا بعد عام وثمانية أشهر من نشر هذا الكتاب، إذ توفيت بعد 11 يوماً من ولادة ابنتها الثانية ماري شيلي، مؤلفة رواية «فرانكنشتاين» الشهيرة. لكن صوت ماري لم يمت. لا يزال يتردد في غابات النرويج وشوارع كوبنهاغن وجبال السويد، يذكرنا بأن الشجاعة الحقيقية تكمن في مواجهة العالم بمفردنا، مسلحين فقط بعقولنا وقلوبنا، وأن البحث عن الكنز الحقيقي هو رحلة لا تنتهي بانتهاء الكلمات، بل تبدأ من جديد مع كل قارئ يفتح صفحات رسائلها الخالدة.