ناصر بن فريوان الشراري
ما يقوم به الحرس الثوري الإيراني من هجوم على جيرانه إنما هو تشريحٌ سياسي دقيق لحالة «الهروب إلى الأمام» التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني في أوج أزماته الإقليمية، ففي الوقت الذي تتعرض فيه طهران لضغوط استراتيجية قاسية، وتواجه اختراقات أمنية تضعف صورتها أمام أذرعها، نراهم يختارون تفريغ شحنة العجز في ساحات الجوار الخليجي. إن التساؤل المشروع الذي يطرحه كل مواطن غيور على أمن المنطقة هو: لماذا الكويت؟ لماذا تستهدف الصواريخ والمسيّرات مقدرات مدنية، كمحطات التحلية والكهرباء والمطارات، في دولة لم تكن يوماً طرفاً في صراع، ولم تصدر عنها أية تهديدات؟
الإجابة تكمن في إستراتيجية الحرس الثوري، حيث يعجز المأزوم عن مواجهة «الخصم الحقيقي» الذي يواجهه بجدية في ساحات أخرى، فيلجأ إلى تصدير التوتر نحو الأهداف التي يظنها «أكثر استقراراً» أو «أقل كلفة»، إن هذا السلوك لا يعد استعراضاً للقوة، بل هو إقرارٌ ضمني بـ «انكسار المبادرة»، ومحاولة بائسة لترميم الشرعية عبر التلويح بأمن الجيران.
وإن مما يثير الاستغراب والأسى، بروز أصوات داخل البيت الخليجي تحاول التماس الأعذار لهذا النهج العدائي، إن الدفاع عن سياسات تزعزع الأمن القومي ليس إلا تغريداً خارج السرب الوطني، فالمصلحة الوطنية لا تقبل التجزئة، والولاء للأرض يحتم علينا جميعاً إدراك أن أمن الكويت والخليج هو «خط أحمر» لا يخضع للمجاملات الأيديولوجية أو الارتباطات العابرة للحدود، كما إن تحصين الجبهة الداخلية ضد هذا الاستقطاب هو المهمة الوطنية الأولى في هذه المرحلة الحرجة.
إن عدوان إيران لا ينبغي أن يواجه بالصمت، بل بتبني نهج خليجي أكثر حزماً:
1- كشف الحقائق: يجب تعرية هذا السلوك دولياً، وإيضاح أن السياسات التوسعية للحرس الثوري ليست إلا هروباً من الفشل الداخلي، وتفريغاً لإحباطات عجزت عن مواجهة الند للند.
2- التحصين المجتمعي: إن بناء وعي وطني جامع يرفض التعدي على سيادة الدولة ومقدراتها هو الركيزة الأساسية لردع أي أطماع.
3 - الإستراتيجية الردعية: لا يمكن الرهان على حسن النوايا في ظل أطماع معلنة، لذا فإن تعزيز القدرات الدفاعية المحلية، وتوحيد الموقف الإقليمي، هو السبيل الوحيد لجعل كلفة التحرش بأمن الخليج باهظة ومستحيلة.
إن التاريخ يخبرنا أن الدول التي تصمد هي تلك التي تمتلك «ذاكرة قوية» لا تغفل عن مصالحها، و»بصيرة واضحة» لا تنجرف وراء الاستفزازات، إن الحرس الثوري سيظل يمارس هوايته في الهروب من ساحات الصراع الحقيقية إلى استباحة أمن الجيران، لكن الرهان الحقيقي يظل على «الوعي الخليجي» الذي يدرك أن أمننا هو استحقاقٌ سيادي، لن يكون يوماً رهينة لجنون نظامٍ فقد توازنه وفقد معه بوصلة التعامل مع الجيران.