د. غالب محمد طه
في كل مرة يظهر فيها نموذج جديد للذكاء الاصطناعي التوليدي، تتجه الأنظار إلى قدراته المتنامية وسرعة تطوره. غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلَّق بما تستطيع هذه النماذج إنجازه، بل بالضوابط التي تحكم استخدامها، وبالحدود الأخلاقية التي تضمن ألا تتحول إلى أداة لتقويض الثقة أو الإضرار بالمجتمع. فالتحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنيًا فحسب، بل أصبح تنظيميًا وأخلاقيًا بالدرجة الأولى.
وفي هذا السياق، تبرز وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» التي أطلقتها وزارة الإعلام بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) خلال المنتدى السعودي للإعلام، بوصفها خطوة استباقية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي. وقد حظيت الوثيقة مؤخرًا بتقدير دولي ضمن جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS 2026)، في دلالة تتجاوز حدود التكريم إلى الاعتراف بأهمية بناء أطر أخلاقية ترافق التحول الرقمي. لقد اعتادت التكنولوجيا أن تتقدم بوتيرة أسرع من قدرة التشريعات على مواكبتها، وهو ما أوجد في مراحل عديدة فراغًا تنظيميًا استغلته المنصات الرقمية لفرض ممارسات جديدة قبل أن تلحق بها السياسات العامة. واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي، لكن مع اختلاف جوهري؛ إذ لم يعد التنافس العالمي يقتصر على تطوير نماذج أكثر كفاءة، بل امتد إلى بناء الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تضبط استخدامها وتحافظ على المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، تمثِّل الوثيقة السعودية أكثر من مجرد دليل إرشادي؛ فهي تؤسس لمرجعية وطنية لتنظيم توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وترسخ مبادئ الشفافية والإفصاح، والتحقق من المحتوى، وحماية الخصوصية والملكية الفكرية، والحد من المعلومات المضللة والتزييف العميق، مع التأكيد على المسؤولية والمساءلة بوصفهما أساسًا لأي استخدام مهني لهذه التقنيات. كما تقدم إطارًا يمكن أن يسهم في تطوير سياسات أكثر اتساقًا لحوكمة الذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلامية، خاصة في ظل تفاوت الأطر التنظيمية وتعدد المرجعيات على المستويين الإقليمي والدولي.
وتزداد أهمية هذه المبادئ مع تصاعد تحديات التزييف العميق (Deepfakes)، الذي لم يعد يقتصر على إنتاج صور أو مقاطع فيديو مزيفة، بل أصبح قادرًا على محاكاة الواقع بدرجة تجعل التحقق من المحتوى أكثر تعقيدًا. وفي ظل هذا التحول، لم تعد المؤسسات الإعلامية مطالبة فقط بسرعة النشر، بل أصبحت مطالبة بإثبات موثوقية ما تنشره، والإفصاح عن كيفية إنتاجه، وتحمل المسؤولية التحريرية عنه، سواء أُنتج بالكامل بواسطة الإنسان أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، يمكن قراءة التقدير الدولي الذي نالته الوثيقة باعتباره مؤشرًا على تحول أوسع في مفهوم الريادة. فالريادة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بمن يطور النماذج التقنية أولًا فحسب، وإنما أيضًا بمن يضع مبكرًا القواعد التي تكفل استخدامها بصورة مسؤولة. فالتقنية، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تنتج منظومة قيم، ولا أن تتحمل مسؤولية قرار تحريري، أو أن تحاسب على أثر المحتوى في المجتمع.
وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل الإعلام مرهونًا بقدرته على الحفاظ على الثقة، لا بمجرد امتلاكه أحدث الأدوات التقنية. فالخوارزميات قادرة على تسريع إنتاج المحتوى، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني أو المسؤولية التحريرية. ولهذا، فإن قيمة المبادرات الأخلاقية، مثل وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام، لا تكمن في مواكبتها للتطور التقني فحسب، بل في ترسيخ مبدأ سيظل ثابتًا مهما تغيَّرت الأدوات: أن الإنسان هو من يبقى مسؤولًا عن الكلمة، حتى عندما يشاركه الذكاء الاصطناعي في إنتاجها.