إبراهيم بن يوسف المالك
في كل ثورة اقتصادية كبرى، يحدث تحول لا ينتبه إليه معظم الناس إلا بعد أن يكون قد بدأ بالفعل، فبمجرد أن تصبح الميزة التي كانت نادرة متاحة للجميع، تنتقل المنافسة إلى مصدر ندرة جديد، ومن تلك اللحظة، يبدأ فصل مختلف، وتتغير معه قواعد التفوق.
في بدايات الثورة الصناعية، اعتقد كثيرون أن امتلاك الآلات هو الطريق إلى الريادة، وبعد سنوات اتضح أن الآلات لم تكن سوى نقطة البداية وأن المؤسسات التي أعادت تصميم مصانعها وعملياتها وأساليب إدارتها هي التي حققت القفزة الحقيقية.
وتكرر المشهد مع الحاسب الآلي والإنترنت، فلم يكن امتلاك التقنية هو ما صنع الفارق، بل القدرة على إعادة بناء المؤسسة حولها،فالبرمجيات كانت متاحة للجميع، لكن المؤسسات لم تكن جميعها قادرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
واليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يدخل المرحلة نفسها، فخلال أيام قليلة في مطلع شهر يوليو، أعلنت شركتا Microsoft وAmazon عن اثنين من أكبر استثمارات العام في مجال الذكاء الاصطناعي. الأولى خصصت 2.5 مليار دولار لتأسيس Microsoft Frontier Company، مع نشر أكثر من 6000 مهندس وعالم ومتخصص للعمل جنبًا إلى جنب مع عملاء الشركات. أما Amazon Web Services فأعلنت استثمار مليار دولار لإنشاء وحدة Forward Deployed Engineering، التي تقوم على إرسال فرق هندسية للعمل داخل بيئات العملاء وتسريع دمج حلول الذكاء الاصطناعي في أعمالهم.
اللافت في هذه الإعلانات ليس حجم الأموال، بل وجهتها، فلو كانت المشكلة الأساسية لا تزال تتمثل في نقص نماذج الذكاء الاصطناعي، لكان الاستثمار الطبيعي في نماذج أكبر، أو شرائح أسرع، أو مراكز بيانات إضافية، لكن الشركتين اختارتا توجيه مليارات الدولارات إلى العمل داخل المؤسسات نفسها، وإلى البشر الذين سيتعاملون معها، وإلى البيئة التي تُتخذ فيها القرارات.
لقد أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة متاحة لمعظم المؤسسات الكبرى، وأصبح بالإمكان شراء الخدمات السحابية، وترخيص النماذج، وتشغيل التطبيقات بوتيرة لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة، ومع ذلك، لا تزال مؤسسات كثيرة تحقق عروضًا تقنية مبهرة، لكنها تعجز عن تحقيق الأثر المؤسسي الذي كانت تتوقعه.
وهذا يعني أن نقطة الاختناق لم تعد في التقنية، بل انتقلت إلى المؤسسة نفسها، فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى منتج أو خدمة يختلف جذريًا عن دمجه في مؤسسة كاملة، فهناك قرارات لا تستطيع أي خوارزمية اتخاذها، لأنها لا تتعلق بالحسابات، وإنما بالحوكمة، وتوزيع المسؤوليات، وحدود الأتمتة، وإدارة المخاطر، والموازنة بين الكفاءة والمرونة، وبين السرعة والثقة، وبين المكاسب قصيرة الأجل والاستدامة طويلة الأجل.
هذه ليست تحديات تقنية، بل تحديات مؤسسية، ولعل هذا ما أدركته Microsoft وAmazon، رغم اختلاف استراتيجياتهما، فالتحدي القادم لن يكون إنتاج ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً، وإنما مساعدة المؤسسات على إعادة تصميم عملياتها، وآليات اتخاذ القرار، ومنظومات الحوكمة، بحيث تصبح قادرة على استيعاب هذه التقنيات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وهذا ليس جديدًا في التاريخ الاقتصادي، فكل ثورة تقنية تبدأ بالاحتفاء بالابتكار نفسه، ثم تنتهي بأن يصبح الابتكار متاحًا للجميع، بينما تنتقل المنافسة إلى قدرة المؤسسات على استثماره بصورة أفضل، وهنا يتغير مصدر الميزة التنافسية، ويتغير معه مصدر القيمة.
وربما يكون هذا هو التحول الذي نشهده اليوم، فالسنوات القادمة لن تميز بالضرورة بين المؤسسات التي تمتلك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بين المؤسسات التي تمتلك القدرة على دمج هذه النماذج في منظوماتها الإدارية، دون أن تضعف الحوكمة، أو المساءلة، أوجودة القرار، أو ثقة أصحاب المصلحة.
فالميزة التنافسية لا تبقى حيث بدأت... بل تنتقل دائمًا إلى حيث تظهر الندرة الجديدة.