«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في لقاء يفتح باب الترقب أمام مشروع سينمائي جديد، التقى معالي المستشار تركي آل الشيخ المخرج الأمريكي أنطوان فوكوا، مخرج فيلم «مايكل» الذي يتناول سيرة أسطورة البوب مايكل جاكسون، ملمحًا إلى «مفاجأة كبيرة» قال إن صداها سيكون واسعًا على مستوى الأفلام وصناعة السينما في العالم.
ونشر آل الشيخ صورة جمعته بفوكوا عبر حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، وكتب: «مع المخرج الأسطورة والصديق العزيز Antoine Fuqua.. باركت له نجاحه الساحق في فيلم مايكل جاكسون والرقم القياسي لأفضل إيرادات افتتاح في التاريخ لفيلم سيرة ذاتية وموسيقي.. ومفاجأة كبيرة معه سيكون صداها كبيرًا على مستوى الأفلام والصناعة في العالم».
ويأتي اللقاء عقب النجاح الكبير الذي حققه فيلم «مايكل» (Michael)، الذي أخرجه فوكوا ويؤدي بطولته جعفر جاكسون، محققًا افتتاحًا قياسيًا لفيلم يتناول سيرة شخصية موسيقية، في إنجاز يعزز حضور العمل في المشهد السينمائي العالمي.
وبينما لم يكشف آل الشيخ عن طبيعة «المفاجأة الكبيرة»، فإن عبارته تفتح باب التكهنات حول تعاون سينمائي مرتقب قد يجمع المملكة بأحد أبرز المخرجين العالميين، في وقت تتسع فيه طموحات الصناعة السينمائية السعودية، وتتجه المملكة إلى بناء شراكات دولية أكثر حضورًا وتأثيرًا.
أنطوان فوكوا.. مخرج يصنع البطولة من مناطقها الرمادية
وُلد أنطوان فوكوا في بيتسبرغ عام 1965، وبدأ مسيرته من عالم الفيديو كليبات والإعلانات التجارية قبل انتقاله إلى السينما؛ وهي خلفية تركت أثرها في أسلوبه البصري الذي يراهن على الإيقاع وكثافة الصورة والحركة، إلى جانب اهتمامه بشخصيات معقدة تتحرك غالبًا في مناطق رمادية بين الخير والشر.
لكن اختزال فوكوا في أفلام الحركة وحدها لا ينصف تجربته؛ فخلف المطاردات والمواجهات، ينشغل المخرج بالإنسان الذي يقف خلف البطولة، وبالشخصيات التي تحمل ماضيًا ثقيلًا، وتجد نفسها أمام لحظة اختبار تجبرها على إعادة تعريف ذاتها.
وكان فيلم «يوم التدريب» (Training Day) عام 2001 نقطة التحول الأبرز في مسيرته، إذ قدم عالمًا قاتمًا للشرطة والجريمة في لوس أنجلوس، من خلال علاقة متوترة بين شرطي مخضرم فاسد يؤدي دوره دينزل واشنطن، وشرطي شاب يؤديه إيثان هوك.
وحقق الفيلم نجاحًا نقديًا وجماهيريًا، فيما فاز دينزل واشنطن بجائزة الأوسكار عن أفضل ممثل، ليصبح العمل واحدًا من أبرز أفلام الجريمة في السينما الأمريكية الحديثة، ونقطة تحول حاسمة في مسيرة فوكوا.
من «المعادل» إلى «اللكمة الأخيرة».. أبطال يقاومون ماضيهم
بعد سنوات، عاد فوكوا إلى التعاون مع دينزل واشنطن في سلسلة «المعادل» (The Equalizer)، التي قدمت شخصية روبرت ماكول؛ رجلًا يحاول الابتعاد عن ماضيه العنيف، لكنه يعود إلى المواجهة دفاعًا عن المستضعفين.
وتحولت السلسلة إلى واحدة من أبرز سلاسل أفلام الحركة الحديثة، وامتدت إلى ثلاثة أجزاء، كان آخرها «المعادل 3» (The Equalizer 3) عام 2023.
وفي «دموع الشمس» (Tears of the Sun)، انتقل إلى أجواء الحرب والاختيارات الأخلاقية، بينما قدم في «القناص» (Shooter) إثارة سياسية تقوم على المؤامرة والفساد ومواجهة المؤسسات الكبرى.
أما «أفضل رجال بروكلين» (Brooklyn»s Finest)، فقدم من خلاله صورة قاتمة لعالم الشرطة والجريمة عبر قصص متقاطعة، فيما ذهب في «سقوط أوليمبوس» (Olympus Has Fallen) إلى سينما الحركة السياسية واسعة الجماهيرية.
وفي «اللكمة الأخيرة» (Southpaw)، كشف فوكوا عن وجه أكثر إنسانية؛ إذ تابع قصة ملاكم ينهار عالمه الشخصي والمهني، ثم يحاول إعادة بناء حياته. ومن خلال هذا العمل، بدا واضحًا أن المخرج لا يفتن بالسقوط وحده، بل بما يفعله الإنسان بعد السقوط.
كما أعاد تقديم الفيلم الكلاسيكي «السبعة الرائعون» (The Magnificent Seven) عام 2016، جامعًا بين أجواء الغرب الأمريكي والحركة، فيما اتجه في «التحرر» (Emancipation) عام 2022، من بطولة ويل سميث، إلى دراما تاريخية وإنسانية تتصل بتاريخ العبودية والحرب الأهلية الأمريكية.
من أفلام الحركة إلى السينما الوثائقية.. البحث عن الإنسان خلف الصورة
لا يقتصر اهتمام فوكوا على السينما الروائية؛ فقد أخرج عددًا من الأعمال الوثائقية التي تناولت شخصيات وقضايا أمريكية بارزة، من بينها «الحلم الأمريكي/ كابوس أمريكي» (American Dream/American Knightmare)، و«ما اسمِي؟ محمد علي» (What»s My Name: Muhammad Ali)، إضافة إلى «الإرث: القصة الحقيقية لفريق لوس أنجلوس ليكرز» (Legacy: The True Story of the LA Lakers).
وتكشف هذه الأعمال عن جانب أساسي في رؤيته؛ فهو لا يبحث عن الأبطال المثاليين، بل عن الشخصيات التي صنعتها الظروف والصراعات، وعن الإنسان الذي يقاوم السقوط ويحاول إعادة كتابة مصيره.
«مايكل».. مخرج أفلام الحركة أمام أسطورة الموسيقى
يمثل فيلم «مايكل» (Michael) محطة مختلفة في مسيرة فوكوا؛ فالمخرج الذي ارتبط طويلًا بالجريمة وأفلام الحركة والإثارة، وجد نفسه أمام شخصية عالمية صنعت تاريخها من الموسيقى والأداء والشهرة.
لكن الانتقال لم يكن بعيدًا عن أسئلته السينمائية الأساسية؛ فالشهرة، مثل الجريمة أو السلطة أو العنف، يمكن أن تكون قوة تعيد تشكيل الإنسان وتضعه أمام أسئلة المصير والهوية.
ومن خلال الفيلم، الذي يؤدي فيه جعفر جاكسون دور عمه مايكل جاكسون، اتجه فوكوا إلى استعادة رحلة صعود «ملك البوب» وعلاقته بعائلته ووالده، في عمل حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، رغم الجدل الذي رافق طريقة تناوله لبعض جوانب حياة النجم الراحل.
سينما فوكوا.. الشخصية قبل الحركة
يمكن قراءة تجربة أنطوان فوكوا من خلال مجموعة من الثيمات التي تتكرر في أعماله: الشخصية قبل الحركة، والصراع الأخلاقي قبل البطولة، والإنسان الذي يحاول التعامل مع ماضيه بدلًا من الهروب منه.
فأبطاله غالبًا ليسوا شخصيات مثالية؛ إنهم رجال مكسورون أو مثقلون بالذاكرة، لكنهم يملكون القدرة على اتخاذ قرار مختلف في اللحظة الحاسمة.
ولهذا لا تقدم أفلامه الخير والشر دائمًا في صورتين واضحتين؛ بل تضع الشخصيات في مناطق ملتبسة، حيث يصبح السؤال الأهم: ماذا يفعل الإنسان بماضيه؟ وهل يستطيع أن يتحول من مصدر للعنف إلى مصدر للحماية؟
«مفاجأة كبيرة».. ماذا يخبئ اللقاء؟
من هنا، يكتسب لقاء تركي آل الشيخ وأنطوان فوكوا أهمية تتجاوز صورة عابرة أو تهنئة بنجاح فيلم عالمي.
فالمخرج الذي يقف خلف أفلام تركت أثرًا في السينما الجماهيرية، ويقود الآن فيلمًا عن إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الموسيقى، يجتمع مع شخصية تقود حراكًا واسعًا في صناعة الترفيه والسينما في المملكة.
وبينما أبقى آل الشيخ طبيعة المفاجأة طي الكتمان، فإن وصفها بأنها ستكون ذات صدى كبير «على مستوى الأفلام والصناعة في العالم» يرفع سقف التوقعات، ويفتح الباب أمام مشروع قد يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي.
وبين طموح المملكة إلى بناء صناعة سينمائية ذات حضور عالمي، وخبرة مخرج يعرف كيف يحول الشخصيات المعقدة إلى حكايات تصل إلى الجمهور، يبدو اللقاء بداية فصل جديد لم تُكشف تفاصيله بعد.
لكن المؤكد أن عبارة «مفاجأة كبيرة» أصبحت، منذ نشر الصورة، عنوانًا لانتظار سينمائي جديد.