عبدالرحمن العطوي
لم تكن عودة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك مجرد عودة مسؤول إلى مقر عمله بل كانت عودة قلب إلى أهله وروح إلى مدينة طال انتظارها لرجل ارتبط اسمه بتاريخها الحديث وصنع معها رحلة امتدت قرابة أربعة عقود حتى غدا حضوره جزءا من ذاكرتها ووجدانها.
ومنذ أن غادر سموه في رحلته العلاجية كانت تبوك تترقب لحظة العودة بكل الشوق والدعاء، وكانت الألسن تلهج بالسؤال عن صحته والقلوب ترفع أكفها إلى السماء أن يعود سالما لأن العلاقة بين الأمير وأبناء منطقته لم تكن يوماً علاقة منصب بمرؤوسين، وإنما علاقة قائد احتضن الإنسان قبل المكان فبادله الناس محبة لا تعرف التصنع ولا المجاملة.
وحين لامست عجلات الطائرة أرض قاعدة الملك فيصل الجوية (المطار القديم) عادت إلى تبوك ابتسامتها وامتلأت القلوب فرحا، وكانت الحشود البشرية التي توافدت إلى المطار مشهدا يختصر سنوات طويلة من الوفاء فلم يكن حضورهم استجابة لدعوة ولا أداء لواجب بروتوكولي بل كان اندفاعا صادقا من قلوب أحبت فأرادت أن تكون أول المستقبلين، وعادت الذاكرة إلى نهاية عام1407هـ حين صدر الأمر السامي الكريم بتعيين الأمير فهد بن سلطان أميرا لمنطقة تبوك يومها كانت أولى خطواته على أرض المنطقة بداية مرحلة جديدة من التنمية والإنجاز، واليوم وبعد كل هذه السنوات يتكرر المشهد نفسه وكأن الزمن أراد أن يؤكد أن المحبة الحقيقية لا يغيرها مرور الأعوام.
وأجمل ما رسم تلك اللحظات أن سموه أصر على الوقوف بنفسه لمصافحة الجميع رغم كثافة الحضور واستمرت المصافحات قرابة الساعة كاملة وهو يبادل الجميع السلام والابتسامة والدعوات ويستقبل مشاعرهم بمثلها في صورة تختصر شخصية قائد يرى في أبناء منطقته أسرته الكبيرة قبل أن يكونوا مواطنين يستقبلونه.
وكانت كلمات سموه في المطار للحضور نابضة بالمحبة والامتنان إذ عبر عن بالغ شكره لله سبحانه وتعالى ثم لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد على ما حظي به من رعاية واهتمام، وسأل الله أن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار وأن يحفظ أبناء المنطقة مؤكدا سعادته الغامرة بالعودة بينهم وأن لقاءهم يمثل له أغلى ما يحمله معه بعد رحلة العلاج.
ولم تنته مشاهد الوفاء عند المطار بل امتدت إلى القصر الحكومي وإلى مقر الإمارة حيث تتابعت الوفود من مدينة تبوك ومن جميع المحافظات والمراكز لتقديم التهنئة بسلامة الوصول في مشهد جسد وحدة المنطقة بكل أطيافها وأكد أن المحبة التي يسكنها الأمير في قلوب الناس لم تكن وليدة مناسبة بل ثمرة سنوات طويلة من العمل والإخلاص والقرب من المواطن.
إن الزعيم الحقيقي لا يصنعه المنصب وإنما تصنعه القلوب التي تفتح له أبوابها دون استئذان، وهذا ما جسدته تبوك وهي تستقبل أميرها بعد غياب لم تعهده فقد قالت الحشود بصمتها ما تعجز عنه الكلمات وأثبتت أن أعظم الأوسمة ليست التي تعلق على الصدور بل التي تكتب في قلوب الناس، وأن الأمير فهد بن سلطان بنى جسوراً من الثقة والوفاء ستبقى شاهدة على مرحلة استثنائية من تاريخ تبوك، وعلى قصة قائد أحب أرضه وأحبته أرضه وأهلها حتى أصبحت عودته عيداً للمدينة كلها قبل أن تكون عودة أمير إلى مكتبه.