د. عبدالمحسن الرحيمي
ما الذي يجعل مواطنًا يشعر أن وطنه حاضر في حياته كل صباح؟
هل هو العلم الذي يرفرف فوق المباني؟ أم قوة الاقتصاد؟ أم الخطابات الوطنية؟ أم أن الإجابة تكمن في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تصنع شعورًا عميقًا بالانتماء؟
عندما يجد الشاب فرصة تؤهله لدخول سوق العمل، وعندما تتمكن الأسرة من الحصول على مسكن مناسب، وعندما يحصل المريض على العلاج دون أن يكون الدخل عائقًا، وعندما تُنجز الخدمة الحكومية في دقائق من الهاتف المحمول، فإن الدولة لا تقدم خدمة فحسب؛ بل تبني علاقة ثقة مع الإنسان.
لهذا فإن العلاقة بين المواطن والدولة لا تبدأ عند الحدود، ولا تنتهي عند القوانين، بل تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية. فكل قرار يمس السكن، أو التعليم، أو الصحة، أو فرص العمل، ليس مجرد سياسة عامة، وإنما رسالة تقول للإنسان: أنت محور البناء، والوطن يبدأ بك.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التجربة السعودية؛ فهي لم تتعامل مع التنمية بوصفها مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل بوصفها مشروعًا لبناء الإنسان. فالطرق، والمستشفيات، والمدارس، والمنصات الرقمية، وبرامج الإسكان، ومبادرات التوظيف، ليست مشاريع متفرقة، بل تعبيرات متعددة عن فكرة واحدة؛ أن الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية.
تتحدث كتب الإدارة كثيرًا عن كفاءة المؤسسات، بينما تنشغل كتب الاقتصاد بالنمو والإنتاجية، وتناقش العلوم السياسية السلطة والحوكمة. غير أن السؤال الذي يسبق ذلك كله أبسط وأكثر عمقًا: متى يشعر الإنسان أن الدولة تفكر فيه قبل أن تطلب منه أن يفكر فيها؟
هذا السؤال هو الذي يفسر اختلاف التجارب الوطنية. فالدولة لا تُختبر في المناسبات الرسمية، وإنما في الأيام العادية. عندما يبحث شاب عن عمل، أو تحاول أسرة شراء منزلها الأول، أو يحتاج مريض إلى العلاج، أو يرغب صاحب مشروع في إنجاز معاملة، فإن تلك اللحظات الصغيرة تتحول إلى امتحان حقيقي لقدرة المؤسسات على تحويل السياسات إلى حياة.
ولعل ملف الإسكان يكشف هذه الفكرة بوضوح. فالاقتصاد ينظر إلى المسكن بوصفه أصلًا ماليًا، وسوق العقار يراه سلعة تخضع للعرض والطلب، أما القيادة فترى فيه نقطة استقرار للأسرة. والأسرة المستقرة ليست قضية اجتماعية فحسب، بل أحد شروط الاستقرار الاقتصادي نفسه. فالإنسان الذي يعيش قلقًا دائمًا بشأن سكنه يصعب أن يخطط للمستقبل بالثقة نفسها التي يمتلكها من يشعر بأن حياته تسير على أرض مستقرة.
ولهذا جاءت برامج الإسكان في المملكة ضمن رؤية أوسع من مجرد تشييد الوحدات السكنية. فرفع نسب التملك، وتوسيع الحلول التمويلية، وزيادة المعروض، وتحسين البيئة التنظيمية، جميعها تعكس فهمًا يعتبر أن استقرار الأسرة جزء من استقرار الدولة، وليس مجرد نتيجة له.
وعندما شهدت بعض المدن ارتفاعات متسارعة في أسعار الإيجارات، لم يكن التحدي اقتصاديًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا. فارتفاع تكلفة السكن يعيد تشكيل قرارات الأسرة، ويؤثر في قدرتها على الادخار، وفي اختياراتها التعليمية، وفي جودة حياتها اليومية. ومن هنا جاء التدخل التنظيمي، وتطوير البيئة التشريعية، وتعزيز أدوات تنظيم السوق، باعتبارها وسائل لاستعادة التوازن، لا لإدارة الأسعار فقط.
وينطبق المنطق ذاته على برامج التمكين الوظيفي. فالقيادة لا ترى الباحث عن عمل رقمًا في تقرير دوري، بل ترى طاقة معطلة يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة متى ما توافرت لها البيئة المناسبة. ولهذا جاءت برامج مثل حافز لتربط الدعم بالتأهيل والتدريب، لأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ عند تقديم الإعانة، وإنما عند استعادة الإنسان ثقته بقدرته على الإنتاج.
وهنا تظهر وظيفة القيادة في أعمق صورها. فهي لا تقدم الحلول نيابة عن المجتمع، وإنما تبني الظروف التي تجعل المجتمع قادرًا على إنتاج حلوله بنفسه. وهذا هو الفارق بين إدارة الاحتياجات وإطلاق الإمكانات.
وينطبق ذلك أيضًا على التحول الرقمي. فكثير من النقاشات تختزل الرقمنة في التطبيقات والمنصات، بينما تكمن أهميتها في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فالخدمة الرقمية ليست إنجازًا لأنها أصبحت إلكترونية، بل لأنها أعادت للإنسان وقتًا كان يهدره في الإجراءات، وخففت عنه كلفة الوصول إلى الخدمة، وجعلت المؤسسة العامة أكثر قربًا من حياته اليومية.
ومن هنا يصبح التحول الرقمي مشروعًا في بناء الثقة، قبل أن يكون مشروعًا في بناء التقنية. فحين يشعر الإنسان أن مؤسسات دولته تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها حياته، تتشكل لديه قناعة بأن الإدارة العامة ليست عبئًا عليه، بل شريكًا في تسهيل حياته.
وقد أشار أمارتيا سن إلى أن التنمية الحقيقية تتعلق بتوسيع قدرات الإنسان وخياراته، بينما ربط بيتر دراكر نجاح المؤسسات بالقيمة التي تضيفها إلى حياة المستفيد. وعند قراءة التجربتين معًا، يتضح أن القيمة الحقيقية للسياسات العامة لا تكمن في عدد المبادرات، وإنما في مقدار التحول الذي تحدثه في حياة الناس.
أما جوزيف ناي فقد لفت الانتباه إلى أن الثقة أصبحت أحد مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين. وهذه الثقة لا تُبنى بالحملات الإعلامية، بل تتراكم من خلال التجارب اليومية التي يعيشها المواطن مع مؤسسات دولته. ومن جانبه، يربط مايكل بورتر تنافسية الدول بكفاءة مؤسساتها، غير أن المؤسسة لا تصبح كفؤة لأنها تعمل بسرعة فقط، بل لأنها تنتج بيئة يشعر فيها الإنسان أن النظام يعمل لصالحه، لا أنه يطالبه بالتكيف معه.
وهنا تبرز خصوصية التجربة السعودية. فالخدمات العامة لم تُقدَّم بوصفها امتيازات تمنحها الدولة، ولا بوصفها استجابة آنية لضغوط اجتماعية، وإنما باعتبارها استثمارًا طويل الأجل في الإنسان. فالإنسان المستقر أكثر قدرة على التعلم، وأكثر استعدادًا للإنتاج، وأكثر ثقة في المستقبل، وهذه كلها عناصر لا تقل أهمية عن أي مؤشر اقتصادي.
ولهذا، فإن العلاقة بين المواطن والدولة في التجربة السعودية تتجاوز مفهوم تقديم الخدمة إلى بناء الثقة. فكل سياسة تمس السكن، أو العمل، أو الصحة، أو التعليم، تضيف طبقة جديدة إلى هذه العلاقة. ومع مرور الزمن لا يبقى أثرها في الأرقام فقط، بل يظهر في شعور المواطن بأن مؤسسات وطنه تفهم احتياجاته، وتتحرك لمعالجتها، وتعتبر استقراره جزءًا من نجاحها.
وهنا يكمن الفرق بين الدولة التي تدير مجتمعها، والدولة التي تبني مجتمعها. الأولى تنجح في تسيير شؤون الناس، أما الثانية فتنجح في صناعة شعور جماعي بأن المستقبل مشروع مشترك. وعندما تصل القيادة إلى هذه المرحلة، تصبح الثقة موردًا استراتيجيًا لا يقل قيمة عن الثروات الطبيعية، لأن المجتمعات التي تثق بمؤسساتها تمتلك قدرة أكبر على مواجهة التحولات، واستيعاب التغيير، وصناعة المستقبل.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في التجربة السعودية؛ فالمشروعات الكبرى تغيّر شكل المدن، أما الثقة فتغيّر علاقة الإنسان بوطنه. وعندما يصبح الإنسان حاضرًا في فلسفة القرار، لا في نتائجه فقط، تتحول التنمية من برنامج حكومي إلى تجربة حضارية يعيشها المجتمع بأكمله. عندها لا يكون الوطن مجرد مكان ننتمي إليه، بل فكرة نجدها حاضرة في تفاصيل حياتنا، ونلمسها كلما شعرنا أن بناء الإنسان ظل دائمًا بداية الطريق، وأن الوطن بقي جوهره.