صبحي شبانة
في الشرق الأوسط، لا تُترك الجغرافيا وشأنها، فالخرائط هنا لا تعرف السكون، والحدود لا تعرف الاستقرار، لأن السياسة كثيرًا ما تعيد كتابة ما رسمته الجغرافيا، فكل موجة تعبر البحر تحمل معها احتمالًا جديدًا، وكل أزمة تولد أسئلة أكبر من ساحتها، لأن هذه المنطقة لم تكن يومًا مجرد مساحة تتقاطع فيها الدول، بل نقطة اختبار دائمة لقدرة العالم على حماية مصالحه المشتركة، وما إن يعلو صوت التهديد حتى تبدأ الأسواق في الإصغاء، وتتحرك الحسابات السياسية قبل القطع العسكرية، إذ إن زمن الصراعات لم يعد يقاس بما يجري على اليابسة وحدها، بل بما قد تفرضه المتغيرات الاستراتيجية على حركة التجارة، وثقة المستثمرين، والاقتصاد الدولي، ولهذا، فإن أي حديث عن مضيق باب المندب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأنًا إقليميًا عابرًا، بل بوصفه فصلًا جديدًا في معادلة تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، في عالم باتت فيه الأزمات المحلية قادرة على إنتاج ارتدادات عالمية فلم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد خطوط ملاحية تعبرها السفن التجارية وناقلات النفط، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي للدول، وأحد أهم أدوات الصراع على النفوذ في المنطقة، فكل تطور عسكري أو سياسي يقع بالقرب من مضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس لا يبقى محصورًا داخل حدود الدولة المعنية، وإنما تمتد آثاره إلى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الدولية، وأسعار الشحن والتأمين، بل وإلى معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم، ومن هنا جاء إعلان جماعة الحوثي الإرهابية عن نيتها فرض حصار بحري على السعودية - وهي لن تكون قادرة على ذلك ليطرح مجددًا تساؤلات جوهرية حول مستقبل أمن الملاحة في البحر الأحمر، وحدود قدرة الجماعة على تنفيذ مثل هذه التهديدات، والأهم من ذلك: ما الذي يعنيه هذا التصعيد بالنسبة لأمن الطاقة العالمي؟.
التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن نجاح أي محاولة لتعطيل الصادرات السعودية عبر البحر الأحمر سيؤدي إلى انخفاض إضافي في إمدادات النفط العالمية قد يصل إلى نحو 7 %، فوق التراجع الذي شهدته الأسواق بالفعل نتيجة التوترات العسكرية في الخليج، والتي أثرت بصورة ملموسة في حركة التجارة والطاقة، ورغم أن هذه الأرقام تعكس سيناريو افتراضيًا يرتبط بقدرة الحوثيين المتهالكة على تنفيذ تهديداتهم بصورة مستدامة، فإن مجرد طرح هذا الاحتمال يكشف حجم الحساسية التي باتت تتمتع بها الممرات البحرية الاستراتيجية، ومدى ارتباط الاقتصاد العالمي باستقرارها.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية منذ سنوات أن الاعتماد الكامل على الخليج العربي في تصدير النفط يفرض تحديات إستراتيجية، خصوصًا في ظل التوترات المتكررة في مضيق هرمز، ولذلك عملت على تطوير منظومة بديلة تعتمد على خط أنابيب شرق - غرب، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير الخام بعيدًا عن مضيق هرمز.
وأصبح ميناء ينبع خلال السنوات الأخيرة أحد أهم المنافذ النفطية في العالم، إذ ارتفعت قدرته التصديرية إلى مستويات كبيرة، بما وفر للمملكة مرونة استراتيجية في إدارة صادراتها النفطية، وخفض من مخاطر الاعتماد على مسار بحري واحد، غير أن هذه المرونة الاستراتيجية اصطدمت بحقيقة جغرافية أخرى، وهي أن السفن المتجهة من ينبع إلى الأسواق الآسيوية لا تزال مطالبة بالمرور عبر مضيق باب المندب، وهو ما يجعل هذا المضيق شريانًا لا يقل أهمية عن مضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية، وهنا تتجلى الأهمية الاستثنائية لباب المندب، فهذا المضيق لا يمثل مجرد معبر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، بل يشكل حلقة الوصل بين قناة السويس والأسواق الآسيوية، وتعبره نسبة معتبرة من التجارة الدولية، بما في ذلك شحنات النفط والغاز والسلع الإستراتيجية.
وأي اضطراب أمني فيه لا ينعكس فقط على حركة السفن، وإنما يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة زمن الرحلات البحرية، وإعادة رسم خطوط التجارة العالمية، وهي تطورات شهدها العالم بالفعل خلال الأشهر الماضية عندما اضطرت شركات الملاحة الدولية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما ترتب عليه ارتفاع كبير في تكاليف النقل، غير أن القراءة السياسية لهذا التصعيد تتجاوز البعد العسكري المباشر، فمنذ سنوات تسعى إيران إلى توسيع نطاق أوراق الضغط التي تمتلكها في المنطقة، بحيث لا يقتصر تأثيرها على مضيق هرمز وحده، وإنما يمتد أيضًا إلى البحر الأحمر عبر الحوثيين في اليمن، وبذلك تصبح الممرات البحرية الحيوية جزءًا من معادلة الردع الإقليمي، بحيث تستطيع طهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، التأثير في أكثر من شريان إستراتيجي للتجارة والطاقة في آن واحد، هذه المعادلة تمنح الصراع بعدًا يتجاوز الساحة اليمنية، إذ يصبح باب المندب جزءًا من المنافسة الإقليمية على النفوذ، وليس مجرد ملف مرتبط بالحرب الداخلية في اليمن، من هنا يمكن فهم التصعيد الحوثي الأخير بوصفه جزءًا من سياق إستراتيجي أوسع، لا يقتصر على التفاعل مع التطورات العسكرية، بل يعكس أيضًا رسائل سياسية تتجاوز حدود اليمن إلى مجمل الإقليم، لكن في المقابل فإن القدرة الفعلية المتهاوية لدى الحوثيين على فرض حصار بحري شامل تختلف كثيرًا عن مجرد إعلان سياسي أو إطلاق تهديد إعلامي.
فالممرات البحرية الدولية تخضع لمعادلات أمنية معقدة، وتوجد فيها قوات بحرية دولية متعددة، كما أن المجتمع الدولي ينظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة عالمية لا تخص دولة بعينها، ولذلك فإن أي محاولة لتعطيل الملاحة بصورة مستمرة أو حتى مؤقتة ستستدعي ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، لأن الضرر لن يقتصر على السعودية، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ومن زاوية أخرى فإن المبررات التي يسوقها الحوثيون بشأن فرض حصار بحري بدعوى وجود حصار عليها تواجه روايات مغايرة تستند إلى بيانات وأرقام أممية، فالمعطيات المتاحة تشير إلى استمرار دخول السفن التجارية والوقود والمساعدات الإنسانية إلى موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف، ووفق منظومة الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش، المستمرة في أداء مهامها منذ عام 2016، فإن حجم الواردات التي استقبلتها الموانئ الخاضعة لهذه المنظومة خلال السنوات الماضية يؤكد استمرار تدفق السلع والبضائع والمساعدات الإنسانية، الأمر الذي يجعل توصيف الوضع بأنه حصار شامل موضع نقاش بين مختلف الأطراف.
وفي ظل هذا التباين في الروايات بين ما يقوله الحوثيون والمرجعيات الدولية، تبقى المرجعية الأهم هي البيانات الدولية الموثقة، لأن قضايا الملاحة والتجارة البحرية ترتبط في النهاية بحقوق ومصالح المجتمع الدولي، وليس فقط بالأطراف المتصارعة، ومن الناحية الاقتصادية فإن أي تصعيد في باب المندب ستكون له تداعيات تتجاوز النفط، فسلاسل الإمداد العالمية لا تزال تعاني آثار الاضطرابات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية - الأوكرانية، وصولًا إلى الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط، ولهذا فإن تعطيل الملاحة في البحر الأحمر يعني ارتفاعًا إضافيًا في تكاليف الشحن، وتأخير وصول البضائع، وزيادة الضغوط التضخمية على الأسواق العالمية، وهو ما لا يرغب فيه الاقتصاد الدولي الذي يسعى إلى استعادة توازنه.
أما بالنسبة للسعودية، فإن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت قدرتها على تطوير بدائل لوجستية واستراتيجية تقلل من آثار الأزمات، سواء عبر تنويع منافذ التصدير، أو تعزيز البنية التحتية للطاقة، أو الاستثمار في حماية المنشآت الحيوية، كما أن المملكة أصبحت تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءًا من أمنها الوطني، وليس مجرد ملف يتعلق بالتجارة البحرية، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لحماية هذا الممر الحيوي، وفي الوقت ذاته فإن استقرار البحر الأحمر يمثل مصلحة عربية ودولية مشتركة، فهذا الممر لا يخدم دولة بعينها، وإنما يربط ثلاث قارات، ويؤثر في اقتصادات عشرات الدول، ويعد أحد أهم الشرايين التي تعتمد عليها التجارة العالمية. وإذا ما نفذت جماعة الحوثي تهديدها فإنها ستجد الردع القوي من القوات السعودية.
ولهذا فإن الحفاظ على أمن باب المندب لم يعد مسؤولية دولة واحدة، بل أصبح مسؤولية جماعية تستوجب تنسيقًا دوليًا مستمرًا، وتعزيزًا لآليات حماية الملاحة، ومنع استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط في الصراعات السياسية والعسكرية.
إن التجارب الحديثة أثبتت أن استهداف الممرات البحرية لا يحقق استقرارًا لأي طرف، بل يضاعف من تكلفة الأزمات على الجميع، ويزيد من هشاشة الاقتصاد العالمي، ويهدد مصالح الدول النامية والمتقدمة على السواء.
ولهذا فإن الخيار الأكثر عقلانية يبقى في تحييد طرق التجارة الدولية عن الصراعات، والحفاظ على حرية الملاحة باعتبارها أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي، لأن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية إقليمية فحسب، وإنما أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاقتصادي العالمي.
اليوم، يقف باب المندب مرة أخرى عند مفترق طرق. فإما أن يبقى جسرًا للتجارة والتنمية والتواصل بين الشعوب، وإما أن يتحول إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية لدى الحوثي الإرهابي، بما يحمله ذلك من تداعيات لا تقف عند حدود اليمن أو السعودية، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي منطقة اعتادت أن تكون الجغرافيا فيها عاملًا حاسمًا في صناعة السياسة، يبقى الدرس الأهم أن حماية الممرات البحرية ليست خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، وأن أمن البحر الأحمر وباب المندب سيظل جزءًا لا يتجزأ من أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي، مهما تبدلت موازين القوى أو تغيرت طبيعة الصراعات.