باسم سلامة القليطي
بالتزامن مع الأصداء العالمية الواسعة التي يحققها فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان، لفت انتباهي الإعلان التشويقي لفيلم «I Play Rocky» وما يحمله من وعود فنية. وللوهلة الأولى بدت المسافة بين العملين بعيدة؛ أحدهما يعود إلى أشهر ملاحم الإغريق، والآخر يروي كفاح ممثل شاب في هوليوود.
لكن كلما تأملت قصة سيلفستر ستالون، ازددت اقتناعاً بأن الملحمة لا ترتبط بزمن أو مكان، بل بالإنسان. فما عاشه ستالون لم يكن أقل إثارة من رحلة أوديسيوس، وإنما تبدلت السفن إلى استوديوهات، والبحار إلى شوارع، والوحوش إلى أبواب مغلقة، بينما بقي السؤال واحداً: هل يصل الإنسان إلى حلمه قبل أن يتخلى عنه؟
ليست الملاحم حكراً على الأساطير، فلكل حضارة حكاية جعلتها رمزاً لمعنى الإرادة. وقد وجد الإغريق ذلك المعنى في «الأوديسة»؛ رحلة رجل قضى أعواماً يصارع البحر حتى يعود إلى إيثاكا.
أما السينما الحديثة، فلها أوديسة أخرى بدأت في شقة متواضعة، مع شاب لا يملك من الدنيا سوى سيناريو كتبه، وإيمان لا يقبل المساومة. لم يكن ستالون يريد أن يبيع قصة «روكي»، بل كان يريد أن يكون روكي نفسه. قد يبدو الفرق بسيطاً، لكنه، كان الفارق بين النجاح والبقاء في ذاكرة السينما.
لم يكن البحر وحده عدواً لأوديسيوس، بل كانت الرحلة نفسها. وكذلك ستالون؛ فالمعركة لم تكن مع منتج أو استوديو بعينه، وإنما مع عالم لا يرى فيه بطلاً. كان يُقال له إن ملامحه لا تناسب الشاشة، وإن صوته مختلف، وإن الجمهور لن يصدقه. ومع كل رفض، كان الطريق يزداد طولاً، لكنه لم يغيّر وجهته. لقد فهم مبكراً أن بعض الطرق لا تُقاس بعدد خطواتها، بل بعدد المرات التي ترفض فيها الاستدارة إلى الخلف. وكانت إيثاكا ستالون الحقيقية أن يقف أمام الكاميرا مجسداً الشخصية التي كتبها بيده.
وفي الأوديسة، لم تكن الأخطار كلها مخيفة، بعضها جاء في صورة إغراء جميل. كانت الحوريات يغنين للبحارة حتى ينسوا وجهتهم، وكانت النتيجة الغرق. والإغراء، في جوهره، لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن حلمه دفعة واحدة، بل أن يستبدله بحلمٍ أسهل.
وفي هوليوود، جاءت الحوريات في صورة عقود مغرية ومبالغ مالية ضخمة عُرضت عليه في وقتٍ كان لا يملك فيه ما يسد به رمقه. كفيلة بإنهاء معاناة شاب مفلس، مقابل شرط واحد: أن يؤدي البطولة ممثل آخر. هنا بلغت الملحمة ذروتها. لم يكن القرار اقتصادياً، بل وجودياً. ماذا يبقى من الحلم إذا تخليت عن جوهره؟ لهذا ربط ستالون نفسه برؤيته كما ربط أوديسيوس نفسه بسارية السفينة، وترك الإغراء يمر، لأنه أدرك أن بعض المكاسب خسارة مؤجلة.
ولعل أكثر ما يجمع أوديسيوس وستالون ندبةٌ لم تمنعهما من البطولة، بل قادتهما إليها. عُرف أوديسيوس بندبة حملها معه من شبابه، بينما حمل ستالون آثار شلل جزئي في وجهه، وطريقة نطق جعلته عُرضة للرفض والسخرية. وما اعتبره كثيرون عيباً، أصبح لاحقاً أكثر ما يميزه.
لم ينتصر لأنه أخفى اختلافه، بل لأنه تصالح معه. وهنا تكمن إحدى أجمل رسائل الفيلم؛ فالبطولة لا تعني أن تكون كاملاً، وإنما أن تُحسن استخدام ما ظنه الآخرون نقصاً فيك.
واللافت أن ستالون لم يكن يكتب بطلاً خيالياً، بل كان يكتب نفسه من دون أن يدري. لهذا جاء «روكي» صادقاً إلى هذا الحد. كانت الشخصية امتداداً لصاحبها، وكانت كل لكمة على الشاشة تستند إلى سنوات من الخيبات خارجها. وحين وقف روكي في مواجهة أبولو كريد، لم يكن الجمهور يشاهد ملاكماً فقط، بل كان يرى إنساناً يطالب بحقه في أن يُمنح فرصة واحدة، وهي الأمنية التي حملها ملايين البشر في لحظة من حياتهم.
لهذا لا يبدو «I Play Rocky» مجرد فيلم عن صناعة أحد أشهر الأعمال السينمائية، بل احتفاء بالرحلة التي سبقت ولادة ذلك العمل. إنه يذكّرنا بأن أعظم الانتصارات لا تبدأ تحت الأضواء، بل في الأيام التي لا يراك فيها أحد، ولا يسمع صوتك أحد، ولا يؤمن بك أحد سوى نفسك.
وربما لهذا بقيت الأوديسة حية منذ آلاف السنين، وبقي «روكي» حياً في ذاكرة السينما. فالناس لا يخلدون القصص لأن أبطالها انتصروا، بل لأنهم يعرفون مقدار ما دفعه أولئك الأبطال قبل لحظة الانتصار.
تتغير الأزمنة، وتتبدل الأسماء، لكن الرحلة تبقى هي الرحلة نفسها؛ إنسان يواجه العالم، ويتمسك بحلمه حتى النهاية.
ولأن كل أوديسة تنتهي بالوصول، يظن الناس أن الرحلة قد انتهت، بينما تكون قد بدأت لتوها في ذاكرة البشر. ولعل هذا هو أجمل ما يوحي به التقاء «الأوديسة» و«I Play Rocky» في موسم سينمائي واحد؛ أن الأساطير لم تنقرض، بل غيّرت لغتها. لم تعد تُروى على لسان شاعر يجلس إلى جوار النار، وإنما على شاشة سينما. ولم يعد أبطالها يعبرون بحر إيجة، بل يعبرون بحار الشك، والفقر، والرفض، حتى يصلوا إلى إيثاكا الخاصة بهم. وهناك فقط، ندرك أن هوميروس لم يكن آخر من كتب الملحمة، وأن أعظم الأوديسات هي تلك التي تُعاش أولاً.. ثم تُروى.