أحمد آدم
عندما يتحول بعض رؤساء الدول وقادتها من غرف التخطيط المكيفة إلى الملاجئ والمروحيات المحصنة، تدرك أن قواعد الاشتباك قد تحطمت للأبد. لم يعد السؤال اليوم عن حجم الدمار الذي أحدثته الضربات الجوية في طهران، بل عن «الجنين المرعب» الذي وُلد من رحم هذا القصف: «الإرهاب الهلامي». إن تحول آلاف العناصر المدربة عقائديًا إلى «ذئاب بشرية» حرة الحركة ينقل العالم من مواجهة «دولة يمكن التفاوض معها أو ردعها» إلى حرب أشباح استنزافية تستهدف الرؤوس الكبيرة في عقر دارها.
أولاً: ولادة الإرهاب الهلامي
إن إسقاط «الرأس» في طهران في بداية الحرب ظنت معه امريكا واسرائيل انه سيمهد طريقا سهلا للنصر. ولم يضعوا في اعتبارهم انه سيكون فى نفس الوقت طريقا لتحول الآلاف من العناصر المدربة عقائدياً وعسكرياً من جيش نظامي له عنوان، إلى «خلايا نائمة» وهلامية. هذه المجموعات ستتسلل إلى قلب أوروبا والولايات المتحدة. وهو ما سينقلنا من مواجهة دولة يمكن ردعها إلى مواجهة «إرهاب عابر للقارات» لا يملكه أحد ولا يمكن ضربه بسلاح نووي. الأسباب التي تجعل ولادة «الإرهاب الهلامي» بعد نهاية الحرب (مهما كانت نتائجها) دقيقة للغاية:
1 - في حال «انكسار أو سقوط النظام الإيراني» (السيناريو الأول)
إذا انتهت الحرب بهزيمة عسكرية للنظام أو تدمير بنيته التحتية: سيتفكك الحرس الثوري الإيراني والمجموعات الموالية له كجيوش نظامية، لكن آلاف الضباط والعناصر المدربة على حرب العصابات والاستخبارات لن يختفوا. التحول التلقائي لخلايا نائمة: سيتحولون مباشرة إلى مجموعات سرية لا مركزية (هلامية). غياب «العنوان القيادي» الواضح في طهران سيجعل من المستحيل على الغرب ضربهم أو التفاوض معهم، حيث ستتصرف كل مجموعة بشكل مستقل وانتقامي.
2 - في حال «بقاء النظام واستمرار الأزمة» (السيناريو الثاني)
إذا انتهت الحرب بتسوية سياسية هشة أو جمود عسكري. ستدرك طهران أن المواجهة العسكرية المباشرة (طائرات، صواريخ، جيوش) مكلفة وغير متكافئة مع الغرب وإسرائيل. تصدير الفوضى عابرة الحدود: كإستراتيجية بديلة، سيعتمد النظام بشكل كامل على تكتيك «الإرهاب الهلامي» عبر تحريك خلاياه العالمية والاغتيالات، وهو تكتيك منخفض التكلفة، يصعب إثباته رسمياً.
3 - الجغرافيا والمحيط الإقليمي بعد الحرب
أي حرب بهذا الحجم ستترك خلفها مساحات شاسعة من الحدود المخترقة والمناطق غير المحكومة في الشرق الأوسط. بيئة خصبة للتسلل: هذه الفوضى ستكون بمثابة «الحاضنة» التي تولد وتترعرع فيها هذه المجموعات قبل أن تتسلل إلى قلب أوروبا والولايات المتحدة، مستغلة شبكات التهريب واللجوء.
خلاصة القول: الحرب النظامية هي مجرد مرحلة مخاض، والجنين الذي سينتج عنها هو «الإرهاب الهلامي». في الحروب التقليدية، يسهل رصد العدو على الخريطة وتوجيه ضربة استباقية له، أما بعد الحرب، فيتحول العدو إلى شبح يملأ الفراغ ويبدأ حرب استنزاف عالمية لا تخضع لقوانين الحروب.
ثانياً: تدشين الإرهاب الهلامي رسميا
الإرهاب الهلامي تم تدشينه رسمياً. عندما أصدر المرشد الجديد مجتبى خامنئي بياناً رسمياً مكتوباً أكد فيه أن الانتقام لدم والده (المرشد الراحل) هو «مطلب وطني وفريضة حتمية» ستتحقق دون شك. وأصدر قائمة اغتيالات بمن قال عنهم بأنهم مسئولين عن اغتيال والده المرشد السابق.
1 - إصدار قائمة الاغتيالات
قائمة الأسماء المستهدفة: تضم القائمة المنشورة بشكل رسمي في طهران 13 شخصية عالمية بارزة: رأس القائمة: دونالد ترامب - بنيامين نتنياهو..
المسؤولون الأمريكيون في القائمة:ماركو روبيو: وزير الخارجية الأمريكي الحالي - بيت هيغسيث: وزير الدفاع الأمريكي - براد كوبر: قائد القيادة المركزية الأمريكية - مايك هاكابي: السفير الأمريكي لدى إسرائيل.
المسؤولون الإسرائيليون في القائمة: يسرائيل كاتس: وزير الدفاع الإسرائيلي - جدعون ساعر: وزير الخارجية الإسرائيلي - إيال زامير: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي.
القادة الأوروبيون في القائمة:إيمانويل ماكرون - جورجيا ميلوني - كير ستارمر - فريدريش ميرتس
ثالثاً: ردود الأفعال حول قائمة الاغتيالات
أثارت «قائمة الانتقام الإيرانية» التي نشرتها صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران ردود أفعال دولية واسعة ومستنفرة؛ حيث تراوحت الردود بين التهديد العسكري المباشر، والاستنفار الاستخباراتي، والقلق الدبلوماسي الأوروبي.
1 - رد فعل ترامب وبيبي نتنياهو
تماثل رد فعل كلا من ترامب ونتنياهو في الحرص الشديد علي تحركاتهم وأخذ التهديدات بعين الاعتبار.
أ - تصريحات ترامب بشأن محاولات اغتياله وإزالة إيران
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كرر هذا التهديد الصارم عدة مرات. فقد صرح رسمياً بأنه في حال أقدمت إيران على أي خطوة حقيقية لاغتياله، فإن الولايات المتحدة «ستمحو إيران تماماً من على وجه الأرض» وستفجر الدولة بالكامل. سياق التهديد: ترامب أكد أنه أعطى تعليمات عسكرية حازمة وصارمة للردع، واعتبر أن أي استهداف لشخصه أو لقادة أمريكيين يعني تجاوزاً للخطوط الحمر يستوجب تدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل.
ب - اختفاء نتنياهو وظهوره النادر
بنيامين نتنياهو يواجه منذ فترة تهديدات استخباراتية وأمنية بالغة الخطورة، خصوصاً بعد إدراج اسمه على رأس قائمة الاغتيالات الإيرانية الرسمية ونشر صورته كهدف مباشر. الوضع الأمني: نتنياهو يخضع بالفعل لبروتوكول حراسة هو الأشد في تاريخ إسرائيل، حيث يقلل من ظهوره العلني المباشر بشكل كبير، وينفذ معظم اجتماعاته الرسمية وإدارته للحرب من ملاجئ محصنة ومواقع سرية تحت الأرض خوفاً من الضربات الصاروخية المباغتة أو عمليات الاغتيال الموجهة.
2 - ردود الأفعال الأوروبية
شكل إدراج القادة الأوروبيين (مثل البريطاني كير ستارمر، الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإيطالية جورجيا ميلوني، والألماني فريدريش ميرتس) في القائمة بزي السجناء البرتقالي صدمة سياسية في العواصم الأوروبية؛ وجاءت ردود أفعالهم عبر مستويين:
أ - التنديد السياسي:
استنكرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا بشدة هذه التهديدات، واعتبرت أن إقحام قادتها في قوائم الاغتيالات يعكس سعياً إيرانياً متعمداً لتوسيع رقعة الصراع جغرافياً وتحويله إلى مواجهة عالمية.
ب - الاستنفار الأمني (الأمن الوقائي):
رفعت أجهزة الاستخبارات الأوروبية (مثل MI5 البريطاني والداخلية الفرنسية والألمانية) من درجة مراقبتها للمراكز والجمعيات التي تُدار كواجهات ثقافية أو دينية موالية لطهران في أوروبا، خوفاً من استخدامها كمنصات لوجستية لتنفيذ هجمات انتقامية، وكذا تحسبهم لـ«الإرهاب الهلامي» الذي يخشون ألا يجدوا طرفاً مركزياً يحاسبونه عليه إذا وقع.
هذه الردود مجتمعة أثبتت أن القائمة لم تُعامل دولياً كمجرد «بروباغندا» أو حرب نفسية، بل كإعلان رسمي عن بدء مرحلة «حروب الظل المفتوحة» التي نقلت قادة العالم من غرف التخطيط إلى مربعات الحذر الأمني الشخصي الشديد.
رابعاً: «الوقود البشري» والتنظيمي الذي سيغذي ظاهرة الإرهاب الهلامي
نحن هنا نتحدث عن الحرس الثوري وقوات الباسيج وهي مؤسسات عقائدية ضخمة مدربة ومنظمة ومستعدة للتحول التلقائي إلى نمط «حروب الظل» عابرة الحدود وتمتلك إيران بالفعل البنية التحتية لإنجاح هذا النموذج:
1 - الحرس الثوري و»الذئاب المنفردة العسكرية»
الولاء الدستوري والعقائدي للحرس الثوري ليس للدولة أو الحدود، بل لـ «منصب الولي الفقية» (المرشد). مقتل المرشد يمثل بالنسبة لهم صدمة عقائدية وجودية، ويحول الانتقام إلى فرض عين وواجب ديني يتجاوز أوامر الحكومات السياسية.
الاحترافية والخبرة: هؤلاء ليسوا هواة؛ بل يمتلكون تدريباً عسكرياً متقدماً على استخدام المتفجرات، التخفي المخابراتي، الاختراق الإلكتروني، وإدارة شبكات التهريب الدولية. تحول عناصر من «فيلق القدس» (الجناح الخارجي للحرس) إلى مجموعات اغتيال صغيرة أو «ذئاب منفردة» يعني أن الغرب سيواجه قناصين وخبراء متفجرات على أعلى مستوى احترافي في عقر دارهم.
2 - قوات الباسيج (قوات التعبئة الشعبية)
يبلغ تعداد الباسيج ملايين الأفراد المنتشرين في كل حي وجامعة ومؤسسة داخل إيران وخارجها. موجات الاندفاع العقائدي: إذا كان الحرس الثوري يمثل «الكيف» (الاحترافية العسكرية)، فإن الباسيج يمثل «الكم» (الموجات البشرية الاندفاعية). من هذه القوات ستنطلق موجات إرهاب هلامي غير متوقعة؛ فقد يكون عنصر الباسيج طالباً أو عاملاً أو لاجئاً في أوروبا، يتحرك فجأة لتنفيذ عملية انتحارية أو هجوم محلي بدافع الانتقام الديني، مما يجعل رصدهم إستخباراتياً مستحيلاً قبل التنفيذ.
3 - «جاهزية الشبكة» قبل الحرب
إيران تتميز عن غيرها من الدول التي سقطت أنظمتها (مثل العراق أو ليبيا) بأنها لم تكن دولة تقليدية، بل كانت «دولة وشبكة في آن واحد». الخلايا الجاهزة: طوال عقود، زرعت طهران خلايا نائمة في أوروبا، أمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وجهزت خطوط إمداد مالي ولوجستي مستقلة عن البنوك الرسمية. الانطلاق التلقائي: بمجرد غياب المركز أو تدمير العاصمة، لن يحتاجوا إلى أوامر جديدة؛ فالقائمة وُزعت بالفعل (ترامب، نتنياهو، ورؤساء أوروبا) ، والشبكة مبرمجة سلفاً على التحرك الذاتي عند غياب «الرأس».
4 - آليات تمويل الارهاب الهلامي
آلية التمويل هي العصب الحسي الذي يمنح «الإرهاب الهلامي» قدرته على البقاء والتخفي؛ فبدون تمويل مرن وسري، ستجف هذه الخلايا وتنتهي. لكي ينجح هذا النموذج، يجب أن يكون التمويل «لامركزياً» و»مشفرًا» بحيث يغذي الخلية المستهدفة دون أن يترك خلفه خيطاً يقود إلى الشبكة الأم أو يفضح كا مل التشكيل.
أ - شبكات «الحوالة» التقليدية والسرية
الاعتماد على الظل: لن تستخدم هذه الخلايا البنوك الرسمية أو نظامات التحويل الدولية مثل (SWIFT) بدلاً من ذلك، ستعتمد على نظام «الحوالة» التقليدي المنتشر في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.
سرية مطلقة: يقوم هذا النظام على الثقة الشفهية والقيود الورقية المشفرة بين صرافين محليين. تنتقل الأموال من بلد إلى آخر دون أن تحول ماليًا عبر الحدود الفعليّة، مما يحرم أجهزة الاستخبارات من أي «أثر رقمي» لملاحقة مصادر المال أو معرفة هوية المستلم.
ب - العملات الرقمية المشفرة الموجهة للخصوصية
تجاوز الرقابة: ستحل العملات المشفرة محل العملات الورقية. لن يقتصر الأمر على البيتكوين (الذي يمكن تتبع محافظه أحياناً)، بل سيتجهون إلى عملات تركز على التعمية والخصوصية المطلقة مثل (Monero) أو (Dash).
تمويل بكبسة زر: يمكن لخلية في قلب واشنطن أو باريس تلقي مئات الآلاف من الدولارات عبر محفظة رقمية مشفرة في ثوانٍ، واستبدالها بنقد محلي عبر وسطاء، لتغطية تكاليف السلاح، السكن، أو تزوير الوثائق دون كشف هوية الممول.
جـ - «الاكتفاء الذاتي» والجريمة المنظمة العابرة للحدود
التحول إلى شبكات مافيا: يمتلك الحرس الثوري الإيراني بالفعل، عبر شبكاته الخارجية، علاقات قديمة وممتدة مع كارتيلات المخدرات في أمريكا اللاتينية وشبكات التهريب في أفريقيا وأوروبا.
التمويل الذاتي اللامركزي: عندما ينقطع المدد المباشر من طهران، ستتحول كل مجموعة هلامية إلى «مشروع تجاري غير مشروع» قائم بذاته. ستمول الخلايا عملياتها محلياً عبر( تهريب المخدرات والسجائر - غسيل الأموال عبر مشاريع صغيرة (مطاعم، شركات شحن، معارض سيارات مستعملة) - القرصنة الإلكترونية وفديات برامج الفدية هذا الاكتفاء الذاتي يجعل الخلية منفصلة مالياً عن المركز، وإذا سقطت خلية أو كُشفت، لا يسقط معها باقي التنظيم).
د - استغلال الواجهات القانونية والتبرعات
تعتمد الشبكات الهلامية على تأسيس جمعيات خيرية وهمية، أو مراكز ثقافية ودينية في الغرب تحظى بحماية القانون وحرية النشاط. التمويل المتخفي: تتدفق الأموال تحت غطاء «تبرعات» أو «أعمال إغاثية»، ليتم سحبها لاحقاً كنقد (Cash) واستخدامها في تمويل «الذئاب البشرية» ومجموعات الاغتيال.
خامساً: عجز الأجهزة المخابراتية والأمنية
العائق الأساسي الذي سيواجه أجهزة الاستخبارات العالمية (مثل CIA والموساد والأجهزة الأوروبية) ليس ضعف إمكانياتها، بل هو «عدم توافق أدواتها التقليدية مع طبيعة العدو الجديد». الأجهزة الأمنية الغربية مصممة ومبرمجة لمواجهة أعداء بـ «هياكل واضحة»، وأمام الإرهاب الهلامي ستجد نفسها في حالة شلل شبه تام لعدة أسباب استراتيجية:
1 - العجز عن «ضرب مركز الثقل»
أجهزة الاستخبارات تعتمد في حروبها على تحديد «الرأس» لتدميره أو «مقر القيادة» لقصفه. في حالة الإرهاب الهلامي، لا يوجد مقر قيادة، ولا أرشيف مركزي، ولا خطوط إمداد عسكرية تقليدية. غياب «المركز» يعني أن ضربات المخابرات ستكون مثل «من يطعن الماء»؛ لن تؤدي إلا إلى تشتيت العدو وزيادة مرونته بدلاً من القضاء عليه.
2 - فشل منظومات «التجسس الرقمي والذكاء الاصطناعي»
أنفقت الدول الغربية مليارات الدولارات لتطوير برمجيات تجسس (مثل بيغاسوس الإسرائيلي) وأنظمة الذكاء الاصطناعي لمراقبة الإنترنت والاتصالات. العمى الاستخباراتي: الخلايا الهلامية المنبثقة من الحرس الثوري والباسيج مدربة على العمل بأساليب بدائية مشفرة (عبر البريد البشري، واللقاءات الشفهية، واستخدام الشيفرات التقليدية، ونظام الحوالة النقدية). هذا السلوك الأمني يحرم خوارزميات التجسس الغربية من البيانات ويجعلها تصاب بـ«العمى الإلكتروني».
3 - معضلة «الذئاب البشرية» المحلية
العناصر التي ستتحرك في أوروبا وأمريكا لن تأتي بالضرورة عبر الحدود بشكل يثير الشبهات؛ بل الكثير منهم هم بالفعل مواطنون يحملون جنسيات غربية، أو طلاب، أو رجال أعمال يعيشون في الغرب منذ سنوات كـ «خلايا نائمة». عندما يقرر أحدهم التحول إلى «ذئب بشري» وتنفيذ عملية اغتيال أو تفجير بناءً على دافع عقائدي داخلي دون تلقي أمر مباشر من أحد، يصبح من المستحيل على الأمن الوقائي رصده أو منعه قبل التنفيذ.
4 - القوانين الغربية كـ«ثغرة أمنية»
تواجه الأجهزة الأمنية في أوروبا والولايات المتحدة قيوداً قانونية وحقوقية صارمة تتعلق بالخصوصية، حرية الحركة، وحقوق الإنسان. الخلايا الهلامية تدرك هذه الثغرات وتستغلها بذكاء؛ حيث تتحرك خلف واجهات قانونية (مراكز ثقافية، جمعيات، شركات تجارية) تحميها القوانين الغربية، مما يمنع الأمن من مداهمتها أو مراقبتها دون أدلة قاطعة، والتي غالباً لا تتوفر إلا بعد وقوع الكارثة.
5 - تآكل التعاون الإستخباراتي الدولي
في الحروب التقليدية، تبني الدول تحالفات لتبادل المعلومات. لكن عندما تنتشر الخلايا الهلامية في عواصم متعددة وتضرب في نفس الوقت، ستدخل الدول الغربية في حالة من الانكفاء الذاتي لحماية أمنها الداخلي أولاً، مما يضعف التنسيق المشترك ويمنح الخلايا فرصة أكبر للمناورة والتسلل عبر الحدود الأوروبية المفتوحة (شنغن).
سادساً: الارهاب الهلامي يدفع للعودة للخطوط الحمراء
الخوف الشخصي والمباشر من الاغتيال، وتحديداً عجز المنظومات الأمنية فائقة التطور عن حماية «الرؤوس الكبيرة» أمام تهديدات غير مرئية، يمثل خلف الكواليس أداة ضغط سياسي ونفسي هائلة لإنهاء الحرب والبحث عن مخرج سياسي بأي ثمن.
1 - كسر عقيدة «الأمن المطلق» لدى القادة
اعتاد القادة تاريخياً في الدول الكبرى على إرسال الجيوش لخوض الحروب بينما يعيشون هم في أمان تام خلف مكاتبهم المحصنة. انعدام الفارق: عندما تحولت مدن أمريكية وأوروبية إلى ثكنات عسكرية، وأصبح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل يتحركون بمروحيات حربية ومخابئ تحت الأرض، أدركوا أن «كلفة الحرب الشخصية» أصبحت أعلى بكثير من مكاسبها السياسية. هذا الضغط النفسي المستمر يدفع متخذ القرار نحو خيار إنهاء الصراع ليعود لحياته الطبيعية.
2 - معضلة «الردع العسكري» مقابل «الشبح الهلامي»
يمتلك ترامب أقوى جيش في العالم، ويمكنه محو مدن كاملة بضغطة زر. لكنه يدرك في الوقت نفسه أن القنبلة النووية أو الطائرات الشبحية لا يمكنها حمايته من قناص محترف في ملعب رياضي، أو عبوة ناسفة مزروعة في طريق موكبه، أو طرد مسموم يصل إلى بيته. الاستسلام للواقع: غياب القدرة على «ردع الشبح» يجبر القادة في النهاية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب، لأنهم يعلمون أن استمرار العمليات العسكرية النظامية يزيد من شراسة ويأس الخلايا النائمة.
3 - البحث عن «وثيقة الأمان المتبادل»
المقايضة السياسية: لتأمين أنفسهم، سيسعى هؤلاء القادة إلى إنهاء الحرب تحت وضع «التسوية السريعة» التي تضمن تفكيك قائمة الاغتيالات. العودة للخطوط الحمراء: سيقبل ترامب ونتنياهو بصيغة تنهي الحرب حتى لو لم تحقق «النصر الكامل»، مقابل الحصول على تعهدات دولية صارمة وضمانات استخباراتية واضحة تقضي بوقف ملاحقتهم شخصياً وتجميد خلايا الاغتيال العابرة للقارات.
في نهاية المطاف، وتحت وطأة الرعب الشخصي للقادة والضغط السياسي لشعوبهم، سيجبر «الإرهاب الهلامي» المجتمع الدولي على صياغة «معاهدة دولية جديدة» تحظر تماماً الاغتيالات المقصودة لقادة ورؤساء الدول أثناء الحروب. لن تُوقع هذه الوثيقة حباً في السلام، بل رغبة من القادة في حماية رؤوسهم بعد أن يدركوا أن إسقاط «الرأس النظامي» لم يجلب لهم النصر، بل جعلهم أهدافاً مستباحة لشبح بلا رأس يطاردهم في عقر دارهم، ويلغي فكرة الدولة التي يمكن التفاوض معها لإيقاف النزيف.