د. ياسين علي محمد عزي
الأمان هو ما يشعر به الإنسان وهو يعيش حياته، أما الثقة فهي ما يستقر في وعيه بعد أن يختبر ذلك الأمان مرة بعد أخرى، حتى يتيقن أن خلف هذا الاستقرار قيادة تخطط، ومؤسسات تعمل، ورجالًا يسهرون، ومنظومة لا تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ في التعامل معه. الأمان تجربة يعيشها الفرد، والثقة حكم يتكون لديه على قدرة الدولة على صون تلك التجربة واستمرارها.
بهذا المعنى لا تتحدث نسبة 99.86 % عن مستوى الرضا عن خدمة أمنية منفردة، بل عن طبيعة العلاقة التي بنتها الدولة مع المجتمع عبر مسار طويل من الأداء والانضباط والاستجابة. فالثقة لا تصدر بقرار، ولا تصنعها حملة إعلامية، ولا تمنحها الكلمات مهما بلغت بلاغتها. إنها تتكون حين يختبر الإنسان الدولة في تفاصيل حياته الصغيرة قبل مواقفها الكبرى؛ في أمن الطريق، وسلامة الحي، وسرعة الاستجابة، وعدالة الإجراء، وحسن التعامل، وانتظام الخدمة، ثم يكتشف مع مرور الزمن أن هذه التفاصيل ليست حالات متفرقة، بل نمط مؤسسي ثابت يمكن الاعتماد عليه.
لذلك يخبرنا الرقم بأن الأمن في المملكة تجاوز منذ زمن كونه وظيفة تؤديها جهة حكومية، ليصبح ثقافة مجتمعية تمارس كل يوم. فالمواطن والمقيم حين يغادر منزله، أو يقود سيارته بين المدن، أو يرسل أبناءه إلى مدارسهم، أو يمارس عمله، أو يحضر مناسبة عامة، لا ينشغل غالبًا بالسؤال عن مستوى الأمن؛ لأنه يتعامل معه بوصفه حقيقة مستقرة، لا احتمالًا يقلقه التفكير فيه.
هنا تكمن إحدى أعظم صور النجاح؛ فالإنسان لا يتوقف كل صباح ليتأمل سلامة الطريق، ولا يفكر في كل مساء بالجهد الذي يبذل لحماية مدينته، لأن الطمأنينة حين تترسخ تتحول إلى جزء طبيعي من الحياة. غير أن ما يبدو عاديًا في وطن آمن قد يكون حلمًا بعيدًا في أماكن أخرى، وما يعيشه الناس باعتباره حقًا يوميًا تقف خلفه منظومة من التخطيط والتأهيل والجاهزية واليقظة المستمرة.
بعد توفيق الله عز وجل أولًا وآخرًا، لم يكن هذا الواقع وليد المصادفة، ولم تصنعه الظروف وحدها، كما لم يكن نتيجة نجاح عابر يمكن أن يتبدل بتبدل الأحداث. إنه ثمرة مشروع وطني طويل جعل الأمن منذ تأسيس الدولة أساسًا للبناء، ثم واصلت القيادة السعودية تطويره جيلًا بعد جيل، حتى غدا صناعة وطن، لا مجرد جهاز من أجهزة الدولة.
حين نتأمل التجربة السعودية منذ بداياتها، نجد أن الأمن لم يكن مرحلة تمهد للتنمية ثم تنتهي بانطلاقها، بل كان البيئة التي ولدت فيها التنمية نفسها. فالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، لم يبن دولة حديثة فوق أرض مضطربة، بل أعاد أولًا للإنسان ثقته بالمكان، وللطريق حرمته، وللمجتمع انتظامه. وحين اطمأن الناس على أرواحهم وأموالهم، استعادت الحياة قدرتها على النمو، وأصبحت المدرسة والمستشفى والسوق والإدارة ممكنة؛ لأن الأمن سبقها جميعًا وهيأ الأرض التي قامت عليها.
لهذا يصعب فصل الأمن عن التنمية في التجربة السعودية؛ فالعلاقة بينهما ليست علاقة زمنية ينتهي فيها دور أحدهما حين يبدأ الآخر، بل علاقة تكامل مستمر. التنمية تحتاج إلى الأمن لكي تبدأ، والأمن يحتاج إلى التنمية لكي يزداد رسوخًا. فالاستثمار لا يغامر في بيئة مضطربة، والمدرسة لا تؤدي رسالتها في مجتمع يفتقد الاستقرار، والأسرة لا تخطط لمستقبل أبنائها إذا ظل حاضرها مشغولًا بالخوف، والموهبة لا تتفرغ للإبداع حين تستنزفها الحاجة إلى حماية وجودها الأول.
حين صنعت الدولة الأمن، لم تمنع الجريمة أو تحبط التهديدات فحسب، بل منحت الإنسان فرصة أن يوجه طاقته إلى البناء بدل الانشغال بالحماية، وإلى المستقبل بدل الارتهان للمخاوف. وربما كانت هذه الصورة الأعمق لمعنى الأمن؛ أن يتحرر الإنسان من استنزاف القلق، فيتعلم ويعمل ويستثمر ويبدع، لأن ذهنه لم يعد مشغولًا بما يحمي حياته، بل بما يطورها.
مع اتساع الدولة، وتنوع وظائفها، وتعقد التحديات المحيطة بها، تطورت المنظومة الأمنية على نحو يواكب طبيعة المرحلة. فالدول الحديثة لا تواجه نوعًا واحدًا من المخاطر، ولم يعد الأمن يقتصر على حفظ النظام العام أو مكافحة الجريمة التقليدية، بل أصبح يتعامل مع الإرهاب، والجريمة المنظمة، والتجسس، والتهديدات العابرة للحدود، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنى الحيوية، وحماية الاقتصاد الوطني. وهي ملفات تتطلب مؤسسات أكثر تخصصًا، وقرارات أكثر سرعة، وتكاملًا أشد بين أجهزة الدولة.
في هذا الإطار جاء إنشاء رئاسة أمن الدولة عام 2017 في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله. ولم يكن القرار مجرد إعادة توزيع للاختصاصات أو نقل بعض القطاعات من جهة إلى أخرى، بل عبّر عن مرحلة متقدمة في الفكر المؤسسي السعودي؛ إذ اتجهت الدولة إلى مزيد من التخصص، ووضوح المسؤوليات، وتكامل الأدوار، بما يرفع كفاءة الأداء ويمنح كل مؤسسة قدرة أكبر على التركيز في مهامها الأساسية.
تكمن أهمية هذا التحول في أنه لم يفصل الأمن عن التنمية، بل أعاد تنظيم العلاقة بينهما بصورة أكثر نضجًا. فقد أصبحت المهام المرتبطة بأمن الدولة ومكافحة الإرهاب والتجسس أكثر تركيزًا داخل جهاز متخصص، فيما أتيحت لوزارة الداخلية مساحة أوسع لتطوير الخدمات الأمنية والمدنية التي تمس حياة المواطن والمقيم بصورة مباشرة. وهكذا لم تكن إعادة الهيكلة غاية إدارية في ذاتها، وإنما وسيلة لرفع الكفاءة، وتسريع القرار، وتحسين جودة الخدمة، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع المخاطر المتغيرة.
يعكس ذلك فهمًا عميقًا لطبيعة الدولة الحديثة؛ فكلما اتسعت مسؤولياتها ازدادت حاجتها إلى التخصص المؤسسي. وتعدد المهام داخل جهة واحدة قد يبدد التركيز أو يبطئ القرار، بينما يتيح وضوح الاختصاص لكل مؤسسة أن تتقن مجالها، وأن تتكامل مع بقية المؤسسات ضمن منظومة تعمل لهدف واحد، وإن اختلفت وظائفها وأدواتها.
تظهر هذه الفلسفة بصورة أوضح عند قراءة مستهدفات رؤية السعودية 2030؛ إذ لم تنظر الرؤية إلى الأمن بوصفه ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد أو جودة الحياة أو الاستثمار أو السياحة، وإنما جعلته شرطًا مؤسسًا لنجاح تلك القطاعات جميعًا. فالمدينة التي تطمح إلى أن تكون وجهة عالمية لا يكفي أن تمتلك بنية تحتية متقدمة، بل ينبغي أن تمنح سكانها وزوارها شعورًا دائمًا بالأمان. والاقتصاد الذي يستهدف استقطاب الاستثمارات النوعية يحتاج إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وقوانين موثوقة، وخدمات تستمر في الظروف العادية والاستثنائية.
لم يعد الأمن في المملكة وظيفة تسبق التنمية ثم تقف خارجها، بل أصبح جزءًا من بنيتها الداخلية. فعندما تخطط الدولة لإنشاء مدينة جديدة، أو تطوير وجهة سياحية، أو استضافة حدث عالمي، أو إطلاق مشروع اقتصادي ضخم، تكون اعتبارات الأمن والسلامة وإدارة الحشود واستمرارية الخدمات وحماية البيانات حاضرة منذ مرحلة التصميم، لا إجراءات تضاف بعد اكتمال المشروع.
ومن هذا التكامل تنشأ الثقة الاقتصادية. فالمستثمر لا يضع أمواله في دولة لأنه أعجب بمؤشراتها المالية وحدها، وإنما لأنه يطمئن إلى استقرارها، ويثق بمؤسساتها، ويعرف أن الحقوق مصونة، والقوانين مطبقة، والخدمات قادرة على الاستمرار. الأمن هنا لا يحرس رأس المال بعد دخوله فحسب، بل يسهم في صنع قرار دخوله من الأساس، ويمنح المستثمر أفقًا يستطيع أن يبني عليه خططه لسنوات مقبلة.
ينطبق الأمر ذاته على السياحة؛ فالسائح لا يقرأ التقارير الأمنية قبل كل خطوة، لكنه يبحث عن مكان يستطيع أن يتحرك فيه بحرية، ويستخدم وسائل النقل فيه بثقة، ويقضي وقته من دون أن يتحول القلق إلى رفيق دائم لرحلته. قد لا يرى غرفة العمليات التي تتابع الحركة، ولا الأنظمة التي ترصد المخاطر، ولا الفرق التي تعمل في الخلفية، لكنه يلمس أثرها في انسيابية تجربته، وانتظام الخدمات، وهدوء المكان، وقدرته على الاستمتاع بدل الانشغال بالحذر.
يبلغ الأمن أعلى درجات نضجه حين لا يلفت الانتباه إلى نفسه، لأن الحياة تمضي بصورة طبيعية. فالنجاح الأمني الحقيقي لا يقاس بعدد الإجراءات التي يراها الناس، وإنما بعدد المخاطر التي لم يشعروا بها أصلًا، وبمقدار الطمأنينة التي مكنتهم من الانشغال بحياتهم بدل الانشغال بحماية حياتهم.
وتبرز هذه الفلسفة بأوضح صورها في مواسم الحج والعمرة، حيث لا تدير المملكة تجمعًا بشريًا ضخمًا فحسب، بل تشرف على واحدة من أكثر العمليات التنظيمية تعقيدًا في العالم. فالحاج لا يحتاج إلى الأمن أثناء أداء المناسك وحدها، وإنما منذ لحظة وصوله إلى المملكة، مرورًا بتنقله وسكنه ورعايته الصحية وإدارة حركته بين المشاعر، حتى يغادر سالمًا مطمئنًا.
لا يمكن فهم نجاح الحج بوصفه نجاحًا أمنيًا منفردًا، ولا صحيًا أو خدميًا فقط، بل نموذجًا وطنيًا متكاملًا تتعاون فيه المؤسسات الأمنية والصحية والخدمية والتقنية واللوجستية ضمن منظومة واحدة. وتتقاسم الجهات المسؤولية، وتتبادل المعلومات، وتبني قراراتها على التخطيط والاستباق، حتى يصبح نجاح كل جهة مرتبطًا بنجاح بقية الجهات.
تكاد تجربة الحج تختصر الفلسفة السعودية في إدارة الأمن؛ لأنها تكشف أن حماية الإنسان لا تبدأ عند وقوع الخطر، وإنما قبل ذلك بوقت طويل. فما يراه الحاج من انسيابية الحركة، وانتظام التفويج، وسرعة الاستجابة، ودقة التنظيم، ليس سوى النتيجة الظاهرة لعمل مؤسسي يمتد أشهرًا قبل بدء الموسم، وتختبر فيه الخطط والفرضيات والاستجابات، حتى يصل المشهد إلى الإنسان هادئًا، رغم ما يقف خلفه من جهد وتعقيد.
وقد تجلى هذا المعنى بصورة لافتة خلال جائحة كورونا، حين اتخذت المملكة قرارات مبكرة لحماية الإنسان، رغم ما حملته من أعباء اقتصادية وتنظيمية. جاء تعليق الدخول لأغراض العمرة وزيارة المسجد النبوي في وقت مبكر من انتشار الوباء، ثم أقيم الحج بأعداد محدودة ضمن إجراءات صحية وتنظيمية استثنائية. ولم يكن القرار يسيرًا على دولة تتشرف بخدمة ملايين الحجاج والمعتمرين، لكنه جسد فلسفة راسخة مفادها أن الإنسان هو الغاية التي تتشكل من أجلها السياسات، وأن حماية الأرواح مقدمة على كل اعتبار آخر.
لم تكن تلك القرارات استجابة متأخرة لضغط الواقع، بل تعبيرًا عن قدرة الدولة على استشراف المخاطر وتحمل مسؤولية القرار في الوقت المناسب، حتى عندما يكون الانتظار أسهل أو أقل كلفة في ظاهره. هنا يظهر الفرق بين إدارة تتحرك بعد أن تفرض الأزمة شروطها، ودولة تبني سياساتها على الاستعداد لما قد يحدث قبل أن يحدث.ومع تغير طبيعة الحياة، لم تعد القدرة على الاستباق مقتصرة على الميدان التقليدي للأمن. فقد أصبحت هوية الإنسان، وخدماته، وسجلاته، ومعاملاته، وحقوقه، وعلاقته بمؤسسات الدولة، تدار بدرجة متزايدة داخل بيئة رقمية مترابطة، حتى غدت التقنية جزءًا من البنية اليومية للحياة، لا مجرد وسيلة إضافية لتقديم الخدمة.
اتسع مفهوم الحماية تبعًا لذلك. فلم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بالأمان في المكان الذي يسير فيه وحده، بل أصبح يحتاج إلى أن يثق أيضًا بالمنظومات التي تحفظ بياناته، وتصون هويته، وتحمي معاملاته، وتمكنه من إدارة شؤونه اليومية دون أن تصبح التقنية مصدرًا جديدًا للقلق. انتقلت الحماية من صون المكان إلى صون الحقوق والهوية والبيانات والخدمات، من غير أن ينفصل أحد المجالين عن الآخر.
تقدم منصة «أبشر» مثالًا واضحًا على هذا التحول. فقيمتها لا تكمن في اختصار الوقت أو تقليل الحاجة إلى مراجعة المقرات الحكومية فقط، بل في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمؤسسة. أصبحت الدولة أقرب إلى المواطن والمقيم، والوصول إلى الخدمات أيسر، والهوية الرقمية مدخلًا موثوقًا لإنجاز المعاملات، بدل أن تبقى الوثائق الورقية وتعدد المراجعات مصدرًا للتأخير والقلق.
يحمل هذا التحول بعدًا نفسيًا لا يقل أهمية عن بعده التقني. فكل خدمة تنجز بسهولة، وكل معاملة تتم بموثوقية، وكل إجراء يصل إليه الإنسان من هاتفه، يعزز داخله شعورًا بأن النظام يعمل من أجله، وأن التقنية لم تزده بعدًا عن مؤسساته، بل جعلتها أقرب إليه وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجاته.
لهذا لم يعد الأمن السيبراني شأنًا تقنيًا يخص المختصين وحدهم، بل أصبح امتدادًا طبيعيًا للأمن الوطني. فتعطل منصة حكومية لا يعني توقف خدمة إلكترونية مجردة، وإنما قد يمس مصالح آلاف الأسر، ويعطل أعمال الشركات، ويؤخر حقوقًا يعتمد الناس عليها. كما أن حماية البيانات لم تعد حماية لمعلومات صامتة، بل حماية لهوية الإنسان وخصوصيته وحقوقه وثقته في مؤسسات وطنه.
جاء اهتمام المملكة ببناء منظومة وطنية متقدمة للأمن السيبراني باعتباره جزءًا من مشروع التحول الوطني، لا استجابة طارئة لتطور التقنية. فالاقتصاد الرقمي لا ينمو في بيئة لا يثق الناس بأمنها، والمدن الذكية لا تؤدي رسالتها إذا كانت أنظمتها عرضة للاختراق، والخدمات الحكومية لا تحقق غاياتها إذا افتقدت الموثوقية والاستمرارية.
يتكامل ذلك مع تطوير أدوات العمل الأمني الميداني عبر مراكز العمليات الأمنية الموحدة، والاستفادة من تحليل البيانات، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتعزيز ترابط المعلومات بين الجهات المختصة، بما يرفع جودة القرار وسرعة الاستجابة. ولا تكمن قيمة هذه الأدوات في حداثتها التقنية فحسب، وإنما في قدرتها على نقل الأمن من رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ومن معالجة الحدث بعد وقوعه إلى توقع المخاطر والحد من آثارها قبل أن تتفاقم.
غير أن تطور التقنية لا يلغي الدور الإنساني لرجل الأمن، بل يمنحه أدوات أكثر كفاءة لأداء رسالته. فرجل الأمن هو الوجه الذي يلتقي به المواطن والمقيم في الميدان، والصورة التي يختبر الناس من خلالها عدالة الدولة وانضباطها وإنسانيتها. لذلك لم تكن الثقة المرتفعة انعكاسًا للأنظمة والتقنيات وحدها، بل ثمرة التقاء الكفاءة المؤسسية بالبعد الإنساني في أداء الواجب.
المجتمع لا يثق بالمؤسسة الأمنية لأنها تمتلك أدوات القوة فحسب، وإنما لأنه يختبر عدالة إجراءاتها، وسرعة استجابتها، واحترامها للإنسان، وقدرتها على أن تكون حاضرة حين يحتاج إليها. والثقة بهذا المعنى ليست انطباعًا عاطفيًا عابرًا، بل خبرة اجتماعية تراكمت حتى أصبحت جزءًا من العلاقة الطبيعية بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
لذلك فإن بلوغ الثقة في الخدمات الأمنية 99.86 % لا يعني أن المواطنين والمقيمين راضون عن أداء جهاز بعينه فحسب، بل إنهم يثقون بمنظومة متكاملة أثبتت، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، قدرتها على حماية الإنسان، وصيانة حقوقه، واستمرار خدماته، وإدارة الأزمات بكفاءة، والتطور مع تغير طبيعة التحديات. الرقم لا يقيس تجربة لحظية، وإنما يعكس قناعة راسخة بأن الأمن في المملكة قيمة مستقرة يمكن الاعتماد عليها، لا ظرفًا مؤقتًا يتبدل بتبدل الأحداث.
وهنا تتضح إحدى السمات الفريدة للتجربة السعودية؛ إذ لم يعد الأمن يختزل في مكافحة الجريمة أو حفظ النظام العام، على أهميتهما، بل أصبح ركيزة للتنمية، والاستثمار، وجودة الحياة، والتحول الرقمي، والخدمات الحكومية، والفعاليات الكبرى، واستضافة ملايين الزوار. فحيثما وجدت التنمية، كان الأمن حاضرًا شريكًا في صناعتها، لا حارسًا لها بعد اكتمالها.
ولا ينبغي قراءة هذا الرقم بمعزل عن المسار التاريخي الذي سبق الوصول إليه. فهو ثمرة مشروع بدأ مع توحيد هذه البلاد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، وتعزز عبر مراحل البناء المتعاقبة، ثم واصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، تطويره ضمن رؤية جعلت الإنسان محور التنمية، وجودة حياته غاية من غاياتها، والأمن أحد أهم مرتكزاتها.
بعد توفيق الله عز وجل أولًا وآخرًا، فإن ما تنعم به المملكة اليوم لم يكن وليد المصادفة، ولا نتيجة ظرف إقليمي عابر، بل صناعة وطن؛ أقامتها القيادة على العدل، وربطتها بالتنمية، وأدارتها بالمؤسسات، وطورتها بالمعرفة، ودعمتها بالتقنية، وسهر عليها رجال أمن جعلوا أداء الواجب شرفًا قبل أن يكون وظيفة. ومع مرور الزمن لم يعد الأمن مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل أصبح ثقافة يمارسها المجتمع، ووعيًا يحمي المنجز، وثقة متبادلة بين الإنسان ومؤسسات وطنه.
ولعل أعظم ما تكشفه هذه التجربة أن النجاح الأمني الحقيقي لا يقاس بعدد الأخطار التي تمت مواجهتها فحسب، بل بعدد المخاوف التي لم يعد الناس يشعرون بها أصلًا. فالمرأة التي تتحرك مطمئنة، والأسرة التي تسافر بين المدن بثقة، والطالب الذي يذهب إلى جامعته، والمستثمر الذي يخطط لسنوات مقبلة، والسائح الذي يتجول بحرية، جميعهم يعيشون نتائج منظومة قد لا يرون تفاصيل عملها، لكنهم يلمسون أثرها كل يوم.
لهذا لا يمثل رقم 99.86 % نهاية قصة، بل يعبر عن مرحلة جديدة من نضج التجربة السعودية؛ مرحلة أصبح فيها الأمن معيارًا لجودة الحياة، وأصبحت الطمأنينة جزءًا من الهوية الوطنية التي تتجدد مع كل مشروع، وتترسخ مع كل إنجاز، وتتعمق مع كل خطوة تخطوها المملكة نحو مستقبلها.
لم يكن إعلان وصول الثقة في الخدمات الأمنية إلى 99.86 % خبرًا عابرًا في سجل الإنجازات، بل شهادة على مسيرة وطن جعل، بعد فضل الله وتوفيقه، حماية الإنسان أساسًا للتنمية، والاستقرار شرطًا للتقدم، والثقة ثمرة طبيعية لعقود من العمل المؤسسي المتواصل.
هذه هي الرسالة الأعمق التي يحملها الرقم؛ فهو لا يقيس مستوى الثقة في الخدمات الأمنية فحسب، بل يروي بلغة الأرقام قصة وطن جعل الأمن ثقافة تمارس، والطمأنينة أسلوب حياة، والثقة ثمرة قيادة ومؤسسات ورجال أمن ومجتمع اجتمعوا، بعد توفيق الله عز وجل، على أن يبقى الإنسان في المملكة آمنًا وهو يبني، مطمئنًا وهو يحلم، وواثقًا وهو يتطلع إلى المستقبل.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي