جانبي فروقة
شهد عالم الشطرنج في عام 2005 تجربة غيرت الطريقة التي ننظر بها إلى العلاقة بين الإنسان والآلة ففي بطولة الشطرنج الحر (Freestyle Chess) لم يكن اللاعبون مضطرين للاختيار بين العقل البشري أو الحاسوب بل سُمح لهم باستخدام أي مزيج منهما، وكان الجميع يتوقع أن يحسم البطولة أقوى برنامج شطرنج أو أفضل أستاذ دولي مدعوم بأحدث الحواسيب لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا إذ فاز فريق من لاعبين هاويين استخدما عدة برامج شطرنج تجارية وأجهزة عادية لأنهما أتقنا إدارة الحوار بين الإنسان والآلة أكثر من غيرهما، ولاحقًا لخّص غاري كاسباروف الدرس بجملة أصبحت من أشهر ما كُتب عن الذكاء الاصطناع، حيث قال «إنسان متوسط المهارة يعمل مع آلة ضمن عملية جيدة قد يتفوق على آلة أقوى بل وعلى إنسان أكثر خبرة يستخدم التقنية ضمن عملية أسوأ» حيث لم يكن سر الانتصار في قوة الحاسوب بل في جودة التعاون وبعد أكثر من عشرين عامًا تبدو هذه القصة أقرب إلى واقع المؤسسات من أي وقت مضى، فقبل عقد من الزمن كان التحول الرقمي هو العنوان الأبرز في خطط الشركات والحكومات وانتقلت الملفات من الأرفف إلى الخوادم وتحولت النماذج الورقية إلى تطبيقات إلكترونية وأصبح النجاح يقاس بانخفاض التكاليف وتسريع الإجراءات وتحسين تجربة العميل وكان ذلك تحولًا مهمًا لكنه في جوهره لم يغيّر طريقة التفكير، بل غيّر فقط وسيلة تنفيذ العمل أما الذكاء الاصطناعي فيطرح تحديًا مختلفًا تمامًا، إن التحول الرقمي نقل أعمالنا من الورق إلى الشاشة بينما ينقل الذكاء الاصطناعي جزءًا من عمليات التحليل والتفسير والتوقع من العقل البشري إلى الآلة، ولم تعد البرمجيات تكتفي بتنفيذ التعليمات، بل أصبحت تقرأ وتلخص وتقارن وتقترح بل وتكتب وتبرمج وتبتكر حلولًا أولية، وهنا لم يعد السؤال: كيف أستخدم النظام؟ بل أصبح: كيف أفكر مع النظام؟ والفرق يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة يعيد تعريف طبيعة العمل نفسه، ففي الماضي كان الموظف يتعلم أي زر يضغط وأي نموذج يملأ، وأي إجراء يتبع، أما اليوم فعليه أن يعرف كيف يصوغ السؤال وكيف يمنح الذكاء الاصطناعي السياق الصحيح، وكيف يميز بين إجابة صحيحة وأخرى تبدو مقنعة لكنها خاطئة، ومتى يثق في مخرجات الآلة، ومتى يتدخل بخبرته وحكمه المهني لهذا السبب بدأت كثير من المؤسسات تكتشف أن شراء أفضل النماذج لا يضمن أفضل النتائج وتشير دراسات متعددة لماكنزي McKinsey وBoston Consuling Group بوسطن غروب للاستشارات إلى أن نسبة كبيرة من برامج التحول المؤسسي لا تحقق أهدافها ليس بسبب ضعف التكنولوجيا، وإنما بسبب الثقافة المؤسسية والقيادة ومقاومة التغيير وضعف بناء القدرات البشرية، ويتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي فقد أظهرت دراسات حديثة أن كثيرًا من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تحقق حتى الآن أثرًا ماليًا ملموسًا، ليس لأن التقنية فشلت بل لأن المؤسسات أضافتها إلى عمليات قديمة دون أن تعيد تصميم تلك العمليات من الأساس، وهنا يبرز ما يسميه الاقتصادي إريك برينيولفسون «منحنى الإنتاجية على شكل حرف J «فالتقنيات الثورية لا تظهر فوائدها فورًا، لأنها تحتاج أولًا إلى استثمارات غير مرئية في إعادة تصميم الوظائف، وتغيير أساليب الإدارة وبناء المهارات وتطوير الثقافة المؤسسية تمامًا كما أن الكهرباء لم تحدث ثورة في المصانع بمجرد استبدال المحرك البخاري بمحرك كهربائي، بل عندما أُعيد تصميم خطوط الإنتاج بالكامل لتستفيد من خصائصها والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي فهو لا يصنع تحولًا حقيقيًا بمجرد إضافته إلى البريد الإلكتروني أو الاجتماعات أو التقارير، بل عندما يعاد التفكير في العمل نفسه وسؤال أنفسنا ما الذي يمكن للآلة إنجازه؟ وما الذي يجب أن يبقى بيد الإنسان؟ وأين تضيف الخبرة البشرية قيمة لا تستطيع الخوارزميات تعويضها؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع العمليات الجيدة لكنه قادر أيضًا على تسريع العمليات السيئة بل وتسريع انتشار الأخطاء إذا غابت المراجعة البشرية.
ومن هنا تصبح قصة بطولة الشطرنج أكثر من مجرد حكاية رياضية إنها نموذج لطريقة العمل في المستقبل، فالفريق الفائز لم يكن الأذكى ولا الأغنى ولا الأكثر امتلاكًا للتقنية، بل كان الأفضل في توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة، وكان الحاسوب يحسب ملايين الاحتمالات بينما يحتفظ الإنسان بالصورة الكبرى ويقارن ويشك، ويصحح، ويتخذ القرار النهائي، وهذا هو جوهر ما يمكن أن نسميه لياقة العقل البشري حيث إن لياقة العقل لا تعني منافسة الذكاء الاصطناعي في الحفظ أو سرعة الحساب، فهذه معركة حُسمت منذ زمن، بل تعني الحفاظ على القدرات التي تمنح المعلومات معناها من التفكير النقدي، وفهم السياق والقدرة على الشك المنهجي، والحكم الأخلاقي والتعاطف والخيال وربط الأفكار ببعضها و بمعنى آخر إنها القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع التفكير لا لاستبداله، ولهذا قال الاقتصادي ريتشارد بالدوين «إن الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك لكن شخصًا يستخدم الذكاء الاصطناعي قد يفعل ذلك» ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتغير نحو 39 في المئة من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030 وأن يحتاج جزء كبير من العاملين إلى رفع مهاراتهم أو إعادة تأهيلهم، وهذا يعني أن التدريب لم يعد حدثًا يسبق إطلاق النظام ثم ينتهي بل أصبح جزءًا دائمًا من العمل نفسه، فالمهارة الأهم في عصر سريع التغير ليست ما يعرفه الإنسان اليوم، بل قدرته على تجديد ما يعرفه غدًا ويمكننا التعبير عن التحول الجديد بمعادلة بسيطة ( الإنسان x الآلة x الثقافة)، وهي معادلة ضرب لا جمع، لأن الصفر في أي عنصر قد يمحو النتيجة كلها، فتقنية قوية داخل ثقافة تعاقب التجربة لن تنتج ابتكارًا، وموظفون موهوبون داخل عمليات مكسورة لن يحققوا كامل طاقتهم، وذكاء اصطناعي يعمل بلا حوكمة قد يضاعف المخاطر بالسرعة نفسها التي يضاعف بها الإنتاجية لقد كان التحول الرقمي في كثير من المؤسسات مشروعًا يمكن تحديد ميزانيته وموعد إطلاقه ثم الاحتفال بإنجازه.
أما التحول نحو الذكاء الاصطناعي فليس مشروعًا ينتهي بل قدرة تتجدد باستمرار لأن النماذج تتطور والوظائف تتغير والمهارات تتقادم والأسئلة الأخلاقية تصبح أكثر تعقيدًا لذلك لن يكون التفوق في المستقبل لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر بل لمن يستخدمه بحكم أفضل، كما أن نجاح المؤسسات في هذا العصر لن يُقاس بعدد التراخيص التي اشترتها أو بعدد الحسابات التي فُعلت أو حتى بعدد الساعات التي وفرتها بل بجودة القرارات التي أصبحت تتخذها وبقدرة موظفيها على اكتشاف أخطاء الآلة قبل أن تتحول إلى أخطاء المؤسسة، وبقدرتهم على التعلم المستمر في عالم تتغير فيه المهارات بوتيرة غير مسبوقة وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي سيتغير جزء كبير من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل قبل نهاية هذا العقد، وهو ما يعني أن التعلم لم يعد مرحلة تسبق العمل بل أصبح جزءًا من العمل نفسه.
أعيد و أؤكد أن التحول الرقمي منح المؤسسات أعصابًا رقمية تربط بين أجزائها، أما الذكاء الاصطناعي فيمنحها عقلا من حيث القدرة غير المسبوقة على التحليل والتوقع لكن الاتجاه والغاية والحدود ستظل مسؤولية الإنسان، فهو من يحدد أي مشكلة تستحق الحل، وأي قرار يجوز تفويضه للآلة، وأي قيمة يجب ألا تُختزل في خوارزمية، ولهذا قد لا يكون الأصل الأكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي هو أقوى نموذج أو أسرع معالج بل الإنسان الذي يحافظ على فضوله، ويجدد معرفته ويمتلك الشجاعة ليسأل ويشك، ويتحقق ويعرف متى يستفيد من ذكاء الآلة ومتى يستدعي حكمة الإنسان، فالمستقبل كما أثبتت بطولة الشطرنج قبل عقدين لن يكون لمن يمتلك الآلة الأقوى، بل لمن يعرف كيف يبني أفضل شراكة بينها وبين العقل البشري.
** **
- كاتب أمريكي