د. سالم بن محمد آل جفشر
لم تعد السياحة تبدأ من المطار ولا من بوابة الفندق بل تبدأ من الفكرة التي تدفع الإنسان إلى حجز تذكرته واختيار وجهته، فالسائح المعاصر لا يبحث عن مكان يراه فحسب وإنما عن تجربة يعيشها وحدث يشارك فيه وذكرى تدفعه إلى العودة مرة أخرى.
لقد تغير مفهوم السياحة عالميًا فلم تعد المقومات الطبيعية والمواقع التاريخية والمرافق الفندقية وحدها كافية لصناعة وجهة منافسة على الرغم من أهميتها، بل أصبحت الفعاليات والمواسم والبرامج الثقافية والرياضية والترفيهية من أبرز المحركات التي تصنع الطلب السياحي وتؤثر في قرار السفر ومدة الإقامة وحجم الإنفاق وتكرار الزيارة.
ومن واقع تخصص الإعلام والاتصال فإن الوجهة السياحية تتشكل في ذهن الجمهور قبل زيارتها بوقت طويل، فالصورة الذهنية تصنعها الرسائل الإعلامية والمحتوى الرقمي وتجارب الزوار وما يتداوله الناس عبر المنصات، ولذلك لم يعد الإعلام مجرد وسيلة للتعريف بالمكان بل أصبح جزءًا من صناعة الرغبة في السفر وتوجيه السلوك السياحي وبناء الثقة في الوجهة.
وفي هذا السياق أصبحت الفعالية رسالة اتصالية واقتصادية متكاملة لأنها لا تقدم برنامجًا ترفيهيًا فقط بل تنقل صورة عن المدينة وتنظيمها وخدماتها وثقافتها، كما يمتد أثرها إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والخدمات المصاحبة ويمنح الحركة الاقتصادية نشاطًا يتجاوز موقع الفعالية ووقتها.
وقد أصبحت الهيئة العامة للترفيه خلال السنوات الماضية أحد أبرز صناع الحركة السياحية في المملكة العربية السعودية بل يمكن القول إنها صنعت جزءاً كبيرًا من السياحة الحديثة من خلال فعالياتها المتواصلة طوال العام، فلم تعد السياحة مرتبطة بموسم محدود أو إجازة عابرة بل أصبحت قائمة على رزنامة من المواسم والحفلات والمعارض والبطولات والبرامج الثقافية والترفيهية التي صنعت أسباب الزيارة وجددت دوافعها ودفعت الزائر إلى العودة أكثر من مرة.
لم يكن أثر الهيئة محصورًا في تقديم برامج للمتعة وقضاء الوقت بل امتد إلى صناعة الطلب السياحي وتحويل المدن إلى وجهات نابضة بالحياة وإبقاء المملكة حاضرة في اهتمام الجمهور، فالفعالية الناجحة تجذب الزائر وتحرك مرافق الضيافة والنقل والتجزئة وتدعم الإنتاج الإعلامي والتقني والتسويقي وتفتح فرصًا أمام المستثمرين ورواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
بهذا المعنى لم يعد الترفيه قطاعًا منفصلًا عن السياحة بل أصبح أحد أهم أدواتها فالزائر قد يختار المدينة بسبب حفل أو موسم أو معرض أو بطولة ثم يكتشف مقوماتها الطبيعية والثقافية والتراثية ويستخدم مرافقها وخدماتها وينقل تجربته إلى الآخرين، وهنا تتحول الفعالية من حدث مؤقت إلى بوابة تسويقية واقتصادية للمدينة والمنطقة والوطن.
إن استمرارية الفعاليات طوال العام أسهمت في تغيير نمط السياحة داخل المملكة فلم تعد الحركة السياحية تنتظر الصيف أو الإجازات الرسمية بل أصبح لكل شهر برامجه ومناسباته، وأصبح الزائر يجد سببًا متجددًا للسفر وهو ما عزز مفهوم السياحة الدائمة ورفع الطلب على الإيواء والضيافة والنقل والخدمات.
في المقابل تؤدي وزارة السياحة دورًا أساسيًا في تنظيم القطاع وتطوير الوجهات وتحفيز الاستثمار ورفع جودة الخدمات والإشراف على مرافق الضيافة وتأهيل الكفاءات، وبناء بيئة سياحية قادرة على المنافسة والاستدامة وهو دور يمثل القاعدة التنظيمية والتنموية التي لا يمكن أن ينهض القطاع السياحي من دونها.
وعند النظر إلى أدوار وزارة السياحة والهيئة العامة للترفيه نجد أن الجهتين تتحركان في النهاية داخل منتج واحد هو التجربة السياحية، فالوزارة تطور البيئة وتنظمها وتستقطب الاستثمار وترفع جودة الخدمات، بينما تصنع الهيئة جانبًا رئيسًا من دوافع الزيارة والجذب وكلاهما يسهم في تقديم المملكة بوصفها وجهة متكاملة ومختلفة.
من هنا تبدو العلاقة بين السياحة والترفيه أعمق من مجرد تنسيق بين قطاعين فالوجهة التي تعتمد على جمالها الطبيعي وحده قد تستقطب الزائر مرة واحدة، أما الوجهة التي تجدد فعالياتها ومواسمها وبرامجها فإنها تمنحه في كل مرة سببًا جديدًا للعودة وتحول السياحة إلى نشاط اقتصادي مستمر طوال العام.
وهذا التكامل لا يرفع أعداد الزوار فقط بل يخلق وظائف جديدة للشباب والفتيات ويحفز المنشآت الصغيرة والمتوسطة ويجذب الاستثمار وينشط قطاعات النقل والضيافة والتجزئة والثقافة والإنتاج الإعلامي والتقني، كما يمنح المجتمعات المحلية فرصًا أوسع للنمو والمشاركة.
كما يمكن للتكامل والتنسيق أن يسهم في بناء روزنامة وطنية موحدة للفعاليات تراعي المزايا النسبية لكل منطقة وتمنع تداخل المواعيد وتوزع المواسم بما يحقق الاستفادة من البنية التحتية ومرافق الضيافة، ويدعم المناطق التي تمتلك مقومات سياحية واعدة لكنها تحتاج إلى فعاليات وبرامج اتصالية تضعها على خريطة الاهتمام السياحي.
ومن منظور الاتصال المؤسسي فإن تعدد الجهات المرتبطة بالمنتج السياحي يحتاج إلى أعلى درجات التنسيق، وهذا ما يتحقق في بلادنا لأن تباين الرسائل أو تشتت الحملات قد يضعف أثرها، بينما يؤدي التنسيق الرؤية الاتصالية والتسويقية إلى بناء هوية أكثر وضوحًا للوجهة السعودية ويمنحها قدرة أكبر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وانطلاقًا من هذا الواقع وحيث إن السياحة والترفيه يعملان على صناعة التجربة نفسها ويستهدفان الجمهور نفسه ويسهمان في بناء الصورة الذهنية نفسها، فإن التنسيق والتعاون القائم هو ما أبرز هذا النجاح الذي نراه في بناء منظومة تدير المنتج السياحي الحديث بوصفه تجربة واحدة لا تنفصل فيها الفعالية عن الوجهة ولا التسويق عن الخدمة ولا الاستثمار عن جودة التجربة.
لقد أثبتت التجربة السعودية أن هيئة الترفيه لم تصنع فعاليات ناجحة فحسب بل أسهمت مباشرة في صناعة السياحة وتحريكها واستمرارها طوال العام، كما أثبتت وزارة السياحة قدرتها على بناء الإطار التنظيمي والاستثماري الذي يحتضن هذا الحراك ويحوله إلى قطاع اقتصادي مستدام. فالسياحة من دون فعاليات قد تجذب الزائر مرة واحدة، أما السياحة التي تصنعها الفعاليات المتجددة فإنها تمنحه في كل عام سببًا جديدًا للعودة.