أ.د.عثمان بن صالح العامر
ليست كل الأفكار التي تتوارثها الأمم تبقى إلى الأبد، فبعض القناعات تتهاوى عندما تصطدم بالعلم الصحيح أو تتنافى مع الأخلاق السامية أو تثبت التجربة الإنسانية ضلالها. لكن هناك أفكار تجذرت طويلًا في بعض المجتمعات حتى بات اقتلاعها مستحيلًا، ومن أكثرها خطورة، وأشدها تغلغلاً في العقل البشري عموما والغربي منه على الخصوص الاعتقاد بتفوق جنس على آخر، وهي الفكرة التي وجدت لها حضورًا في محطات مختلفة من التاريخ الغربي، وبلغت ذروتها في الأيديولوجية النازية التي رفعت شعار «تفوق العرق الآري» على غيره من الأعراق، كما شهدت أوروبا والولايات المتحدة في فترات تاريخية عديدة وقرون استبدادية طويلة أنظمة وممارسات قائمة على التمييز العنصري، تعرض خلالها أصحاب البشرة السوداء للاستعباد والسخرة فيما عرف بتجارة الرقيق وقن الأرض، ثم خضعوا بعد ذلك لقوانين الفصل التي لا تخفى.
ومن داخل المجتمعات الغربية نفسها وخارجها نشأت حركات فكرية وسياسية وحقوقية قادت معارك طويلة ضد العبودية البشرية والعنصرية الآرية، وأسهمت في إلغاء الرق، وطالبت بإقرار المساواة أمام القانون، وتجريم التمييز العنصري، كما أن الفكر النازي الذي مجّد «العرق الآري» هُزم عسكريًا وسياسيًا وأُدين عالميًا بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت رموزه وأفكاره محظورة في عدد من الدول، ومع ذلك، فإن انتهاء القوانين العنصرية لا يعني انتهاء العنصرية ذاتها. فما تزال حوادث الكراهية والتمييز تظهر في بعض المجتمعات الغربية بالذات، وما تزال تقارير المؤسسات الحقوقية ترصد تفاوتًا في فرص العمل والتعليم والعدالة، إلى جانب اعتداءات ذات دوافع عنصرية ضد السود أو الآسيويين أو حتى العرب أو غيرهم، وهذا يدل على أن العنصرية لم تختفِ تمامًا، لكنها لم تعد مبدأً مشروعًا أو سياسةً رسمية كما كانت في مراحل سابقة.
ولعل من المشاهد اللافتة في ختام مونديال كأس العالم مساء الأحد الماضي، ذلك الطفل الأسود الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره، كاين (Keyne)، وهو يعانق أخاه النجم الإسباني الشاب لامين يامال، والكاميرات الغربية تلاحقه، تحاول أن تقرأ ابتساماته، ترصد تحركاته العفوية، وتمنحه مساحة من الاهتمام والتقدير، دون أن يسأل أحد عن لون بشرته.
هذا المشهد أثار لدي سؤالًا مشروعًا: أين ذهبت شعارات التفوق العرقي التي ملأت صفحات التاريخ الغربي؟ أين اختفت تلك النظرة التي كانت ترى لون الجلد معيارًا لقيمة الإنسان؟.
لقد أثبتت كرة القدم، أنها من أقوى الجسور التي تهدم الحواجز النفسية والعرقية، فعندما يصفق الملايين للاعب مثل يامال في المنتخب الإسباني أو كيليان مبابي في المنتخب الفرنسي أو محمد صلاح أو...، فإنهم يصفقون لموهبته، لا للون بشرته أو عرقه أو جنسيته أو لغته أو موطنه الأصلي، وعندما يحتفي العالم بطفل أسود لأنه الأخ المحبوب لأحد نجوم العالم في هذه الرياضة بالذات، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة هي (إن الإنسانية أوسع من تصنيفات اللون والعرق).
إن لون البشرة لم يكن يومًا مقياسًا للعقل، ولا للخلق، ولا للإنجاز، والإنسان يرتقي بما يكون عليه من دين وتقى، وما يحمله من علم ومعرفة وما يتمثله من خلق وسلوك وما يبدعه من عمل وإتقان، لا بما ورثه من لون أو عِرق. وما أجمل أن تكون الملاعب، كما كانت في ذلك المشهد، رسالة عملية تقول باختصار (إن المنافسة تكون في الموهبة، وأن الكرامة الإنسانية لا تعرف لونًا ولا جنسًا ولا عرقًا)، وهذا هو المبدأ الخالد الذي قرره ديننا العظيم (الإسلام) قبل خمسة عشر قرناً من الزمان، وصدق الله القائل سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، وصح عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قوله (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى)، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.