ميسون أبو بكر
والطائرة تمخر عباب السحاب لتستقر فوق سجادة بيضاء من الغيم يطوقها الشفق الأحمر في لحظات الشروق قبل ان يستحيل الفضاء أبيضا لا شائبة فيه؛ تسابقت الأفكار داخل رأسي المثقل بكثير من المشاهد التي مرت بي في رحلتي إلى واشنطن و لكسنتجتون ( كنتاكي) مدينة الخيول والغزلان والمراعي الخضراء حيث لا أريد عقد أي مقارنة لكن أريد أن أكتب للقارئ الكريم بعضا مما راودني من أفكار وما مرّ بي من أحداث.
لأن السفر متعة منذ أن كانت الرحلة الأولى بعد الوعي التي خرجت فيها من محيطي وعالمي إلى عالم فسيح لا يشبه هدوء مدينتي وأحيائها الآمنة وعادات أهلها الكرماء، ثم بعد أن أصبحت أستكشف الحياة خارج نطاق الرحلات التي سافرت إليها من خلال الروايات الأدبية التي أدمنتها والكتب التي حملتنا على بساط الريح، حاولت ما استطعت تأريخ بعض منها بعد أن تعلمت أين ومتى ..لماذا وكيف أسافر وماذا احمل معي وبماذا أعود ، كان المقال سبيلي لتوثيق صغير وسريع للرحلة التي أنقل تفاصيلها بدوري إلى الآخر فكتبت في مقالات متفرقة من سحر الشرق وجمال الغرب، وعادات الشعوب وثقافتهم وطعامهم وحرفهم وموسيقاهم.
السفر هو الذي يغير فيك الكثير ويعلمك فن التعامل مع الآخر وثقافة أن تكون سفيرا مخلصا لوطنك ودينك من خلال تعاملك والصورة التي تنقلها للآخر.
السفر الذي كان بمثابة ثقافة وتجربة عملية منحتني الكثير إضافة للمتعة والاستجمام لأنني كنت أحرص على ماذا يضيف لي ولمخزوني المعرفي، فقد كنت أترجم كل ما أشاهد لكتابة أوثقها بين مقال وقصيدة وإضافة لمذكراتي المتواضعة.
ليس من باب عقدة الانبهار بالآخر، بل من منطلق الاشارة لإيجابياته كنت أكتب، وليس من باب التفاخر بعاداتنا العربية كالكرم والأناقة بل من باب ان أكون مرآة لما يسحر الغرب في الشرق الذي كان حريصا على سبر أغواره، وارقام السياح إلى المملكة العربية السعودية بعد الرؤية وفتح باب السياحة خير شاهد على ما اقول.
أتذكر السيدة الفرنسية في رحلتي بالقطار من فرنسا إلى إيطاليا حين أبدت رايها حول الإسلام وبدأت أقص عليها رأفة نبينا الكريم بعائشة رضي الله عنها واحترامه للمرأة عبر قصة حمله لها على ظهره من وراء السور ليساعدها على رؤية الصبية وهم يلعبون في الخارج ورأيت ملامح وجهها وهي تعبر عن دهشتها حيث كانت تحمل فكرة خاطئة عن الإسلام من بعض ما وصلها من فبركة أو من ممارسات لا تعبر عن ديننا السمح؛ ولولا سفري لما التقيتها وما دار هذا الحوار البسيط في رحلة القطار والذي لم يكن نقاشا دينيا، بل تصحيح لفكرة خاطئة باستدعاء قصة مؤثرة.
ثقافة السفر عند السعوديين اليوم اختلفت عن ذي قبل، منذ زمن كان الشباب يسافر لحضور السينما مثلا ، أو حضور حفلة لفنانهم المفضل؛ بينما في ظل التغير الكبير الذي شهدته المملكة ومواسم الفرح والترفيه ووجود دور سينما عصرية ومذهلة؛ فالسفر في موسم الاجازات والصيف هو لدواعي تغيير الأجواء والتعرف على ثقافات جديدة والتمتع بأجواء صيفية باردة في أحضان أوروبا، ولعل أعداد الموتى في أوروبا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والحرائق يجعلنا نعيد النظر في الوجهة او تغيير موسم السفر لهذه البلاد المنكوبة بحرارة لم تعتد عليها وإمكانات مادية لم تساعد على تجنب درجات الحرارة العالية.
الانسان أهم ما ترتكز عليه السياحة، والانسان السعودي كريم، ومعروف عنه بشهادة الزوار والسياح ترحيبه بالضيف، وحرصه على تقديم تراثه وموروثه وفلكلوره الشعبي المتنوع والحرف المتنوعة التي يتقنها، وكان نتائج ذلك ردود فعل الزوار والسياح على تجاربهم في المملكة، لذلك مواسم السياحة فيها كانت زاهرة وشغف السياح كبير لمواسم الترفيه والاماكن السياحية .
ودائما هناك سباق عالمي لاستقطاب السياح وقد دخلت وجهات جديدة كأوروبا الشرقية واحتفظت مناطق أخرى باستقطابها اعدادا كبيرة من السياح، لذلك لا بد أن تؤخذ تجارب الدول الناجحة في السياحة كنماذج يمكننا الاستعانة بها في مدننا البهية الباهية و إعادة النظر في ارتفاع اسعار الفنادق وتذاكر الرحلات الداخلية هو مطلب مهم، كذلك التركيز على السلع الوطنية والهدايا اليدوية التي يسهل للسائح حملها، وتمثل ارث المملكة العظيم والمتنوع، كما ضرورة توافرها في المولات والأماكن السياحية في كل منطقة.
يسعد أصدقائي أن أحضر لهم هدايا تراثية ذات معنى، وأشعر بالفخر عندما أحكي قصتها لهم ثم عندما يزينون بها منازلهم ويخبرون أصدقاءهم بدورهم قصة الهدية.
السفر ثقافة والسياحة صناعة وكلاهما سفارة ورسالة وقصة نجاح ومتعة تبقى وإن انتهت الرحلة ، وسأختم بما بدأت ؛ الخيول ولكسنجتون وكنتاكي وتفاصيل الرحلة سأكتبها في مقال قادم .