د. عبدالحق عزوزي
في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتقارب فيه الشعوب والثقافات على نحو غير مسبوق، لم يعد الحوار بين الحضارات ترفًا فكريًا أو خيارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لضمان الأمن والاستقرار والسلم العالمي. غير أن هذا الحوار لن يحقق أهدافه ما لم يقم على قاعدة صلبة من الاحترام المتبادل، وصون الكرامة الإنسانية، وحماية المقدسات الدينية والثقافية من كل أشكال الازدراء والإهانة والتحريض.
منذ ما يقارب عقدًا من الزمن، وفي إطار منتديات فاس للحوار الحضاري والتنوع الثقافي، دعونا، إلى جانب نخبة من المفكرين والأكاديميين وصناع القرار، إلى ضرورة إرساء آليات قانونية وطنية وإقليمية ودولية تجرّم ازدراء الأديان وخطابات الكراهية الموجهة ضد المعتقدات والرموز الدينية.
وقد قوبلت هذه الدعوة آنذاك بتحفظ من بعض الدول التي اعتبرت أن مثل هذا التوجه قد يمس بحرية التعبير ويقيد الحقوق والحريات الأساسية.
غير أن التجارب الدولية أثبتت أن المشكلة لم تكن يومًا في الحرية ذاتها، وإنما في سوء استعمالها. فالحرية التي تتحول إلى أداة للإهانة والتحقير وإثارة الكراهية تفقد بعدها الإنساني، وتتحول إلى وسيلة لهدم أسس العيش المشترك بدل ترسيخها. فالحقوق، في كل الأنظمة القانونية، تقترن دائمًا بالمسؤولية، ولا يمكن لأي حرية أن تبرر المساس بكرامة الإنسان أو معتقداته أو رموزه الحضارية.
ويبقى السؤال الجوهري: أي حوار نريد؟
إن الحوار الذي تحتاج إليه الإنسانية اليوم ليس مجرد تبادل للآراء أو إدارة للخلافات، وإنما هو حوار يتجذر في الضمير الإنساني، ويؤسس لثقافة الاعتراف بالآخر، ويحول التنوع الديني والثقافي إلى مصدر للإثراء لا إلى سبب للصراع.
إنه حوار محايد، لا ينحاز إلى دين ضد آخر، ولا إلى ثقافة على حساب أخرى، ولا إلى دولة على حساب غيرها، ولا إلى مشروع سياسي أو اقتصادي أو حضاري بعينه. إنه حوار الإنسان مع الإنسان، ينطلق من القيم الكونية المشتركة التي تتجاوز الاختلافات العقدية والثقافية، دون أن تلغيها أو تنتقص منها.
ولذلك، فإن الحوار الحقيقي لا يقوم على محاولة تغيير قناعات الآخرين، وإنما على احترامها. ولا يسعى إلى فرض نموذج حضاري واحد، وإنما إلى تنظيم التنوع الإنساني في إطار من الاحترام المتبادل والتعاون والمسؤولية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن الإنسانية مدعوة إلى ترسيخ مجموعة من الثوابت الكبرى التي ينبغي أن تشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لأي نظام عالمي جديد، وفي مقدمتها:
قدسية الإيمان بالله واحترام جميع الأديان والمعتقدات.
قدسية حياة الإنسان وكرامته وحرياته الأساسية.
قدسية العدل والسلام والتضامن الدولي وحماية البيئة.
قدسية العقل الإنساني، وحق الإنسان في التعليم والصحة والغذاء والتنمية.
لقد جعلت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي العالم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى. فأصبحت كلمة واحدة أو صورة واحدة أو خطاب واحد قادرًا على الوصول إلى ملايين البشر في ثوان معدودة، وعلى إحداث آثار سياسية واجتماعية وأمنية تتجاوز حدود الدولة الواحدة. وأصبح خطاب الكراهية، سواء استهدف الأديان أو الأعراق أو الثقافات، يشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه السلم المجتمعي والأمن الدولي.
لقد شكلت بعض التشريعات الوطنية التي جرّمت الكراهية والتمييز الديني خطوة مهمة في هذا الاتجاه، غير أن التطورات المتسارعة التي يعرفها العالم تفرض الانتقال من المبادرات الوطنية إلى إطار قانوني دولي أكثر شمولًا، يضمن حماية الكرامة الإنسانية في الفضاءين الواقعي والرقمي على السواء.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة فاس، الصادرة عن المؤتمر الدولي «مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي»، الذي احتضنته مدينة فاس بمشاركة أكثر من ألفي شخصية تمثل خمسًا وسبعين دولة، لتؤكد أن مستقبل الإنسانية لن يكون آمنًا ما لم يقترن التطور العلمي والتكنولوجي بمنظومة أخلاقية عالمية تقوم على الحوار بين الحضارات، واحترام التنوع، ومواجهة جميع أشكال الكراهية والتمييز والتطرف.
لقد أكدت رسالة فاس أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الضمير الإنساني، وأن مستقبل الحضارة سيظل رهينًا بالقيم التي تحكم استعمال المعرفة والتكنولوجيا، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، والعدالة، والتسامح، والمسؤولية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن تجريم ازدراء الأديان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قيدًا على حرية التعبير، وإنما باعتباره امتدادًا طبيعيًا لحماية الكرامة الإنسانية وصيانة السلم المجتمعي.