نجلاء العتيبي
هناك قيم لا تُقاس بما يُقال عنها، وإنما بما تصنعه في حياة الناس، والإحسان من تلك القيم التي لا تحتاج إلى مَن يُعرّف بها؛ لأن أثرها يسبق الحديث عنها، وقد تنهض المجتمعات بالأنظمة والموارد والإنجازات، لكن ما يحفظها عبر الزمن هو ما يستقرُّ في نفوس أفرادها من أخلاقٍ تدفع الإنسان إلى أن يرى في نفع غيره مسؤولية قبل أن يراه فضلًا، ومن هنا يغدو الإحسان قوة هادئة تُعزّز الثقة، وتُقوّي الروابط، وتجعل التعاون سلوكًا تلقائيًّا يحضر في تفاصيل الحياة.
ومن يتأمَّل المجتمع السعودي يجد أن الإحسان لا يرتبط بموسمٍ أو مناسبةٍ، وإنما يسري في المواقف اليومية التي تصنع صورته الحقيقية، يتجسَّد في احترام الكبير، والعناية بالصغير، وحفظ حق الجار، وإكرام الضيف، ومساندة المحتاج، والرفق بمن يمرُّ بظرف صعب، وصون كرامة الإنسان عند تقديم العون له، وقد تبدو هذه المواقف متفرقة إذا نُظر إلى كل واحدة منها على حدةٍ، غير أن اجتماعها يصنع ثقافة راسخة، ويمنح الحياة طمأنينة لا تصنعها الإمكانات وحدها.
ولا تنشأ هذه القيم مصادفةً، وإنما تنمو مع التربية والقدوة حتى تصبح جزءًا من السلوك العام؛ فالإنسان يكتسب كثيرًا من أخلاقه مما يراه قبل أن يتعلَّمه بالكلمات، وحين ينشأ وهو يرى الإحسان حاضرًا في بيته، وحيّه، ومدرسته، ومكان عمله، فإنه يمارسه بعفويةٍ، ثم ينتقل أثره إلى من حوله، فتستمر هذه القيمة بين الأجيال محافظة على حضورها ومعناها.
وقد جعل القرآن الكريم الإحسانَ من القيم الكبرى التي تقوم عليها حياة الناس، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}.
وتحمل هذه الآية معنًى واسعًا يجعل الإحسان منهجًا للحياة، يتجلىَّ في حسن التعامل، والعدل، وصون الكرامة، وإتقان أداء الواجب، والإخلاص في العمل، حتى يصبح خُلُقًا ينعكس أثره في الحياة العامة.
وأجمل ما في الإحسان أنه لا يحتاج إلى مناسبةٍ حتى يظهر، ولا إلى إمكانات كبيرة حتى يُمارس؛ فكثير من الأعمال التي تبدو يسيرة قد تُغيّر يوم إنسانٍ، وربما تترك في نفسه أثرًا يمتدُّ طويلًا؛ ولهذا تمتلك المجتمعات التي يشيع فيها الإحسان رصيدًا من الثقة يصعب بناؤه بالقوانين وحدها؛ لأن العلاقات الإنسانية لا تستقيم بالتشريعات فقط، وإنما بما يحمله الناس من رحمة، واحترام، وإحساس بالمسؤولية تجاه بعضهم.
وحين يصبح الإحسان ثقافة، فإنه لا ينعكس على الأفراد وحدهم، وإنما يُعزّز استقرار الوطن بأسره؛ فالثقة تزداد، وروح التعاون تترسَّخ، والانتماء يصبح أعمق؛ لأن الإنسان يشعر بأنه يعيش بين أُناس يقدّرون وجوده، ويحفظون كرامته، فيسعى بطبيعته إلى رد الجميل، والإسهام في بناء مجتمعه.
لهذا يبقى الإحسان من أعظم الثروات التي يملكها أي مجتمع؛ لأنه لا يُقاس بما يُنفق، وإنما بما يتركه من أثر في السلوك والعلاقات، وكلما ترسَّخت هذه القيمة في الحياة اليومية، ازداد المجتمع تماسكًا، واستندت قوته إلى وعي أفراده قبل أي شيء آخر؛ فالأوطان تزدهر بإنجازاتها، وتدوم بقيمها، ويبقى الإحسان رصيدها الحقيقي الذي يحفظ وحدتها، ويمنحها القوة جيلًا بعد جيلٍ.
ضوء
«القيم العظيمة لا تُفرض على الناس، وإنما تنمو بصمتٍ حتى تصبح جزءًا من طباعهم، فيظنُّها من يراها لأول مرة أمرًا وُلد معهم منذ البداية».