د. عيسى محمد العميري
تشكل الاعتداءات الأخيرة والمتكررة التي تتعرض لها دول الخليج العربي من قبل جار السوء إيران.. تحدياً خطيراً للأمن الإقليمي وللنظام القانوني الدولي، ولاسيما عندما تستهدف أراضيها أو منشآتها المدنية أو مرافقها الحيوية. وفي ظل التطورات الأخيرة، برزت دعوات متزايدة إلى ضرورة توظيف الأدوات القانونية الدولية، وفي مقدمتها القضاء الدولي، لمساءلة المسؤولين عن أي اعتداءات تُعد مخالفة لقواعد القانون الدولي، بما يضمن حماية سيادة الدول وردع تكرار مثل هذه الأفعال. ومن هذا المنطلق، فإن اتجاه دول الخليج إلى دراسة الخيارات القانونية المتاحة، بما فيها اللجوء إلى آليات العدالة الدولية متى توافرت شروط الاختصاص، يمثل نهجاً حضارياً يعكس الإيمان بسيادة القانون ورفض اللجوء إلى منطق الانتقام أو التصعيد العسكري. كما أن اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية يرسل رسالة واضحة مفادها بأن النزاعات بين الدول يجب أن تُحسم وفق القواعد القانونية والمواثيق الدولية، وليس عبر القوة أو استهداف المدنيين والبنية التحتية.
لقد أكدت دول الخليج، وعلى رأسها دولة الكويت، خلال العقود الماضية التزامها بسياسة حسن الجوار، والدعوة إلى الحوار، والعمل الدبلوماسي لتخفيف التوترات الإقليمية. كما شاركت في العديد من المبادرات الرامية إلى تقريب وجهات النظر، وسعت إلى دعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما انعكس في مواقفها المعلنة الداعية إلى الحلول السلمية واحترام سيادة الدول. وتشير رسائل رسمية موجهة إلى الأمم المتحدة إلى أن الكويت أكدت أنها انتهجت دائماً سياسة تقوم على الاحترام المتبادل والسعي إلى الحوار مع إيران، وعدّت الهجمات التي تعرضت لها غير مبررة وتمثل انتهاكاً لسيادتها. وفي المقابل، فإن استهداف المنشآت المدنية أو المرافق الحيوية من قبل إيران.. يثير تساؤلات قانونية جدية بشأن مدى توافق هذه الأفعال مع أحكام القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة. وقد أشارت تقارير ودراسات قانونية حديثة إلى أن بعض الهجمات التي طالت دولاً خليجية استهدفت بنى تحتية مدنية، وهو ما قد يفتح الباب أمام المطالبة بالمساءلة القانونية إذا ثبتت المسؤولية وتوافرت المتطلبات القانونية اللازمة.
من المهم الإشارة إلى أن اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية أو أي جهة قضائية دولية يخضع لشروط واختصاصات قانونية محددة، ولا يتم بمجرد الرغبة السياسية، إذ تحكمه قواعد نظام روما الأساسي وغيرها من المبادئ القانونية الدولية. لذلك فإن أي تحرك قانوني يحتاج إلى دراسة دقيقة للأساس القانوني والجهة القضائية المختصة والإجراءات الواجبة الاتباع.
إن تمسك دول الخليج بالقانون الدولي، مع استمرارها في الدعوة إلى الأمن والاستقرار، يعزز صورتها كدول تسعى إلى حماية شعوبها ومصالحها عبر الوسائل المشروعة. كما أن المطالبة بالمحاسبة القانونية لا تستهدف التصعيد، وإنما ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من المسؤولية، وحماية الأمن الإقليمي، وصون الملاحة الدولية، والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي. وفي النهاية، فإن احترام سيادة الدول وعدم الاعتداء عليها يمثلان من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر. وكلما تم اللجوء إلى القانون والمؤسسات الدولية لمعالجة النزاعات، زادت فرص تحقيق العدالة وترسيخ السلام، بما يحفظ حقوق الدول ويمنع تكرار الاعتداءات ويعزز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والعالم. الله احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي