ثمة لحظة ساحرة وفريدة في عالم الفن لا تشبهها أي لحظة أخرى على الإطلاق تلك اللحظة الاستثنائية التي يلمع فيها الإلهام فجأة في ذهن الرسام كشرارة دافئة فيركض بشغف نحو أقرب ورقة أمامه ليمسك بتلك اللحظة الخاطفة قبل أن تطير وتتلاشى هنا وفي هذه المساحة البسيطة والعفوية يولد الاسكتش ليحكي قصة البداية. إنه ليس مجرد خطوط سريعة أو رسومات عابرة تُلقى على هامش الدفتر لكنه النبض الحقيقي والأكثر صدقاً في رحلة كل مبدع والمخطط الأول الذي تنبثق منه الأحلام الكبيرة واللوحات العظيمة. إنه المسودة الحية التي تحتفظ بجميع أسرار الفكرة الشابة قبل أن تكتمل وتقيدها الألوان الزيتية أو الإطارات الفخمة. في هذا الفضاء الورقي المفتوح تتدرب اليد بحرية وتتطور المهارة تدريجياً وتستريح الأفكار العنيفة والمشوشة في دفتر صغير أمين يوثق رحلة الخيال خطوة بخطوة ودون أي تجميل.
ومن قلب الشاطئ الشرقي الجميل، وفي ليلة صيفية ممتعة ومفعمة بالجمال في الرابع عشر من يوليو عام 2026م، فتحت جمعية الثقافة والفنون بالدمام أبوابها لتكتب فصلاً جديداً ومختلفاً كلياً في سجل المعارض الفنية في المنطقة. لم يكن المعرض هذه المرة كالمعارض التقليدية التي تحتفي باللوحات المكتملة أو بالإطارات الفخمة والحديثة التي تزين الجدران إنما كان انحناءة تقدير واحتفاء بالخطوات الأولى وتلك اللحظات البسيطة والصادقة التي أطلت منها الأفكار أول مرة إلى النور. وتحت عنوان «الاسكتش» انطلق هذا المعرض المتميز ليستمر عشرة أيام كاملة يفتح فيها الأبواب واسعة أمام الجمهور العريض ومحبي الفن الأصيل ليتلصصوا بحب وشغف على ما يدور خلف كواليس المراسم ويشاهدوا الجمال في صورته العفوية النقية دون أزياء ثقيلة أو مساحيق تجميلية.
لم تكن المشاركة في هذا الحدث الاستثنائي مجرد تجميع عابر للرسومات بل شهد المعرض إقبالاً واسعاً أظهر بوضوح مدى الشغف الفني الكبير والحرص على المشاركة في المنطقة الشرقية حيث تقدم أكثر من ستين مشاركاً بأكثر من مئة وتسعين عملاً ورقياً متنوعاً وبعد عملية فرز دقيقة واختيار بعناية فائقة من لجنة متخصصّة تنطبق عليها الشروط المعلنة وقع الاختيار على مئة وثمانية وأربعين عملاً فنياً أبدعها أربعون فناناً وفنانة. تنوعت الطرق واختلفت المدارس التعبيرية واجتمعت أجيال مختلفة من الفنانين الشباب والخبرات لتصنع لوحة متكاملة تأسر القلوب والأبصار. وقد هدف المعرض بشكل أساسي إلى تسليط الضوء المكثف على جمال الخطوط الأولى باعتبارها المولد الحقيقي والشرارة المبكرة للفكرة وإبراز الفن الورقي كطريقة صادقة ومباشرة للبوح، إلى جانب خلق مساحة تفاعلية تجمع الفنانين لتبادل الخبرات والتجارب ونشر ثقافة بصرية جديدة تجعل الجمهور يتذوق مراحل صنع اللوحة ويتعلم كيف يقدر الفكرة في رحمها الأول قبل الاكتمال
و أوضح الأستاذ يوسف الحربي، مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام أن المعرض يقدم فكرة جديدة ومختلفة تماماً تعود بالفن إلى أصله الأول ونبع صافٍ فالخط البسيط هو بداية كل إبداع بصري مهما بلغت ضخامته. وما زاد هذا المعرض ثقة وجمالاً فوق جماله هو شجاعة الفنانين المشاركين وتجاوبهم العالي مع فكرة مبتكرة تمثلت في عرض الأعمال الورقية كما هي تماماً دون إطارات زجاجية أو خشبية. لقد أزيلت جميع الحواجز الزجاجية والنفسية لتقف الأفكار وجهاً لوجه وبكل شفافية مع عيون الزوار والمهتمين فبعض هذه الاسكتشات المعروضة كان عبارة عن مشاريع مكتملة الكيان ونفذت بالفعل على لوحات كبيرة، بينما كان بعضها الآخر مجرد أفكار طازجة تنتظر نيل فرصتها المواتية للتنفيذ مستقبلاً، مما يعكس الجوهر الحقيقي لأهداف الجمعية في نشر الثقافة البصرية وتأصيل مفهوم المعرفة الفنية ومد جسور التواصل المباشر بين الفنان والمجتمع.
ولا يقف معرض الاسكتش وحده في هذه الساحة الفنية، بل يأتي كجزء ملهم من نشاط ثقافي متكامل وواسع تنظمه الجمعية ضمن «برنامج اليوم الواحد» بالتعاون والشراكة مع الإدارة العامة للتعليم. وهو حراك روزنامي يستمر ويفتح أبوابه حتى العاشر من أغسطس عام 2026م، ليقدم يومياً ورش عمل مكثفة ومتنوعة تغطي مختلف المجالات الإبداعية؛ بدءاً من الفنون البصرية المتمثلة في التصوير الفوتوغرافي، إنتاج الفيديو، صناعة الأفلام، الرسم بكل أدواته، والخط العربي ، وصولاً إلى الفنون الأدبية والأداء كالمسرح، الكتابة المسرحية، والعزف على مختلف الآلات الموسيقية، مما يشكل بيئة خصبة لاكتشاف الموهوبين ورعايتهم.
وفي نهاية هذه الجولة الملهمة بين أروقة هذا الفن العظيم، نتعلم جميعاً أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى الوصول لمرحلة الكمال المطلق حتى يلامس أرواحنا ويؤثر في نفوسنا فالخط الأول المتواضع والمحاولة التي تسبق النتيجة والتردد الصادق بقلم الرصاص على حافة الورقة هي التفاصيل الحقيقية التي تصنع الفارق في تجربة أي مبدع. ولكل فنان وشغوف يمتلك موهبة بين يديه تذكر دائماً ألا تخاف من الخطأ فكراسة الاسكتش هي ملاذك الآمن والمساحة الحرة لتجربة كل شيء والأخطاء التي ترتكبها هنا هي في الحقيقة اللبنات الأولى التي تصنع أسلوبك الخاص وبصمتك المستقلة في المستقبل
احمل دفترك معك أينما ذهبت وفي كل أوقاتك لأن الإلهام كائن زائر لا يستأذن أحداً ولا تنتظر أبداً اللحظة المثالية أو الظروف المكتملة للتجميل، ارسم وتلقف ما تشعر به أولاً وبشكل مباشر، ثم اترك التفاصيل المعقدة والتحسينات لوقتها اللاحق. وإلى كل شخص يحب الرسم ويمتلك الشغف لكنه لم يجرؤ على البداية بعد: لا تنتظر حتى تصبح رساماً محترفاً أو تمتلك أدوات جبارة كي تشتري دفتر اسكتش بسيط امسك بقلمك الآن دون تردد، وارسم أول خط على الورقة دون أن تشغل بالك بالنتيجة أو بآراء الآخرين واعلم أن كل لوحة عظيمة ومبهرة رأيتها في حياتك كانت في يوم من الأيام مجرد فكرة صغيرة وخجولة عاشت على ورقة بسيطة. ابدأ رحلتك اليوم فدفترك الأبيض بانتظار أن تكتب عليه قصتك.