عمرو أبوالعطا
يعد معالي الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان أحد الركائز الأساسية التي خدمت في الدولة السعودية الحديثة في جانبها الإداري والإعلامي والدبلوماسي، فكان أحد الصناع للتحولات في زمن كانت فيه المؤسسات تتشكل من العدم.
الحديث عن جميل الحجيلان هو حديث عن قرن من الزمان، عاصر فيه سبعة ملوك، وكان شاهداً ومشاركاً في صياغة قرارات كبرى غيرت الإعلام في المملكة العربية السعودية. استطاع هذا الرجل، القادم من خلفية قانونية رصينة وأدب جم، أن يطوع البيروقراطية لتصبح أداة بناء، وأن يحول الإعلام من مجرد اجتهادات فردية إلى مؤسسات راسخة تضاهي نظيراتها في العالم العربي والغربي.
تظهر قيمة الحجيلان في كونه رجل الأولويات؛ فهو أول وزير للإعلام، وأول سفير للمملكة في الكويت بعد استقلالها، وثاني وزير للصحة من غير الأطباء بعد الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ ، وأول أمين عام سعودي لمجلس التعاون الخليجي. هذه الأوليات كانت نتاج تكوين عصامي فريد جمع بين صلابة الانتماء لجذور العقيلات النجدية، وبين الانفتاح الثقافي الذي اكتسبه من دراسته في دمشق والقاهرة، مما جعله الشخصية الأنسب لقيادة دفة الإعلام في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة.
بدأت رحلته في مدينة دير الزور السورية، حيث استوطنت عائلته ضمن هجرات العقيلات النجدية التي جابت الآفاق طلباً للرزق والتجارة. ولد عام 1929م في بيئة تجمع بين خشونة الصحراء وعراقة المدن التجارية، ونشأ في رعاية والده الشيخ إبراهيم الحجيلان، الذي كان واحداً من كبار تجار الخيول والإبل. هذا التكوين المبكر منحه سعة في الأفق وفهماً عميقاً لطبيعة النفس البشرية، إذ كانت مجالس والده تضم نخب المجتمع من تجار وأدباء وشيوخ قبائل. على الرغم من ولادته خارج الحدود الجغرافية للمملكة، إلا أن والده حرص على تسجيله في الأوراق الرسمية كمواليد مدينة بريدة، مسقط رأس العائلة، ليبقى الارتباط بالوطن حياً في وجدان الابن. تلقى تعليمه الأولي في دير الزور، وكان من حسن حظه أن تتلمذ على يد الأديب الكبير الشيخ علي الطنطاوي، الذي غرس فيه عشق اللغة العربية والبيان، وهو ما ظهر جلياً في أسلوبه الخطابي والكتابي لاحقاً. يروي الحجيلان بامتنان كيف كان الطنطاوي يعلمهم قواعد النحو بالإضافة الى روح النص العربي وقدرته على التأثير، وهي المهارة التي سخرها لاحقاً في صياغة الخطاب الإعلامي الرسمي للدولة.
انتقل إلى القاهرة في منتصف الأربعينيات ليلتحق بمدرسة فؤاد الأول الثانوية، ثم كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول التي تعرف اليوم بجامعة القاهرة. في تلك الفترة، كانت القاهرة تموج بالتيارات الفكرية والسياسية، وكان الحجيلان يراقب ويتعلم ويصقل موهبته الأدبية والقانونية. تخرج في عام 1950م كأول سعودي متخصص في القانون من تلك الجامعة، ليعود إلى وطنه محملاً بطموحات كبرى، واضعاً نصب عينيه خدمة الدولة التي بدأت تخطو خطوات واسعة نحو التنظيم والمأسسة في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود. كانت العودة إلى المملكة فارقة في حياته، إذ وجد أرضاً خصبة لتطبيق ما تعلمه، ووجد قيادة تؤمن بأهمية الكفاءات الوطنية الشابة في بناء الدولة الحديثة.
بدأ مسيرته المهنية في وزارة الخارجية بمدينة جدة عام 1951م، وبسبب إتقانه للغتين الفرنسية والإنجليزية وسرعة بديهته، لفت الأنظار إليه سريعاً. كانت اللحظة الفارقة في بداياته هي تكليفه بالترجمة للملك عبدالعزيز في لقاء مع وفد إسباني رفيع المستوى عام 1952م. يصف الحجيلان تلك اللحظة بكثير من الهيبة، حيث وقف الشاب العشريني أمام الملك المؤسس، الذي كان يمثل رمزاً للشموخ والعبقرية القيادية. أدى مهمته بنجاح باهر، مما عزز ثقة المسؤولين في قدراته، وفتح له آفاقاً واسعة في العمل الدبلوماسي. انتقل بعدها للعمل في سفارات المملكة في طهران وباكستان، وهي محطات أكسبته حنكة سياسية وفهماً لآليات العمل الدولي. في طهران، عاصر فترة من التحولات السياسية الكبرى في إيران، وتعلم كيف تدار المصالح الوطنية في بيئات دبلوماسية معقدة. كان الحجيلان في تلك الفترة يجمع بين مهامه الرسمية وبين شغفه الأدبي، حيث كان يكتب القصص والمقالات وينشرها في الصحف السعودية الناشئة، مما جعله وجهاً مألوفاً في الأوساط الثقافية قبل أن يصبح مسؤولاً عنها.
في أوائل الستينيات الميلادية، كانت المملكة تمر بمرحلة من التطوير الإداري الشامل تحت إشراف الملك فيصل بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك)، وصدر القرار بتعيين جميل الحجيلان مديراً عاماً للإذاعة والصحافة والنشر عام 1382هـ. كان المنصب تكليفاً بإعادة صياغة المشهد الإعلامي السعودي بالكامل. الإعلام السعودي قبل توليه اعتمد على جهود مشتتة، وإذاعة ذات إمكانات محدودة، وصحافة فردية تعاني من ضعف التمويل والتنظيم.
أدرك الحجيلان أن الإعلام هو واجهة الدولة، وأنه السلاح الأهم في معارك التنمية والتنوير والدفاع عن سياسات المملكة. عمل بجهد دؤوب على تطوير الكوادر الوطنية، واستقطاب الخبرات، وتحديث الأجهزة التقنية. وفي عام 1382هـ الموافق 1963م، توجت هذه الجهود بصدور الأمر الملكي بإنشاء وزارة الإعلام، ليكون جميل الحجيلان أول وزير يتولى هذه الحقيبة. كانت الوزارة وليدة، لكن طموحات وزيرها الشاب لم تكن لها حدود، فوضع قواعد العمل المؤسسي، وبدأ في رسم السياسة الإعلامية التي توازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية وبين الانفتاح على العالم.
يعد نظام المؤسسات الصحفية الذي صدر في عهده عام 1383هـ الموافق 1964م هو التحول الأهم في تاريخ الصحافة السعودية. قبل هذا النظام، كانت الصحف ملكيات فردية، يديرها أصحابها باجتهادات شخصية، وكثيراً ما كانت تتعثر مالياً أو تتوقف عن الصدور. رأى الحجيلان، بدعم قوي من الملك فيصل، أن الصحافة يجب أن تتحول إلى عمل مؤسسي جماعي لضمان استمراريتها وتطوير مهنيتها. واجه هذا القرار معارضة شرسة من أصحاب الصحف الفردية، الذين رأوا فيه مساساً بحقوقهم التاريخية. وصل الأمر بوفد من كبار الصحفيين أمثال أحمد السباعي وصالح جمال وعبدالله خياط للذهاب إلى الرياض لمقابلة الملك فيصل وجميل الحجيلان في محاولة لإلغاء القرار. كان موقفه حازماً ومنطقياً، حيث أوضح لهم أن المصلحة الوطنية تقتضي وجود مؤسسات صحفية قوية قادرة على المنافسة والارتقاء بمستوى الوعي. حسم الملك فيصل الأمر بقوله الشهير: «لقد قضت المصلحة بما صدر به المرسوم الملكي، وعليكم أن تحسنوا اختيار الأعضاء». وبذلك، طويت صفحة الصحافة الفردية، وولدت المؤسسات الصحفية الكبرى مثل مؤسسة الجزيرة وعكاظ واليمامة وغيرها، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، بفضل تلك الرؤية التنظيمية التي قادها الحجيلان.
لم يكتفِ الحجيلان بإصدار النظام، بل تابع تنفيذه بدقة، وحرص على أن تكون هذه المؤسسات مستقلة مالياً وإدارياً، مع التزامها بالخطوط العريضة للسياسة الإعلامية للدولة. كان يرى في الصحافة سلطة رابعة بمهام وطنية، وليست مجرد وسيلة لنشر الأخبار، بل أداة لبناء الرأي العام الواعي والمسؤول. وضع في هذا النظام شروطاً تضمن كفاءة القائمين على هذه المؤسسات، وفتح الباب أمام جيل جديد من الصحفيين المهنيين الذين صاغوا وجدان المواطن السعودي لعقود. كذلك لم يتوقف طموحه عند الإذاعة والصحافة، بل كان يحلم بإدخال التلفزيون إلى كل بيت سعودي. كانت هذه الخطوة تواجه تحديات اجتماعية وفنية هائلة، إذ كان هناك تيار اجتماعي ينظر بريبة إلى هذا الوافد الجديد، ولكن الحجيلان بذكائه الإداري ودعمه من القيادة استطاع تجاوز هذه العقبات. بدأ العمل على إنشاء محطتي تلفزيون في الرياض وجدة، وحرص الحجيلان على أن يكون المحتوى التلفزيوني لائقاً بالقيم السعودية، وفي الوقت نفسه جذاباً.
في التاسع من ربيع الأول عام 1385هـ الموافق يوليو 1965م، انطلق البث التلفزيوني الأول بكلمة تاريخية ألقاها الحجيلان بنفسه، ليعلن دخول المملكة عصر الصورة. كان الحجيلان يتابع أدق التفاصيل، من اختيار المذيعين الأوائل أمثال بدر كريم وغالب كامل وماجد الشبل وعبدالرحمن يغمور إلى نوعية البرامج. استقطب أسماء لامعة لتطوير المحتوى، وكان يرى في التلفزيون وسيلة تعليمية وتثقيفية قبل أن تكون ترفيهية.
نجح التلفزيون السعودي في سنواته الأولى في خلق ذاكرة وطنية مشتركة، وأصبح منبراً لتوعية المجتمع وتثقيفه، بفضل التأسيس الرصين الذي وضعه أول وزير للإعلام. واجه الحجيلان تحديات فنية كبيرة، من توفير أجهزة البث إلى تدريب الكوادر الفنية السعودية. كان يزور مواقع العمل ليلاً ونهاراً، ويشجع الشباب السعودي على الانخراط في هذا المجال الجديد. بفضله، أصبح التلفزيون السعودي في حينه وفي وقت قياسي من أبرز الشاشات العربية، يقدم محتوى يجمع بين الرصانة والجاذبية، وبرزت في عهده برامج وثائقية وحوارية رصينة، ووضع ميثاقاً أخلاقياً للعمل التلفزيوني يراعي خصوصية المجتمع السعودي وتطلعاته نحو المستقبل.
ارتبط اسمه بلحظات مفصلية في تاريخ المملكة، لعل أبرزها هو تكليفه بقراءة البيان التاريخي لانتقال الحكم من الملك سعود إلى الملك فيصل عام 1384هـ. يروي الحجيلان أن الملك خالد الذي كان ولياً للعهد آنذاك هو من سلمه البيان وطلب منه قراءته عبر الإذاعة والتلفزيون. كانت لحظة ثقيلة ومسؤولة، أداها الحجيلان بهدوء ورصانة، مما ساهم في استقرار الأوضاع وضمان الانتقال السلس للسلطة. وموقف آخر يجسد وفاءه وحنكته، هو لحظة إبلاغه الملك فيصل بوفاة أخيه الملك سعود في أثينا عام 1969م. يصف تلك اللحظة بكثير من التأثر، حيث دخل على الملك فيصل وقبَّل رأسه وقال بهدوء: «عظم الله أجركم في أخيكم الملك سعود». كان الحجيلان يعرف قدر العلاقة الأخوية بين الملوك، وكان يختار كلماته بعناية لتخفيف وطأة الخبر الصادم. كما سجل الحجيلان مواقف شجاعة في الدفاع عن سياسة المملكة الإعلامية خلال فترات الحروب والأزمات العربية، ولاسيما في حرب 1967م. رفض الانجرار وراء المهاترات الإعلامية التي كانت تعصف بالمنطقة آنذاك، وأصر على تقديم خطاب سعودي رصين يعكس حكمة القيادة وتوازن مواقفها. في عهده، أصبح الإعلام السعودي مرجعاً للصدق والدقة، بعيداً عن المبالغات والشعارات الجوفاء، مما أكسب المملكة احترام الأصدقاء والخصوم على حد سواء.
في عام 1390هـ، انتقل من وزارة الإعلام ليتولى حقيبة وزارة الصحة، وكان هذا الانتقال مفاجئاً للبعض، حيث جرت العادة أن يتولى هذه الوزارة أطباء. لكن القيادة كانت تدرك أن قطاع الصحة يحتاج في تلك المرحلة إلى عقل إداري ومنظم من طراز رفيع أكثر من حاجته إلى طبيب ممارس. خلال فترة توليه وزارة الصحة، طبق الحجيلان معايير الانضباط والمأسسة التي نجح فيها في الإعلام، وعمل على توسيع شبكة المستشفيات والمراكز الصحية، واهتم بتطوير أنظمة الرعاية الأولية. كانت رؤيته تعتمد على أن الصحة هي منظومة إدارية متكاملة تبدأ من التخطيط السليم وتنتهي بالخدمة المقدمة للمواطن. اعتمد منهج العمل الجماعي، وكان يعقد اجتماعات يومية مع أركان الوزارة لمتابعة سير العمل في كافة مناطق المملكة. وعلى الرغم من قصر الفترة التي قضاها في الصحة مقارنة بالإعلام، إلا أنه ترك أثراً لا يمحى في تنظيم العمل الإداري داخل الوزارة، ووضع اللبنات الأولى لنظام صحي شامل يغطي كافة مناطق المملكة، مع التركيز على جودة الخدمة وكفاءة الكادر الطبي. يروي في مذكراته أن العمل في الصحة كان مرهقاً ولكنه كان مجزياً إنسانياً، حيث رأى كيف يمكن للتنظيم السليم أن ينقذ الأرواح ويحسن حياة الناس.
بعد مسيرته الوزارية الحافلة، عاد إلى ميدانه الأول، وهو الدبلوماسية. عُين سفيراً للمملكة في الكويت في فترة حرجة بعد الاستقلال، حيث ساهم في تعزيز العلاقات الأخوية وحل الملفات العالقة بحكمة وهدوء. ثم انتقل سفيراً في ألمانيا الغربية، وصولاً إلى المحطة الأهم في مسيرته الدبلوماسية وهي سفارة المملكة في باريس التي قضى فيها نحو عشرين عاماً. في باريس، كان عميداً للسلك الدبلوماسي العربي، ووجهاً مشرقاً للثقافة السعودية. استطاع بفضل لغته الفرنسية الراقية وأسلوبه الدبلوماسي الهادئ أن يبني جسوراً متينة من التعاون بين الرياض وباريس. كان يحاور النخب الفكرية والسياسية بلغتهم، ويصحح الصور النمطية عن المجتمع السعودي، مدافعاً عن قضايا وطنه وأمته بكل اقتدار ورقي.
يذكر له الفرنسيون أنه كان السفير الذي يتحدث لغة موليير ببراعة تفوق الكثير من أهلها، مما فتح له أبواب الإليزيه وأروقة الفكر الفرنسي، وجعل صوت المملكة مسموعاً ومقدراً في المحافل الأوروبية.
توج جميل الحجيلان مسيرته العملية بتوليه منصب الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1996م. جاء اختياره في وقت كان فيه العمل الخليجي يحتاج إلى دفعات جديدة من التنظيم والمبادرات، وبحكم خبرته الطويلة في الإدارة والدبلوماسية، استطاع الحجيلان أن يطور آليات العمل داخل الأمانة العامة، وكان يؤمن بأن قوة الخليج في وحدته وتنسيق مواقفه. حظي بتقدير كبير من قادة دول المجلس، مما أدى إلى التجديد له لفترة ثانية، تقديراً لجهوده في تطوير المنظومة الخليجية وجعلها أكثر فاعلية في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. خلال فترته، شهدت الأمانة العامة تحولاً نحو العمل المؤسسي الأكثر دقة.
ما يميز جميل الحجيلان هو الأسلوب، فهو يمتلك ناصية اللغة العربية بشكل مذهل، يجمع في كتاباته وخطاباته بين الدقة القانونية وبين الرونق الأدبي. عندما يتحدث الحجيلان، يشعر المرء وكأنه أمام أديب من العصر العباسي يرتدي حلة رجل دولة عصري. في مذكراته التي كتبها بعنوان «في عهد سبعة ملوك»، يظهر ككاتب سيرة من الطراز الأول، يسرد الأحداث بكثير من الصدق والموضوعية، متجنباً المبالغات، ومركزاً على الدروس المستفادة. لغته تمتاز بالرصانة والعذوبة، وقدرته على وصف الشخصيات والمواقف تجعل القارئ يعيش اللحظة التاريخية بكل تفاصيلها.
يتناول في مذكراته نشأته في دير الزور، ورحلته إلى القاهرة، ومحطاته الوزارية والدبلوماسية، بأسلوب يجمع بين التأمل الفلسفي والتوثيق التاريخي. يعد الحجيلان نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي لم تشغله المناصب عن القراءة والاطلاع، وكان يؤمن بأن الإدارة بلا ثقافة هي جفاف، وأن السياسة بلا أدب هي غلظة. لذا، كانت كل قراراته وإنجازاته مغلف بلمسة إنسانية وثقافية واضحة. يروي زملاؤه أنه كان يراجع البيانات الرسمية بنفسه، ويحرص على سلامة اللغة وقوة التعبير، مؤمناً بأن لغة الدولة هي مرآة رقيها، وأن الكلمة هي أمانة يجب صونها وتجويدها.