مبارك بن عوض الدوسري
هناك هدايا تُسعد لحظة، وهناك هدايا توقظ ذاكرة عمرٍ كامل؛ ومن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لغيره أن يهديه ذكرى جميلة كانت نائمة في أعماق القلب، فتعود إليها الحياة من جديد.
هذا تماماً ما فعله الابن سعد بن عبدالله آل غانم عندما فاجأني بمجموعة من الطوابع البريدية الحديثة، كان قد اقتناها من إحدى الجهات الرسمية المعنية بالطوابع، وهو يعلم جيداً أنني كنت في سنوات الشباب وأيام الدراسة من أشد المهتمين بجمع الطوابع البريدية، حتى إنني امتلكت آنذاك عشرات الألبومات التي ضمت مجموعات نادرة من مختلف دول العالم، جمعتها على مدى سنوات طويلة بشغف وصبر واعتزاز.
ومع تعاقب السنين، وتزايد المسؤوليات، وانشغالات الحياة، ابتعدت عن تلك الهواية، لكنها لم تغادرني تماماً، فما زلت أحتفظ بكل ما جمعته، لأنها بالنسبة لي ليست مجرد طوابع ورقية، بل صفحات من التاريخ، وذكريات لا تُقدّر بثمن، ونافذة واسعة أطللت منها على ثقافات الشعوب وحضارات الأمم.
لقد أعادتني تلك الهدية الجميلة إلى التفكير في قيمة هذه الهواية الراقية، وفي الأسف الذي نشعر به ونحن نرى اهتمام الأجيال الجديدة بها يتراجع عاماً بعد عام، نتيجة التطور الكبير في وسائل الاتصال والتواصل، حتى أصبحت الرسائل الورقية والطوابع البريدية أقل حضوراً في حياتنا اليومية.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا هي أن انتهاء الحاجة العملية للطابع البريدي لا يعني أبدًا انتهاء قيمته الثقافية والتاريخية.
فالطابع البريدي ليس مجرد وسيلة لإيصال رسالة، بل هو وثيقة وطنية مصغرة، وسفير ثقافي يحمل هوية الدولة، ويجسد تاريخها، وإنجازاتها، ورموزها، وتراثها، وشخصياتها، ومناسباتها الوطنية؛ وكل طابع يحكي قصة، ويختصر تاريخاً، ويقدم درساً في الجغرافيا أو الحضارة أو الفن أو السياسة في مساحة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.
ولذلك لم يكن غريباً أن تُعرف هواية جمع الطوابع عالميًا باسم Philately، وأن تحظى باهتمام كبير منذ إصدار أول طابع بريدي في العالم عام 1840م في بريطانيا، المعروف باسم «بيني بلاك»، حتى أصبحت توصف بأنها «هواية الملوك وملكة الهوايات» لما تجمعه من متعة وثقافة ومعرفة واستثمار.
وما يميز هذه الهواية أنها لا تنمي المعرفة التاريخية والجغرافية فحسب، بل تغرس في ممارسها الصبر، والدقة، والتنظيم، والبحث، والتوثيق، كما تفتح له أبواب التعارف مع هواة من مختلف دول العالم من خلال تبادل الطوابع والمشاركة في المعارض والملتقيات والمنتديات المتخصصة، وهو ما يعزز الحوار الثقافي بين الشعوب بلغة راقية لا تحتاج إلى ترجمة.
ومن الجوانب التي قد يجهلها كثيرون أن بعض الطوابع النادرة أصبحت اليوم تُباع بمبالغ مالية كبيرة، وتحولت إلى مقتنيات ذات قيمة استثمارية عالية، الأمر الذي يضيف بعداً اقتصادياً إلى هذه الهواية الثقافية.
وفي المملكة العربية السعودية، أسهمت الجمعية السعودية لهواة الطوابع منذ تأسيسها في نشر ثقافة الطوابع، والمحافظة على هذا الإرث الثقافي، وتنظيم المعارض والفعاليات، وتمثيل المملكة في المحافل العربية والدولية، إلى جانب تشجيع الهواة، وتوثيق تاريخ الطابع السعودي بوصفه جزءاً من ذاكرة الوطن.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تبقى محصورة في الجمعيات أو الهواة، بل يجب أن تمتد إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، لأن أفضل وقت لغرس الهوايات الهادفة هو سنوات الدراسة.
إنني أدعو وزارة التعليم، وإدارات التعليم، والمدارس، والأندية الطلابية، والأنشطة الكشفية والثقافية، إلى إعادة إحياء هذه الهواية بين الطلاب والطالبات، من خلال إنشاء أندية لجمع الطوابع، وتنظيم مسابقات ومعارض مدرسية، واستضافة هواة ومتخصصين للتعريف بهذا العالم الجميل، وربطه بالمناهج الدراسية في التاريخ والجغرافيا والثقافة الوطنية، ليصبح التعلم أكثر متعة وعمقاً
كما يمكن للجهات المعنية بالبريد والثقافة والجمعيات المتخصصة إطلاق مبادرات وطنية لتوزيع مجموعات طوابع تعريفية على المدارس، وإقامة معارض متنقلة، وإنتاج محتوى رقمي يجذب الجيل الجديد إلى هذا الموروث الثقافي بأساليب عصرية تجمع بين الأصالة والتقنية.
إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تسمح بأن تضيع رموزه الصغيرة، والطابع البريدي واحد من تلك الرموز التي تختزن ذاكرة وطن، وتحفظ أحداثاً وشخصيات وإنجازات قد لا نجدها مجتمعة في كتاب واحد.
لقد كانت هدية الابن سعد بن عبدالله آل غانم أكبر من مجموعة طوابع؛ فقد كانت دعوة صامتة لاستعادة شغف قديم، ورسالة جميلة تؤكد أن الهوايات الأصيلة لا تموت، وإنما تنتظر من يعيد إليها الحياة.
ويبقى الأمل أن نرى أبناءنا وبناتنا يحملون ألبومات الطوابع كما يحملون اليوم أجهزتهم الذكية، لأن بناء الإنسان لا يكون بالتقنية وحدها، بل أيضاً بالهوايات التي تثري الفكر، وتنمّي الذائقة، وتصنع الوعي، وتحفظ التاريخ للأجيال القادمة.