د.عيد بن حجيج الفايدي
اكثر من مليار ونصف المليار متابع من خلال شاشات الجوال والتلفاز لفعاليات كأس العالم عدد ورقم غير مسبوق. لأن كرة القدم ليست لعبة فقط، إنها مرآة وصياغة ذاكرة للعالم.كما أن للأدب «مدارس واتجاهات»، فإن لكرة القدم مدارس واتجاهات و»أساليب لعب» تعبّر عن البنية الذهنية للأمم. فالكرة الإنجليزية تتميّز بالمباشرة والقوة البدنية، والإيطالية بالتكتيك الدفاعي المحسوب، والبرازيلية باللعب بالمهارات الفردية ،والمكينة الألمانية لها خطط وبرامج خاصة، بينما تتميّز الكرة الإسبانية بالحوار الجماعي المتواصل. وتعبّر «التيكي-تاكا» وبالعربي»طق طاق» وهو أسلوب لعب إسباني يعتمد على التمريرات القصيرة للتحكم باللعب مدة أطول، وبعض الإسبان يسميه باللعب الموضعي وهذا الأسلوب تشكّل حديثاً متأثرًا بالمدرسة الهولندية.
وتتجاوز كرة القدم كونها مجرد لعبة لتصبح نصّا ثقافيًّا متكاملاً يعكس اللعب الجماعي. وفي هذا السياق، لم يكن فوز إسبانيا بكأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي عابر، بل تجلّى كظاهرة أدبية عميقة، كاشفاً عن تحوّل جذري في البنية الذهنية للمجتمع الإسباني. فقد كان الأسلوب الكروي الإسباني، المعروف بـ»التيكي-تاكا» نسبة لصوت الكرة خلال التمريرات السريعة بين أقدام اللاعبين، أكثر من مجرد تكتيك؛ لقد كان لغة شعرية تُخَطّ بالاستحواذ الكروي على العشب الأخضر، -وهناك انواع من الاستحواذ خارج مستطيل الملعب من الصعب الإلمام بها-.
لم يأتِ هذا الأسلوب من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لفلسفة «الكرة الشاملة» الهولندية التي حملها «يوهان كرويف» إلى برشلونة حين تولّى تدريبها عام 1988. ومع ذلك، حوّلها الإسبان إلى مفهوم أعمق وأكثر شمولية: طريقة ترتكز على السيطرة المطلقة على الكرة كوسيلة للتحكّم في الزمان والمكان، وهو ما تجلّى في نسبة الاستحواذ المرتفعة للفريق الإسباني مقارنة بخصومه. فالتمريرات القصيرة لم تكن مجرد وسيلة لتناقل الكرة، بل كانت أسلوباً للحوار الجماعي المستمر، والضغط الفوري بعد فقدان الكرة كان بمثابة فعل لاستعادة الهوية المفقودة. يقسّم «بيب غوارديولا» الملعب إلى مناطق هندسية دقيقة، ويرسم خطوطاً إرشادية للاعبين لتعليمهم المواقع الصحيحة، مما يجعل اللعب يبدو للوهلة الأولى مجرد تمريرات، لكنه في الحقيقة يمثّل حساباً دقيقاً للعلاقات المكانية، شبيهاً بما يفعله الشاعر عند توزيع الكلمات في البيت الشعري. تتشكّل المثلثات والمعينات المكانية بين اللاعبين لتكوّن بنية سردية متكاملة؛ فكل تمريرة جملة في نص جماعي، وكل حركة بلا كرة إيحاء ضمني ينتظر التحقق، وكل استعادة للكرة استعادة للذاكرة الجماعية للفريق.
يشير المؤرخ الرياضي (Sid Lowe) إلى أن كرة القدم الإسبانية قامت تاريخيًّا على التقاء تقليدين: «لا فوريا روخا» (الغضب الأحمر)، وهو الأسلوب القوي والمباشر والعدواني الذي عُرف به المنتخب منذ فوزه بالميدالية الفضية في أولمبياد أنتويرب عام 1920، و»التيكي-تاكا» المعاصر، القائم على اللعب الجماعي والتمريرات القصيرة والاستحواذ على الكرة. وهذا التوازن الدقيق بين القوة والرقة، بين العضلات والعقل، يشكّل الصراع الدرامي المحوري في النص الكروي الإسباني. فالمنتخب الذي توّج بلقبه العالمي الثاني عام 2026 لم يكن فريقاً «ناعماً» فحسب، بل امتلك أيضاً القدرة على الحسم في اللحظات الحاسمة. وقد جاء هدف الحسم في النهائي، الذي أنهى المباراة بفوز 1-0 على الأرجنتين، من قدم اللاعب البديل الذي دخل الملعب في الشوط الثاني وسجّل في الشوط الإضافي؛ وهو ما يحمل بنية المأساة اليونانية: انتظار طويل مشحون بالتوتر الدرامي، وبطل غير متوقع لم يكن أساسيًّا في التشكيلة، وتدخّل اللحظة الحاسمة في وقت متأخر من المباراة. ويكتسب هذا الهدف بعده الدرامي من كونه تتويجاً لمسيرة كادت تُفتَتح بعثرة: التعادل السلبي المفاجئ أمام الرأس الأخضر في افتتاح المجموعات، قبل أن تتحول تلك البداية المتعثرة إلى سلسلة من ثلاث وثلاثين مباراة دون هزيمة توّجتها إسبانيا بلقب المونديال.
إن «التيكي-تاكا» ليست مجرد استراتيجية رياضية، بل هو أسلوب يقول: من يملك الكرة يملك الزمن، ومن يملك الزمن يملك المكان، ومن يملك المكان يملك النتيجة. هذا المفهوم يذكّر بأطروحة ميشيل فوكو حول العلاقة المعقدة بين السلطة والمعرفة. فقد كان الفريق الإسباني يمارس سلطة رمزية على خصومه، يجبرهم على الركض المتواصل خلف الكرة، مما يستنزفهم جسدياً وذهنياً. ويحمل مبدأ «استعادة الكرة في الثواني الأولى» بعد فقدانها بعداً ثورياً-وجودياً، إذ لا يقبل الفريق بفقدان ما يملكه، بل يحوّل اللحظة إلى فرصة لاستعادة زمام المبادرة فوراً، وساهم ارتفاع نسبة الشباب بين صفوف اللاعبين الإسبان، في مقابل الخبرة المتراكمة لدى نظرائهم الأكبر سنًا في صفوف الخصوم، في تعزيز هذه الهوية الديناميكية. فلم يكن اللاعبون الإسبان «أبطالاً فرديين»، بل كانوا أصواتاً متناغمة في فرقة واحدة. ومع ذلك، لم يكن النص الإسباني خالياً من النقد الذاتي؛ فقد وُصفت «التيكي-تاكا» بأنها «عقيمة» من قبل بعض النقاد، و»مملة» من قبل بعض الصحفيين. وهذا النقد يشكّل الصراع الداخلي في النص: هل الجمال وحده يكفي، أم أن الغاية تبرّر الوسيلة؟ هل الاستحواذ هدف في ذاته أم مجرد وسيلة للفوز؟ وقد كان سقوط إسبانيا في بعض البطولات السابقة بمثابة النهاية المأساوية التي يحتاج إليها السرد، فالنص الذي لا يعرف السقوط لا يعرف الفوز.
لم تكن أكاديمية برشلونة «لا ماسيا» مجرد مدرسة لكرة القدم، بل كانت ورشة لصناعة الذاكرة الثقافية. فقد تعلّم اللاعبون الذين نشأوا فيها «الروندو» كما يتعلّم الطفل لغته الأم، مما يجعل «التيكي-تاكا» تراثاً ثقافياً ينتقل عبر التعليم والتكرار، تماماً كما تنتقل الحكايات الشعبية من جيل إلى جيل.
ويرى بعض المؤرخين الرياضيين أن إسبانيا، إذ وجدت نفسها غير قادرة على مجاراة خصومها في القوة البدنية المحضة، اختارت بدلاً من ذلك الاحتكار شبه الكامل للكرة.
ويعكس هذا الخيار تحوّلاً حضاريًّا عميقاً: مجتمع يتخلّى عن «الغضب» ويتّجه نحو «الحكمة»، في انتقال من ثقافة البطولة الفردية إلى ثقافة الحوار الجماعي.
يمكن قراءة فوز إسبانيا بكأس العالم 2026 كنص أدبي متكامل يحمل بنية درامية واضحة: البطل، النكسة، الذروة، والحل. كما يزخر بالرموز؛ فالكرة ترمز إلى السلطة، والملعب يرمز إلى العالم، وتتجلّى اللغة في التمريرات بوصفها جملاً، وفي الحركة بوصفها إيقاعاً. أما الهوية فتتجسد في أسلوب اللعب بوصفه تعبيراً عن الذات الجماعية. كانت «التيكي-تاكا»، في جوهرها، قصيدة جماعية كتبها أحد عشر لاعباً على مساحة 7140 متراً مربعاً، أمام مليارات المشاهدين. وقد عبّر أحدهم، في نقده للتبسيط المفرط لهذا الأسلوب، عن رفضه لفكرة «التمرير من أجل التمرير»، مؤكداً أن كل تمريرة ينبغي أن تحمل نية واضحة هدفها الوصول إلى مرمى الخصم. وهذا يعني أن الجمال الحقيقي في كرة القدم، كما في الأدب، لا يكمن في الشكل وحده، بل في النية والمعنى. وقد كان فوز إسبانيا عام 2026 تحقيقاً لهذا المعنى بعد رحلة طويلة من البحث عن الهوية.
إن قراءة كرة القدم قراءة سلوكية تحليلية لا تنتقص من قيمتها الرياضية، بل تضيف إليها بعداً إنسانيًّا عميقاً. فالفريق الذي يلعب ليس مرد مجموعة من الرياضيين، بل هو تجسيد لحلم جماعي، وسرد لذاكرة شعب، ورؤية لعالم ممكن؛ عالم يسود فيه الحوار على الصراع، والجماعة على الفرد، والجمال على العنف.. وهنا تحية للمنتخب السعودي الذي كان بوابة وفال حسن لبطل كأس العالم مرتين متتاليتين، في المرة الأولي انتصر على بطل كأس العالم وفي المرة الثانية نظرية «الاستحواذ» لم تسمح له بالمرور.