أحمد الأسمري
انتهى أكبر مونديال في التاريخ بمشهد لم نألفه في النهائيات الحديثة: مباراة تسير في اتجاه واحد، وبطل يفرض إيقاعه لدرجة بدا أمامها منافسه عاجزاً عن تنفيذ هجمة أو تسديدة حقيقية طوال أشواطها الأربعة.
احتاجت إسبانيا إلى الوقت الإضافي كي تسجل، لكنها لم تحتج إلى جدال كي تثبت أنها الأحق. فريق منظم ومرن، يعرف كيف يملك الكرة وكيف يستردها سريعاً، وأخضع خصومه واحداً بعد آخر، قبل أن يقدم أجمل عروضه أمام فرنسا العنيدة ثم الأرجنتين حاملة اللقب.
أخذ الإسبان الكأس، واحتكروا ثلاثاً من الجوائز الفردية: الكرة الذهبية، القفاز الذهبي، وأفضل لاعب شاب. أما الحذاء الذهبي فذهب إلى كيليان مبابي بعشرة أهداف، بعدما انتزع أيضاً صدارة هدافي كأس العالم عبر التاريخ من ميسي.
وهكذا كتب المونديال السطر الأخير في رحلة ليونيل الطويلة: دموع حارة، وخسارة مخيبة، وأرقام أفلتت، واتهامات ثقيلة بمحاباة الأرجنتين في طريقها إلى النهائي.
ودّع ميسي الكأس أمام لامين يامال، الفتى ذي الجذور المغربية، الذي حمّمه «البولغا» رضيعاً خلال جلسة تصوير خيرية قبل تسعة عشر عاماً، كأن الصور القديمة كانت تسجل، من دون أن تدري، لحظة تسليم شعلة المستقبل.
ولإسبانيا استحقاق آخر في وجدان العرب. هي دولة اعترفت بفلسطين، ورئيس حكومتها بيدرو سانشيز كان الصوت الأوضح بين قادة الدول الأوروبية الكبرى في نقد الاعتداءات الإسرائيلية. وفي الجهة المقابلة وقف الرئيس خافيير ميلي، الصديق الحميم لنتنياهو الذي حرص شخصياً على إبراز دعمه للأرجنتين، فيما كان إيتمار بن غفير يبتهل من أجل انتصارها. لذلك شعر عرب كثيرون بأن فوز إسبانيا عدالة تتخطى المستطيل الأخضر.
لكن النسخة ستبقى أيضاً مونديالاً أضر فيه الفيفا بنفسه. قرارات «الفار» والتحكيم المثيرة، وشبهة التدخلات، وفضيحة البطاقة الحمراء للاعب الأمريكي فولارين بالوغون، وفترات «الترطيب» الإعلانية، أعادت إلى الذاكرة حقبة مظلمة ظن الجميع أن إنفانتينو، وريث تركة بلاتر، جاء ليمحو أثرها.
أما أمريكا، فقد جعلت التأشيرات وإجراءات الدخول والتفتيش جزءاً من صورة البطولة المضطربة. فقد مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول البلاد، فضاع عليه أن يصبح أول حكم صومالي يشارك في كأس العالم، فيما أُوقف مهاجم العراق أيمن حسين في مطار شيكاغو وأُخضع للاستجواب قرابة سبع ساعات، بينما مُنع مصور المنتخب من العبور. ثم واجهت البعثة الإيرانية قيوداً على الدخول والتنقل دفعت اتحادها إلى تقديم شكوى للفيفا، وطالت مشكلات التأشيرات مشجعين وعاملين من المغرب ومصر والأردن والعراق ودول أخرى. وإلى جانب ذلك، تكررت الشكاوى من المبالغة في إجراءات التفتيش، وصعوبات النقل، وغلاء التذاكر والخدمات.
عربياً، جاء الحضور قياسياً بثمانية منتخبات، لكن الحصيلة كانت دون المأمول. كان منتخبا المغرب ومصر الاستثناء، حين بلغ أسود الأطلس ربع النهائي واستعاد بونو بطولاته أمام هولندا، فيما قدم الفراعنة منتخباً من قلب الناس، تحدث فيه حسام حسن وطاقم وطني بلسان «الغلابة»، وقادوا فريقاً استحق طريقاً أطول، قبل خروجه المثير للاعتراض أمام الأرجنتين.
ولا يمكن أن تُطوى صفحات المونديال دون المرور على منتخب الرأس الأخضر، مفاجأة النسخة. ففي مشاركته الأولى بلغ الأدوار الإقصائية بلا هزيمة في دور المجموعات، بعدما استهل رحلته بتعادل تاريخي مع البطلة إسبانيا، وفي دور الـ32 وقف نداً للوصيفة الأرجنتين، وأجبرها على خوض الوقت الإضافي قبل أن يغادر بشرف. منتخب ينتمي إلى دولة صغيرة في حجمها وعدد سكانها، لكنه ظهر كبيراً في شجاعته وتنظيمه، وأثبت أن المونديال ما زال يصنع الحكايات الملهمة.
ورغم أوجاع الخروج المبكر كان للسعودية تواجد مضيء: محمد العويس متصدياً باسلاً أمام الأوروغواي، وأرامكو شريكاً عالمياً للفيفا، وياسر الرميان حاضراً لافتاً في مراسم التتويج.
كما أن المنتخب السعودي ما زال الوحيد عربياً الذي نال ميدالية ملونة في بطولات الفيفا للمنتخبات الأولى للرجال على مدار التاريخ، منذ أحرز فضية بطولة القارات على كأس الملك فهد عام 1992. إنجاز وضع اسم الكرة السعودية في سجل عالمي لم يستطع أي منتخب عربي أن يشاركه فيه حتى اليوم، وصفحة مجيدة من تاريخنا الرياضي، تنتظر جيلاً جديداً يكتب إلى جوارها صفحات أخرى.